حجـاب المــــرأة وخلفيـــات التبــــرج فــي الفكــــر الإســـلامــي

 

Text Box:  
 
حجـاب المــــرأة وخلفيـــات التبــــرج فــي الفكــــر الإســـلامــي
Text Box:  

 

 

 

 

 

 

 


 

                                               

 

 

 الـدكتور  : محمد  بنيعيـش

 

 

الــفــهــــــرس

******

   

 مقـدمـةممم

مقدمة

 الفصل الأول : البعد التوحيدي لحجاب المرأة في الفكر الاسلامي

 المبحث الأول : الأصل العقدي للحجاب والغيرة في الفكر الاسلامي

أولا : حجاب المرأة بين الذاتية السياسية والاعتبارات الموضوعية

1 ـ ملخص تناقض العلمانيين في رفض حجاب المرأة

2 ـ وهم الإقتران ومرضيته في رفض حجاب المرأة

ثانيا : مفهوم الحجاب المتكامل في تفسير الفقهاء والصوفية

1 ـ الفتاوي الفقهية في الظواهر العملية للحجاب

2 ـ الإعتبارات النفسية والروحية للحجاب عند الصوفية

ثالثا : التكامل الوظيفي بين الحب والغيرة لايجاب الحجاب

1 ـ البعد التوحيدي للغيرة في الحق والخلق

2 ـ تلازم الغيرة والمحبة في إيجاب الحجاب

المبحث الثاني : حجاب المرأة ووحدة العلوم عند الصوفية

أولا : العلوم المادية والبعد التوحيدي للحجاب

1 ـ مبدأ وحدة العلوم طريق إلى التوحيد عند الصوفية

2 ـ حجاب المرأة بين تطابق السنن الشرعية والكونية

ثانيا : التفسير النفسي لحجاب المرأة بين الغربيين والصوفية

1 ـ خلفيات المكبوتات وعلاجاتها المتناقضة في الفكر الغربي

2 ـ الفكر الإسلامي وتفادي الكبت والعصاب بالحجاب

الفصل الثاني : بواعث التبرج بين خلفيات الجهل والتجاهل

المبحث الأول، الجهل بالحكم الشرعي من خلفيات التعليم والتكوين المهني

أولا : خلفية الجهل بين البسيط والمركب في التربية والتعليم

1 ـ حكم التبرج ونعت الجاهلية الأولى

2 ـ تكريس التبرج بالتعميم في مناهج التربية والتعليم

ثانيا : تكريس التبرج بزعم التعليل في ممارسة الطب والتمثيل

1 ـ الجهل بحكم الضرورة الفقهية في الممارسة الطبية

2 ـ تكريس التناقض والتجهيل بالتبرج في التمثيل

المبحث الثاني : الغريزة والعادة بين مركب الجهل والتجاهل

أولا : الجهل بالغريزة ونتائج إثارة الشهوة

1 ـ الغريزة ومقتضيات الشهوة والإثارة

2 ـ الكف الباطني وضبط الشهوة بالتزام الحجاب

ثانيا : الجهل بطبيعة الرجل وانفعالاته

1 ـ البعد التوحيدي للتمايز العضوي والوظيفي بين الجنسين

2 ـ الحجاب الشرعي بالحد من الخيالات الجنسية وإثارتها

ثالثا : التجاهل المبرر بالعرف والعادات

1 ـ العادة وتقليد الغوغائية الجماعية

2 ـ التبرج بالتساهل وتعود التواصل

الفصل الثالث : التبرج بين خلفيات الشذوذ السلوكي والنفسي

المبحث الأول : مركب المراودة والمكايدة

أولا : بواعث المراودة من التلميح إلى التصريح

1 ـ المراودة كمناقضة لخاصية خلق المرأة

2 ـ شذوذ التواضع الإجتماعي والتصريح بالمراودة عند المرأة

ثانيا : المكايدة بين الباعث الشهوي والمنصب الاجتماعي

1 ـ المحورية الشهوية في المكايدة الشهوية

2 ـ خاصية الإيمان في صرف الهم الشهوي بالغضبي

 المبحث الثاني : مركب التغاير والديوثيـة

أولا : خلفيات الغرور والتغاير

1 ـ التبرج بالغرور والتسويف المستقبلي

2 ـ التبرج بالتغاير والمزايدة الشاذة

ثانيا : الديوثية بين خلفيات الغفلة والقصد الجماعي

1 ـ التبرج بالديوثية بين شذوذ الرجل والمرأة

2 ـ التبرج بديوثية الرجل وفساد وعيه

  الخاتمة

  قائمة المصادر والمراجع

 

 

 

 

 

 

         

بسم الله الرحمن الرحيم

)قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم، إن الله خبير بما يصنعون.

وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ماملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، ولا يضربن بأرجلهن ليعلم مايخفين من زينتهن، وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (

صدق الله العظيم

 

                                                                           (سورة النور آية 30-31)

الإهداء

 

إلى زوجتي الصالحة الشريفة

و بناتي الطاهرات العفيفات

 وإلى كل امرأة مسلمة تنشد النور في صفاء الإيمان

  وتـتـزيـى بجلـبــاب الحــيــاء لتحصيــل الإطمئنــــان.

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا  محمد

وآله الطاهرين وسلم تسليما.

 

 

مقـدمـة:

الحمد لله الذي جعل الحاجبين جمالا للوجه وسترا للعينين، إذ لولا قيمة ونفاسة العين لما كان لها حاجب وساتر، ولولا وجود الحاجب لما كان للعين جمال وتجدد قوة في الاستمتاع والاستفادة من المناظر.

فحاجب العين يكسبها مناعـة وجمالا، لأنه من  جهة لا يجعلها  مبتذلة ببروزها الشفاف عند الإبصار، ومن جهة يحفظها من وقع الصدمات ومن العثار وشتى الأضرار.

ومن هنا فلم  يسم الحاجب حاجبا في أغلب الظن (مأخوذا من مادة حجاب) إلا لدوره في حجب العين عن الوقوع في المعاطب، والاسترسال في النظر  بغير مراقب، وذلك لكيلا تتعرض للعمى والكلال والتيه والضلال لأنها شديدة الحساسية والتأثر والإنفعال... والمرأة من هذا المثال قياسا تعد أم العين وعدستها التي لاتعوض بثمن، وخاصة حينما يصيبها العشي أو العمى والرمد، بسبب الإهمال وغياب الحياء وصالح الأعمال، كما أن الحجاب بالنـسبـة إليها يكون الحاجب الذي يزيدها وقارا وبهاء إذا وظف بشروطه الشرعية.

فالحجاب له وظيفته الجمالية والوقائية وذلك لخاصية المرأة الانفعالية الغالبة عليها، وهو انفعال الحنان والمحبة، إذ أن هذه الخاصية لاتـزيدها في نظر الرجل إلا قيمة وحرصا على صيانتها، وذلك بسترها عن كل مايحول انفعالها الإيجابي الى انفعال سلبي، ربما قد يصبح بصورة شاذة منقلبا ومتحولا نحو الوضع الفاعلي إن هو وظف بغير طريقه الشرعي، وبصورة مفرطة ومتطرفة كما هو عليه حال أغلب المتبرجات في عصرنا، حتى ليكاد يخيل للمرء أن الأرض أصبحت عبارة عن كومة مغناطيسية تحمل فوقها مجموعات شحنات كهر-شهوية.

ولاينبغي للمرأة أن تنظر الى وصفنا إياها بخاصية الإنفعال كعنصر سلبي يحط من قيمة شخصيتها وإدراكاتها، ولكن على العكس من ذلك، فهو يمثل قمة الإيجابية بالنسبة إلى وجودها نفسا وجسدا ووظيفتها في المجتمع أما وزوجة.

وتظهر هذه الإيجابية في تمثيلنا للمرأة ووظيفتها في المجتمع بوظيفة العين وفضلها على سائر الأعضاء البارزة في الجسد، حيث لاملاحظة لبروزها وأشكالها إلا من خلال العين.

فلو كانت السلبية والايجابية تقاس بالفاعلية والانفعالية لكانت العين تعتبر من أخـس الأعضاء في جسم الإنسان، لأنها أشدها تـأثـرا وانفعالا بالأشعة والحرارة أو البرودة والحموضة ، بينما  العكس هو الحاصل في تثمين العين وتسعيرها حيث لاتقدر بثمن، لأنها أعز من أن تثمن وأغلى من أن يحتويها سعر ولو خيرت بمال الدنيا كلها.

فالحاجب لايكتمل دوره إلا من خلال الأشفار والأهداب المرتبطة به عضويا والمحددة به شكلا ووظيفة، كما أن حجاب المرأة في الإسلام لايكتمل معناه حتى يوصل شكله بمضمونه، وخاصه بعامه ومطلقه بمقيده .

فهو إما حجاب خاص بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وبناته، وإما حجاب عام ملزم لنساء المؤمنين وبناتهم.

ونحن في هذه الدراسة لن نقتصر على الحديث عن حجاب زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كما يقتضيه المصطلح أصلا، لأنهن قد طبقناه تطبيقا، وبقين المثال الأعلى والقدوة الأطهر في باب الحجاب والإلتزام بأمره ومايقتضيه من  الآداب، بدون تأويل ولاتعطيل أو انصراف عنه بتبرير.

ومن هنا سعينا الى دراسة الحجاب من جهة الأمر الشرعي العام باعتباره جنسا تندرج تحته أنواع ، تجمع مابين المكوث في البيت والنقاب والجلباب والخمار، قد تتفاوت درجات تطبيقاتها بتفاوت الضرورة الداعية اليها عموما وخصوصا ، تقييدا وإطلاقا.

إذن فلامشاحة في الإصطلاح ان كان المعنى مفهوما والمقصد واضحا، لأن العبرة بالمعاني لا بالمباني، فقد يكون حجاب بـلاستـر وقد يكون ستر بغير حجاب، أو يكون ستر وحجاب، وهذا من كمال المصطلح والمضمون. لأن مصطلح الحجاب أدق في المعاني من مصطلح الستر رغم أنـه مرادف له. إذ كل حاجب ساتر وليس أن كل ساتر حاجب،

]وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لايؤمنون بالآخرة حجابا مستورا[.

ولهذا فضلنا عنونــة الكتاب ب (حجاب المرأة وخلفيات التبرج في الفكر الإسلامي) حتى يتناسب العنوان مـع مضمون البحث وغايته.

إذ أن هذا الكتاب محاولـة لدراسة موضوع الحجاب في بعده الروحي والسلوكي ، وهو مرتكزعلى قواعد إسلامية تعالج أعماق النفس الانسانية، وتحدد السلوك البشري تحديدا علميا ورصينا، خاليا من الغلو والتوهم، ومن التشدد والتبرم أو من السطحية والترسم، وهذه القواعد أنتجت فكرا إسلاميا سليما، يرصد السلوك رصدا صادقاويزاوج بين ملاحظة الداخل النفسي ومعطى الخارج الاجتماعي والكوني، فتعاونت الذاتية الصادقة مع الموضوعية الواقعية في صياغة نظرياته تعاونا موحدا لايهدر حق هذا على حساب ذاك إذ الحق هو المطلوب مبدأ وغاية.

وقد جاء هذا التأليف بعد تأن وانتظار طويل، وبعد ملاحظة وسبر علمي وميداني لخلفيات التبرج وسلبياته، متسم بالصبر والحياد وعن قرب شديد من أحداث المجتمع الإنساني عموما والإسلامي خصوصا مع تغيرات بعض أنـماطـه الـسلوكية وانحداراتها.

وبعد استقراءات لمختلف أقوال الناس ومظاهر سلوكهم وتحولاتهم وتبريراتهم، وجدت من يبرر خلع الحجاب أو سترة الرأس والتساهل بتقارب الأنفاس بين الجنسين في شتى مرافق الحياة الاجتماعية، إما بمبرر الجهل بالحكم الشرعي، أو عدم تقدير الاثارة الغريزية من جانب الشهوة لدى كل من الرجل أو المرأة، أوبالتجاهل عن طريق سلطة العرف والعادة في البيت والمدينة والسوق والمدرسة والنادي، والمواسم والحفلات وشتى المناسبات...

كما قد يوجد من يبرر التبرج ولواحقه بوهم تهذيب الغرائز وترويضها على أساس مناقضة مقتضياتها، وقد يبرر بما هو أكثر تناقضا وذلك بزعم الحرية الشخصية في اللباس والسلوك والتعبير وبخلع الحواجز بين الجنسين دون تحفظ كمنفذ للاباحية والانحدار في درك البهيمية ورحاها الدورية والمؤدية للكلل والغثيان...

وقد سلكت في هذه الاستقراءات دراسة منهجية تعتمد على التحليل الموضوعي لكل خلفية، وهو تحليل قائم على قواعد علم النفس الاسلامي الذي يستند على النص القرآني والحديثي بالدرجة الأولى، ويفسر بالنصوص التراثية في الفكر الاسلامي دون استدعاء للحيثيات المذهبية ومواطن اختلافاتها. لأن موضوع الغيرة والشرف ونقاء الأنساب وصيانة الأعراض تعد من أهم المواضيع التي تم الاتفاق عليها مبدأ وغاية لدى جل المفكرين المسلمين، من فقهاء ومتكلمين وصوفية وحتى ذوي النزعات الفلسفية...

وهذا التفسير بالتراث عضدته بتفسيرات عصرية ترتكز على مبدأ وحدة العلوم الخادمة لوحدة العقيدة والسلوك لدى المسلمين، إذ الوحدة قائمة بين العلوم النظرية الصحيحة والعلوم التطبيقية، والانسانية الحية والمادية الجامدة، والروحية التجريدية والسلوكية المتحركة والظاهرية. لأن الأصل في الوجود واحد وهو الحق الذي لا تتناقض سننه الشرعية مع سننه الكونية :

                ]ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا[ صدق الله العظيم.

 

وقد قسمت هذا البحث الى ثلاثة فصول وهي:

 

                الفصل الأول : البعد التوحيدي لحجاب المرأة في الفكر الإسلامي.

                الفصل الثاني                : بواعث التبرج بين خلفيات الجهل والتجاهل.

                الفصل الثالث                : التبرج بين خلفيات الشذوذ السلوكي والنفسي.

                الخـــاتمة

               

)سنة الله في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا(

)إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم(.

 

والله ولي التوفيق.

 

د : محمد بنيعــيش.

 

 

الفصل الأول

البعد التوحيدي لحجاب المرأة

في الفكر الإسلامي


 

تـمـهـيــد ذوقــي:

فسبحان من أعطى الوجود بجوده

**

وقسمـه قسميـن للكشف والحجـب.

فـأشهد ذا فضـل وسبق عنايـة

**

وأوقف ذا خلـف الحجاب بلا ذنـب

فقـف وتأدب واتعظ ثم ولا تـقل

**

حجـبت بلا ذنـب وهذا من الذنـب

ألا إنمـا العقبـى لمن بـات سره

**

يرى البعد والتقريب في الذنب والعتب[1]

 

لقد ظهرت فلا تخفى علــى أحد

 

**

 

إلا علـى أكـمـه لايعرف القـمرا

لكن بطنت بما أظهرت محـتجبا

**

وكيـف يعـرف من بالعزة استتـرا

- تشوفك الى مابطن فيك من العيوب خيـر مـن  تشوفك الى ماحجب عنـك من الغيـوب.

- الحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت عـن النظر إليه، إذ لو حجبـه شئ لستره ماحجبه، ولو كان لـه ساتر لكان لوجوده حاصر، وكـل حـاصـر  لشئ فهو لـه قاهر وهو القاهر فوق عباده.

- إنما حجب الحق عنك شدة قربه منك .

- إنما احتجب لشدة ظهوره وخفي عن الأبصار لعظم نوره.

 

وهذا الفصل قسمته إلى مبحثين كالتالي :   


المبحث الأول: الأصل العقدي للحجاب والغيرة في الفكر الإسلامي.

                أولا: حـجاب المرأة بين الذاتية السياسية والاعتبارات الموضوعية

حينما يدرج موضوع ديني في لعبة ذاتية تتيه حقيقته ويشتبه على العامة وأصحاب النظر السطحي أمره، خاصة إذا كانت هذه اللعبة مزايدة سياسية أو عنصرية متخلفة طاغية، أو ذات طابع تعصبي ليس له من وظيفة وغـاية سوى إقصاء أو إسكات الآخر حتى لايصبح طرحه هو الجالب للأنظار والمحرك الأولي للالباب والأبصار .

                1/ ملخص تناقـض العلمانــيـيــن فـي رفض حـجاب المـرأة.

وحجاب المرأة المسلمة يعد من أبرز المواضيع التي استهلكت فيها الأحكام الذاتية استهلاكا، وتاه الناس في تحديد أبعادها تيها،وذلك لأن الغالبية ممن تعرضوا لهذا الموضوع تنظيرا أو تطبيقا قد أسقطوا أحكامهم بشكل انشطاري محض، إما من باب القياس الذاتي القائم على المماثلة المغلوطة من خلال الملاحظة الداخلية، وإما من باب قياس المماثلة المغلوطة أيضا من جهة الملاحظة الخارجية الناقصة، فلم يتعاون الداخل مع الخارج وبالتالي أسقطت الاحكام على موضوع حجاب المرأة. أبرزها ذات منطلقات سياسية وكذا اقتصادية واجتماعية عرفية وعصبية بائدة محضة...

فالغربيون في عصرنا مثلا رغم ادعائهم المزعوم بأنهم ذوو اتجاهات سياسية ديموقراطية لم يسعهم إلا أن يخترقوا قواعد اللعبة بشكل مكشوف، رغم أن ذلك يضر بسمعتهم الإدعائية فيما يتعلق بالحريات العامة وحقوق الإنسان التي يزعمون حمل لوائها ومناصرتها.

ومن هنا فقد تناقضوا مع أنفسهم سياسيا واجتماعيا بل حتى تقنيا وفيزيائيا كما سنرى. إذ من أبرز هذه التناقضات السياسية والإجتماعية لديهم رفضهم للحجاب عند المسلمين مع إبقائهم أو سكوتهم عن حجاب الراهبات في كنائسهم ومزاولتهن لأعمالهن به خارجها ، وخاصة في فرنسا، بحيث تلاك لدى الفرنسيين مبررات ذاتية وغريبـة كما يقول غارودي حاكيا عنهم في هذا النص: "يمكن للحجاب أن يكون رمزا لانسلاب المرأة واستعبادها متناسين أن هذا الحجاب كان أيضا حجاب مريم العذراء، كما تشهـد على ذلك الرسوم الأيقونية المسيحية وأنه منذ أجيال حجاب الراهبات على الشاشة الصغيرة .

كانت أنثوية تؤكد أن منع الحجاب كان يتجاوز نطاق علمانية المدرسة، وقالت : إن المقصود هو ((الدفاع عن كرامة المرأة)) فهل ستمنع الراهبات من التحجب؟

إن تمييزا كهذا لايمكنه إلا أن يغـذي تعصبات الجانبين" كما يعلق غارودي[2].

وهذه المعايير المتناقضة تكيل بمكيالين، وهي تمثل سياسة الحيف والذاتية المهينـة والمكشوفة، بالإضافة الى مالها من خلفيات صليبية وعصبية ذات جذور في الصراع التاريخي والحضاري والإخـتلاف العقدي، يغـذيه الحقد الغربي الأوروبي بهـذه المواقـف المشينة.

وبجانب هذه المواقف الغريبة ذات الخلفيات المشار إليها، توجد مواقف عربية أكثر تناقضا من طرف بعض السلطات والمثقفين، ذوي النزعات العلمانية أو التبعيات التقليدية العمياء للسياسة والثقافة الغربية على حساب الدين الإسلامي وأخلاقياته وأحكامه.

إذ التأرجح قائم بين محاربة الحجاب بشكل مفضوح وضاغط، وبين رفضه على سبيل المخالفة العملية واستصدار المواقف النظرية الهزيلة دون الوصول الى حد الالزام بالقوة والتعسف في منع النساء ارتداء الحجاب كما قد يحدث في بعض المؤسسات العربية ذات التبعية الجوهرية والشكلية للنمط الغربي.

وقد يبرر هذا الرفض للحجاب لدى هؤلاء وأولئك على حد سواء في أغلب الأحيان،كرد فعل ضدا على بعض الاتجاهات الاسلامية ذات التطلعات السياسية ابتداء في تجمعاتها وتحزباتها، الا أن هذه التبريرات قد تعتبر لاغية حينما نقيس الحجاب بالمقياس الشرعي والنظري والتجريبي الموضوعي كما سنرى.

إذ الجماعات الاسلامية التي، ربما تستغل موضوع الحجاب لصالح توجهاتها كورقة ضغط أو استقطاب جماهيري للوصول الى هدفها السياسي، لايمكنها أن تفت في عضد الحجاب لحد المسارعة الى إلغائه ونزعه على سبيل المخالفة السياسية ، وبدعوى زائفة وهي أن جماعة ماتلتزم الحجاب كأساس لها في تحديد هوية المرأة المسلمة، والتزامها المبدئي والسلوكي بتوجهاتها السياسية ، قد يؤدي الى تحريض على العنف أو الحد من حريات النساء اللواتي لم يلتزمن الحجاب، حينما يصبح هو القاعدة والسفور هو الاستثناء عمليا...!

فالحجاب ليس من ملك جماعة أو مذهب إسلامي دون آخر، وإنما هو ذو أساس ديني له بعد توحيدي عقدي وسلوكي ، منصوص عليه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على الوجه المحكم والمجمل والمفصل والمبين حدوده وأسبابه، ولايعتريه نسخ أو مبرر غير ماورد به النص من التأكيد على وجوبه.

                2/ وهم الاقتران ومرضـيته في رفض حجاب المرأة :

وما اقتران الحجاب بمظاهر بعض الجماعات الاسلامية ذات البعد السياسي في خطاباتها وتنظيماتها إلا اقتران تلازم عام في كل تجمع إسلامي ومذهبه سواء كان له بعد سياسي أم لم يكن، لأن الحجاب شـأنـه شـأن باقي القواعد الاسلامية التي لايسقط وجوبها بدعوى سد الذرائع الظرفية، وذلـك لارتـبـاطـه بالإيمان والعقيدة تشريعا من الله تعالى، ولهذا فلو كان كل مايلازم حركة إسلامية من مظاهر وقواعد عقدية أو سلوكية منصوص عليها في الكتاب والسنة ينبغي إقصاؤه من التعامل لأنه ملابس لشعارات المعارضة السياسية ، فـإنه سيكون حسب هذا المنظور الضيق الاسقاطي أن تقصى العقيدة من حياة المسلمين، بدعوى أن علم العقائد أو علم الكلام كان دافع نشأته سياسيا، وأن رواده كانوا هم المعتزلة، الذين سيصبحون في وقت ما زعماء سياسيين، بل وصلوا الى مستوى الخلافة، كما أنه قد يقصى الآذان من المساجد بدعوى أنه يساعد على التطرف الديني كما صرح به في بلد عربي كان يتخبط في حرب شبه أهلية لغاية أن نودي بمنع الآذان من بثه عبر أمواج الإذاعة لهذا المبرر السخيف.

ومثل هذه المواقف المريضة تعبر عن عقد نفسية وإسقاطات ذاتية تطغى عليها الميول التعسفية الى مخالفة أحكام الشرع ونظر العقل السليم، يمكن أن توضع في دائرة مايسميه الغربيون أنفسهم بالإنعكاسات الشرطية المرضية التي تحيل إليها بعض مدارسهم أغلب العقد النفسية، كالمدرسة السلوكية التي تنظر لمعالجتها بالمخالفة السلوكية وما الى ذلك...

وتتجلى هذه الانعكاسات الشرطية في موقفهم من حجاب المرأة المسلمة، والتي نجد لها وصفا قريبا يشخصه الغزالي في أمثلة تدحض المواقف الغربية والعربية المستلبة من الحجاب وارتباطه بالسياسة والعصبيات وغيرها. فيقول باعتباره صوفيا أن : " أقل درجات العالم أن يتميز عن العامي الغمر فلا يعاف العسل وإن وجده في محجمة الحجامِ. ويتحقق أن المحجمة لاتغير ذات العسل، فإن نفرة الطبع منه مبنية على جهل عامي منشـؤه أن المحجمـة إنمـا صنعت للـدم المستقذر لصفة في ذاته، فإذا عدمت هذه الصفة في العسل فكونه في ظرفه لا يكسبه تلك الصفـة فلا ينبغي أن يـوجب له الاستقذار وهذا  وهم باطل وهو غالـب علـى أكثر الخلق"[3] ثم يضيف بأن : "قرب الجوار بين الزيف والجيد لا يجعل الجيد زيفا كما لا يجعل الزيف جيدا. فكذلك قرب الجوار بين الحق والباطل لا يجعل الحق باطلا كما لا يجعل الباطل حقا«[4]".

ويقول في مثال آخر عن الوهم الانعكاسي: "فإن ما رؤي مقرونا بالشيء يظن أن الشيء أيضا لا محالة  يكـون مقـرونا به مطلقا ولا يدري أن الأخـص أبدا يكون مقرونا بالأعم. وأما الأعم فلا يلزم أن يكون مقرونا بالأخص ومثاله  ما يقال من أن السليم أعني الذي نهشته الحية يخاف مـن الحبل المبـرقش اللون وهـو كما قيل، وسببه أنـه ادرك المـردي وهو متصور بصورة حبل مبرقش، فإذا أدرك الحبل سبق الوهم إلى العكس وحكم بأنه مؤذ فينفر الطبع تابعا للوهم والخيال وإن كان العقل مكذبا به"[5].

وهذا الوهم هو الذي وقع فيه الغربيون ومعهم أذنابهم  من بعض العرب المستلبين والمرضى نفسيا  وذلك حينما يحاربون حجاب المرأة المسلمة بدعوى أن جماعات إسلامية يصفونهم بالتطرف -حسب زعمهم - يتخدون من الحجاب وسيلة للاستقطاب الجماهيري وإثارة الانتباه إلى حضورهم في الساحة السياسية حتى يتسنى لهم الوصول إلى منابر الحكم.

إذ اقتران الحجاب أو حتى اللحية بهذه الجماعات جعلهم يتوهمون أن الحجاب هو مكون من مكوناتها السياسية  فيجب نزعه في الحال قبل أن يستفحل أمره، ناسين أن الحجاب له أصل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وله غاية عقدية إيمانية وسلوكية أخلاقية قبل كـل شيء، يتكرم بها الرجـل والمـرأة على حد سواء، ولا يقترن بتوجه سياسي معين أو جماعة أوفـئة كيفما كان حالها، كما أن قـاعدة الانعكاسات الشرطية فيما ذهب إليه علماء النفـس الغربيون ستكون ضدا على مزاعمهـم واعتراضاتهم على الحجاب الاسلامي إن هم التزموا الموضوعية في تحديدهم للسلـوك الانساني وخلفياته كما سنرى.

فلا ينبغي إقصاء الحجاب من مظاهر المرأة وتصميم لباسها بدعوى هذه الاقترانات الوهمية أو بدعـوى سـد الذريعة أو إلغاء حكم شـرعي للضرورة قياسا علـى مـا فعله عمر بن الخطاب رضـي الله عنه مثلا : من إسقاط لحد السرقة عام المجاعة، إذ أن إسقاط حد السرقة ليس معناه الدعوة إلى السرقة والحث عليها، كما أن هـذا الاسقاط ليس إلغاء وإنما هو انتقال إلى حكم آخر بحسب الظرف المقتضي لذلك، ومن هنا كان مؤديا إلى مصلحة لا محالة.

أما إسقاط الحجاب ولوازمه بدعوى اعتباره وسيلة للضغط السياسي أو الاستقطاب الجماهيري لتحقيق أهداف حزبية، فإنه مؤدي إلى المفسدة لا محالة : وهي تبرج المرأة وإثارة الغرائز والشهوات، والتخبط في أوحال الأمراض الانعكاسـيـة واشتراطاتها من خلال التوهمات والاقترانات المصاحبـة للتبرج والسفـور والاختـلاط والتقارب غير المقيد بين الجنسيـن، فيترتب عـن ذلـك القلق والشك والريبة، وتوهـم الاثـارة المتعمدة والظنون السيئـة بيـن الرجال والنسـاء على حد سـواء. تساهم في ذلـك النظـرة والخطـرة وما إلى ذلك مما يقترن بالتبـرج ومحيطـه كذريعة واقعية أو أقرب منهـا ينبغي سدها موضوعيا بمنع السفور.

ومن هنا فنظـرة المسلميـن إلى حجاب المرأة ليـست نظرة اقتـرانيـة وهمية ولا سطحية آنية أو حزبية حركية سياسية ذاتية، وإنما هي نظرة عقدية إيمانيـة وعرفانية موضوعية، تتخطى كل الاعتبارات الوهمية التي تخبط فيها الغربيون ومعهـم بعض العرب ذوي الميولات الشهويـة، الفاقدة لأبسـط قواعد الغيرة التي كانت تطبع سلـوك أجدادهم في الجاهلية والتي اكتملت بقـواعد الحياء في الاسـلام، فأصبح الانسان العربي المسلـم نموذج الرجولة المكتملة عبر التاريخ الانساني يجمع بين العفة والغيرة والحياء.


                ثـانيا : مفهوم الحجاب المتكامـل في تفسيــر الفقهـاء والصـوفيـة

                1/ الفتـاوي الفقهيــة فــي الظـواهـر العمليــة للحجـــاب :

إن الأصل في مصطلح الحجاب الشرعي وأبعاده الروحية والسلوكية ينبغي استلهامه ابتداء من الآيات الخاصة بحجاب زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يقول الله تعالى :

)يا نساء النبيء لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا([6]

وقوله تعـالـى : )يا أيها الـذيـن آمنـوا لا تدخـلوا بيــوت النبــيء إلا أن يـؤذن لكم إلـى طعام غيـر نـاظـريـن إنـاه، ولكن إذا دعيتـم فـادخلوا فإذا طعمتـم فانتشــروا ولا مستـأنسين لحـديث، إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيـي  منكـم واللـه لا يستحـيي من الحق، وإذا سألتموهـن متـاعـا فـاسـألـوهـن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن، وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما([7]

وعـن سبب نزول هذه الآية التي تسمى بآية الحجاب، روى البخاري عن أنس قال : "قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجـاب، فأنزل الله آية الحجاب". وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله صلى الله عليه وسلـم بزينب بنت جحش.

فآية الحجاب هاتـه خاصة بزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهي الأصل في فرض الستـر على نساء المؤمنين وبناتهم، إذ القـدوة الأولى ينبغي أن تكون ابتداء ببيـت النبوة، والغاية في الخاص والعام واحدة، وهي تحصيل كمال الطهارة النفسية والسلوكية وتفـادي الإذاية والمعثرات التي تعترض السالكين طريق الله خاصة )وأن إلـى ربك المنتهى(.

ولهذا فالحجاب الخاص بأمهات المؤمنين قـد يشمـل في أغلب أحكامه إلزام عامة المؤمنات من النساء، ومن هنا أمكننا اعتبار الأمر بالستر جزء مهما ورئيسيا في الحجاب، بل قد يرادفه من حيث المعنى والغايـة، وهذا الترادف يمكن استلهامه من خلال الأمر الشامل في قول الله تعالى : )يأيها النبـيء قل لأزواجك وبناتك ونسـاء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين، وكان الله غفورا رحيما([8].

ونجد هذه الشمولية في الأمر  بالستر وتفصيلاته لتحصيل غاية الحجاب من خلال قول الله تعالى في سـورة النور:  )قل للمؤمنيـن يغضـوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهـم ذلك أزكى لهم، إن الله خبيـر بما يصنعون، وقل للمؤمنـات يغضضن من أبصـارهن ويحفظن فـروجهـن ولا يبـدين زينتهـن إلا مـا ظهـر منها، وليضربـن بخـمـرهن على جيـوبهن ولا يبـدين زينتهـن إلا لبعـولتهن أو آبائهن أو آبـاء بعولتهـن أو أبنائهـن أو أبناء بعـولتهن أو إخوانهن أو بنـي إخوانهن أو بـنـي أخواتـهن  أو نسائهـن أو ما ملكـت أيمـانهـن أو التـابعيـن غير أولـي الاربة من الرجـال أو الطفل الذين لم يظهروا علـى عـورات النساء، ولا يضـربـن بـأرجلهن ليعلم ما يخفـين من زينتهـن، وتوبـوا إلى الله جميعـا أيها المـؤمـنون لعلكـم تفلحـون([9].

ومما تنبغـي الاشـارة إليه بصورة سريعة هو أن الأمر بالستر أو الحجـاب وما يلازمه من غض للبصر يـدخل في حكم الوجوب وليس مجرد الندب، سواء فيما يخص أمهات المؤمنين أو يعم الأمة جمعاء.

وهذا الوجوب يتضمن أمرين متكاملين في آن واحد وهما: أمر يختص بالالزام الباطني المستند على الاعتبار الايماني، وأمر يشتمل على الالزام الظاهري بتحقيق الوجوب الفعلي للحجاب على أرض الواقع كممارسة شرعية يكون ملزما بالسهر على تطبيقه كل ذي مسؤولية ابتداء من النبي إلى الخليفة ومن الولي إلى القـاضـي، وكذلك من الأب إلى الزوج، ويظهر هذا  الوجوب الفعلي وإلزامية تطبيقه عمليا من خلال الأمر الوارد في قول الله تعالى لنبيه صلـى الله عليه وسلم باعتباره رسولا وحاكما وزوجا وأبا على صيغة "قل"، مما يعني مارس الأمـر كواسطة في التبليغ والالزام ممارسـة عملية، ولا تبق الأمـر للاختيار أو الانتظار لحين الاقتناع الشخصي والتهيؤ البـاطني المحتمل لتقبل الأمر، لأن المسألـة تهم المجتمع ككل  وفي الحجاب إيجابية كلية، كما ان التبرج سلبية عـامة.

ومن هنا فيكون من الواجب على كل سلطة مسلمة في مجتمع إسلامي أن تسعى إلى إلزام نسائه بالحجاب الشرعي قضاء لا مجرد فقه أو انتظار للعامة حتى يقتنعوا بمسألته حسب أمزجتهم وأهوائهم.

فمن مظاهر هذه الإجراءات على مستوى السلطة قد ينبغي العمل بجدية وفنية ودقة منهجية وتنظيمية على الحيلولة دون حدوث أية مظاهر متسيبة وغير مبررة شرعا للإختلاط بين الجنسين، وخاصة على سبيل التبرج في المرافق العامة والمدارس والإدارات والمستشفيات والمنتديات وأماكن الاستجمام والترفيه… إلخ، كما قد يكون من الواجب إحداث سلطة خاصة بالحفاظ على سلامة الأعراض وثوابت الحياة في المجتمع وذلك بالترصد والحيلولة دون كل مظاهر الخلوة المشبوهة بين غير المتزوجين أو غير ذوي المحارم وخاصة بأماكن يكون فيها الشيطان ثالث الجنسين!

إذ الخلوة من هذا المستوى تعتبر تبرجا ولو كانت المرأة عندها محتجبة، وذلك لأنها تكون فيها أقرب من الوقوع في المحذور  والفاحشة منها في التبرج غير المختلي وعلى أعين الناس ومراقبتهم رغم أنه مذموم في كل أحواله، لأن حجاب الجماعة ورادعها وكذا الحياء النفسي والضبط الغريزي يكون إذاك مفقودا ومختلا، ومن هنا كان النهي عن الخلوة غير المشروعة قائما وملحا كما نجد في قول النبي صلى الله عليه وسلم محذرا: "لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان" وفي رواية "فإن ثالثهما الشيطان"[10]

وقد ورد في السنة التطبيق العملي لمنع الاختلاط كما يروى عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: "استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق، عليكن بحافات الطريق" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به"[11].

وكتفسيـر ظاهري  ومجمل لهذه النصوص الخاصة بحجاب المرأة المسلمة يقـول محمد رشيد رضا بأن  "الله أمر المؤمنات بما أمر المؤمنيـن من غض وحفظ وزاد عليه نهيهن عن إبداء زينتهن للرجال إلا ما ظهر منها لضرورة التعامل والقيام بالأعمال المشروعة من دينية ودنيوية، وفسره العلماء والمختلفو المذهب بالوجه والكفيـن وبالملابس الظاهرة كالقناع والجلباب"[12].

أما الآية الخاصة بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين في سورة الأحزاب فيقول في تفسيرها بأن الله تعالى: "علل هذا الأمر  بالستر بأن تعرف به المرأة المؤمنة أنها مؤمنة حرة، فيمتنع المنافقون والفساق من إيذائها، فالعلة الخوف عليها من أشرار الرجال لا الخوف منها، فهي كعلة آية الحجاب ومن جنسها. وما زال الرجال يسيئون الظن بالمرأة التي تظهر محاسنها وزينتها، وما زالوا يطمعون فيها، وما زال أهل الدين والعفة يتجنبونها، وناهيك بما يلقاه النساء المتبرجات في زماننا... من إيذاء سفهاء الرجال".

وعن الاختلافات المذهبية حول جزئيات الحجاب وحدود كماله في اعتبار الشرع  نجد مثلا  ابن تيمية يعرض لبعض منها حيث يقول  : " فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يسـتر في الصلاة هو الذي يستر عن  أعين الناظرين وهو العورة، وأخذوا ما  يستر في الصلاة من قوله : )ولا يبديـن زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن( ثم قال: )ولا يبدين زينتهن( يعنـي الباطنة )إلا لبعولتهن( الآيـة، فقالوا يجوز لها في الصلاة أن تبدي الزينة الظاهرة دون الباطنة والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين:

فقال ابن مسعود ومن وافقه: هي الثياب.

وقال ابن عباس ومن وافقه: هو ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم، وعلى هذين القولين تنازع الفقهاء في النظر إلى الأجنبية.     

فقيل: يجوز النظر لغير شهوة إلى وجهها ويديها، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وقول في مذهب أحمد.

وقيل: لا يجوز، وهو ظاهر مذهب أحمد. قال: كل شيء منها عورة حتى  ظفرها وهو قول مالك.

وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم[13].

"وأمر النساء خصوصا بالاستتار وأن لا يبديـن زينتهن إلا لبعولتهن ومن استثناه الله تعالى في الآية، فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة، فهذا لاجناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محظور آخر فإن هذه لا بد من إبدائها، وهذا قول ابن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد.

وقال ابن عباس : الوجه واليدان من الزينة الظاهرة وهي الرواية الثانية عن أحمد وهو قول طائفة العلماء كالشافعي وغيـره …"[14].

أما مواقف الفقهاء حديثا وأسبـاب الاختلاف حول مستوياته فأورد مقتطفات لمحمد رشيد رضا يقول فيها: "وأما ضرب النساء خمرهن على جيوبهن فالمراد أن يدرنها على جيوب قمصهن يسترن بها نحورهن وصدورهن لعدم الحاجة إلى إبداء غير وجوههن في أعمالهن على مرأى من الرجال الأجانب. وكان النساء في الجاهلية يسدلن خمرهن من ورائهن ويوسعن جيوب قمصهن لينكشف ما في نحورهن وعلى صدورهن من العقود والقلائد يفتخرن بها" ...وكل ما استحدثه الناس في المدن والقرى الكبيرة من المبالغة في حجب النساء  فهو من باب سد الذريعة لا من أصول الشريعة، فقد أجمع المسلمون على شرعية صلاة النساء في المساجد مكشوفات الوجوه والكفين"[15]

"ومن دلائل السنة على عدم وجوب ستر الوجه حديث المرأة الختعمية ونظرها إلى الفضل بن العباس ونظره إليها وهو مروي عن ابن عباس في الصحيحين  والسنن وعن علي عند الترمذي وحاصله في جملة الروايات أن الفضل كان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فعرضت للنبي صلى الله عليه وسلم  امرأة من خثعم وضيئة الوجه تسأله هل تحج عن أبيها الذي أدركته الفريضة وهو ضعيف لا يثبت على الراحلة  فأفتاها بالجواز، وفيه أن الفضل جعل ينظر إلى المرأة وتنظر إليه فجعل صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخـر، وفي  بعض ألفاظه : فلوى صلى الله عليه وسلم عنق الفضل فقال العباس : يا رسول الله لويت عنق  ابن عمك ؟ وفي لفظ : وجأت  عنق ابن عمك فقال صلى الله عليه  وسلم: رأيت  شابا وشابة فلم  آمن من الشيطان عليهما، وفي رواية: فلم  آمن عليهمـا الفتنـة"[16].

ويؤيد هذا الاستدلال  على عدم وجوب ستر الوجه الحديث الذي رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها : أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها : "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه". وهو حديث مرسل فيما يروي بعض المحدثين.

وربطا لموضوع الحجاب بغض البصر على سبيل التلازم الضروري يقول ابن تيمية  كمفسر وفقيه : "فإن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة ، ولهذا كان النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرما  إلا إذا كان لحاجة راجحة مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما، فإنه  يباح النظر للحاجة لكن مع عدم الشهوة، وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز.

وأما الأبصار فلابد من فتحها والنظر بها، وقد يفجأ الانسان ما ينظر إليه بغير قصد فلا يمكن غضها مطلقا، ولهذا أمر تعالى عباده  بالغض منها كما أمر لقمان ابنه بالغض من صوته[17].

وابن تيمية يتميزفقهه في كثير من الأحيان بأنه  لا يهمل العنصر الذوقي في فتاواه وذلك بالاعتماد على علم التصوف الذي هو فقه القلوب لتحديد أبعادها وضوابطها الروحية والسلوكية، وهذا ما حدا بنا لتحبيذ عرض نمادج منها في هذا المبحث الخاص بالبعد التوحيدي للحجاب على سبيل إبداء أوجه التقارب والتوحد المبدئي بين رؤية أهل الفقه وأهل التصوف عند تفسير الآيات والأحاديث الخاصة بحجاب المرأة.

فنجد ابن تيمية لوعيه بهذا التكامل النظري المعرفي يختم فتاواه حول موضوع الحجاب، فيقول معتمدا على الأسلوب  الصوفي في تعليل الأحكام : "ولهذا يقال : إن غض البصر عن الصورة التي  ينهى عن النظر إليها، كالمرأة والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد جليلة القدر:

إحداها : حلاوة الايمان ولذته التي هي أحلى وأطيب ما تركه لله فإن "من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه".

وأما الفائدة الثانية من غض البصر  فهو يورث نور القلب والفراسة، قال تعالى عن قوم لوط: )لعمرك إنهم لفي  سكرتهم يعمهون( (الحجر 72)، فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمى  البصيرة  وسكر القلب بل جنونه.

وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر فقال: )الله نور السماوات والأرض( (النور آية 35) وكان شجاع بن شجاع الكرماني لا تخطىء له فراسة، وكان يقول: "من عمر ظاهره باتباع السنة وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم وكف نفسه عن الشهوات، وذكر خصلة خامسة -أظنه-  هـو أكل الحلال لم تخطىء  له فراسة.

والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، فينطلق نور بصيرته وينفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ونحو ذلك مما ينال بصيرة القلب.

الفائدة الثالثة : قوة القلب وثباته وشجاعته فيجعل الله له سلطان البصيرة  مع سلطان الحجة، فإن الرجل الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله، ولهذا يوجد في المتبع هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه، وإن الله جعل العزة لمن أطاعـه والذلـة لمن عصاه، قال الله تعالى : )يقولون لئن  رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين( (سورة المنافقون  آية 8). وقال تعالى : )ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين( (سورة آل عمران آية 139).

ولهذا كان من كلام الشيـوخ : "الناس يطلبون العز بأبواب الملـوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله"[18].

وهذا المنهج في التفسيروالفتاوي هو الذي يحض عليه الصوفية خصوصا ، حتى تتكامل المعاني وتصبح الفتوى الفقهية ذات مناسبة ذوقية، كما نجد هذا الحض من طرف الغزالي حيث يقول قبل ابن تيمية : "يجب على المفسر أن ينظر في القرآن من وجه اللغة ومن وجه الاستعارة ومن وجه الصوفي"[19].

ومن خلال هذا التكامل الضروري بين الفتوى الفقهية والتحليل االذوقي والنفسي الصوفي للحجاب بخلفياته وأبعاده، يبقى الباب مفتوحا لتوسعة حقله إلى حدود شاسعة، قد تشمل كل مرافق الحياة الانسانية ابتداء من الواقع الداخلي للإنسان، بكل تفاعلاته القلبية والعقلية والغريزية النفسية والجسمية... وتشعبا إلى واقعه الخارجي في مظاهره الحسية الذاتية والاقتصادية والسياسية.

ورغم هذا التوافق بين أهل الفقه والتصوف حول موضوع حجاب المرأة والاعتقاد بضرورة التزامه شرعا، فإن غالبية الفقهاء والمفسرين يقفون عند حد التعليل الظاهري للحكمة من الحجاب يجمله ابن تيمية في قوله : "المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجال، ولهذا خصت بالاحتجاب وترك إبداء الزينة وترك التبرج، فيجب في حقها الاستتار باللباس والبيوت ما لا يجب في حق الرجل لأن ظهور النساء سبب الفتنة والرجال قوامون عليهن"[20].

وفي نفس السياق تقريبا يقول محمد رشيد رضا : "وجملة القول : أن أصل الشرع في آداب النساء والرجال معروف، وأن سد ذرائع الفتنة والفساد مشروع وهو يختلف باختلاف الأعصار والأمصار وإنما الحرام ما ثبت بنص قطعي الـرواية والدلالة، وما دل على طلب تركه دليل ظني فهو مكروه ، وكل رجل وامرأة أعلم بحال نفسه ونيته وحال قومه وبيئته"[21].

2/ الاعتبارات النفسية والروحية للحجاب عند الصوفية :

فإذا كان غالبية الفقهاء والمفسرين يقفون  عند هذه الاعتبارات الظاهرية والملموسة للحكمة من حجاب المرأة ، فإن الصوفية يزيدون لبنة راقية وعميقة في هذا الباب وهو الاعتبار الباطني والعقدي للحكمة من فرض الحجاب وتبعاته من محبة وغيرة.

إذ الملاحظ سواء في الآيات أو الأحاديث الخاصة بغض البصر والحجاب والضبط الشهوي أنها مرتبطة ارتباطا ضروريا وتلازميا بالايمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا يستخلص الصوفية البعد التوحيدي للحجاب  حيث يجدون مرتعهم وبغيتهم للغوص فيه معنى وصيغة.

فنجد أن الصوفية لا يقتصرون في تفسير الحجاب على مجرد ملاحظة البعد السلوكي والاجتماعي أو النفسي والغريزي فقط ، إذ أن هذه المراحل قد يتخطونها ولا يقفون عندها كغاية محورية متمثلة في الشكل والمظهر الاجتماعيين لا غـير، لأن الحجاب لم يشرع لمجرد صرف محاسن المرأة وزينتها عن الرجال الأجانب فقط، بل في بعض الأحيان قد تحـتـجب المرأة عن زوجها الذي يجوز له أن يراها بغير حجاب، مما يعني أن المسألة ليست متعلقة بموضوع الشهوة والضبط الغرائزي فقط، وإنما الحجاب له بعد عقائدي إيماني ألمحت وصرحت به الآيات والأحاديث النبوية وكذلك الاجراءات التعبدية العملية التي يفرض فـيها على المرأة أن تحتجب ولو كانت في بيتها ولا يراها أحد من الناس سواء كان محرما أو غير محرم، ويتجلى هذا الاستثناء خاصة عند أداء الصلاة، وهذا ما لا يستطيع الفقيه العادي أن يعلله سوى بقوله : "الأحكام في العبادات لا تعلل".

لكننا سنجد الصوفية  يقتحمون هذا الميدان ويعطون تفسيرات لحجاب المرأة في الصلاة مما يجعلنا نربطها بالحجاب خارج الصلاة كقاعدة عامة ، يقول ابن عربي الحاتمي مثلا في : "فصل بل وصل فيما يجزىء المرأة من اللباس في الصلاة" "اتفق  الجمهور على الدرع والخمار، فإن صلت مكشوفة فمن قائـل  تعيد في الوقت وبعده، ومن قائل تعيد في الوقت، وأما المرأة المملوكة فمن قائل أنها تصلي مكشوفة الرأس والقدمين  ومن قائل بوجوب تغطية رأسها.

- اعتبار النفس في ذلك : لا فرق بين المملوكة و الحرة ، فإن الكل ملك لله فلا حرية  عن الله ، فإذا أضيفت الحرية إلى الخلق فهو خروجهم عن رق الغير لا عن رق الحق أي ليس لمخلوق على قلوبهم سبيل ولا حكم، فهذا معنى الحرية في الطريق وقد تقدم الكلام في الثوب الواحد وبقي الاعتبار في تغطية الرأس هنا.

واعلم أن المرأة لما كانت في الاعتبار النفس، والرأس من الرياسة ، والنفس تحب الظهور في العالم برياستها لحجابها عن رياسة سيدها عليها وطلب شفوفها  على أمثالها ، ولهذا قيل آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة أمرت النفس أن تغطي رأسها أي تستر رياستها فإنها في الصلاة بين يدي ربها، ولا شك أن الرئيس بين يدي الملك  في محل الافتقار، فإذا خرج إلى من هو دونه أظهــر  رياستــه عليه، فـلهــذا أمرت النفس المملوكة أن تغطي رأسها  في الصلاة"[22].

ويذهب ابن عربي  في تحليل أو استخلاص الأحكام ذات البعد العقدي من مشروعية حجاب المرأة وذلك على غرار التفسير السابق مع تحديد مفهوم العورة ، فيخصه ب "فصل بل وصل " في حد العورة من المرأة يقول فيه : "فمن قائل أنها كلها عورة ، وأما مذهبنا فليست العورة في المرأة أيضا  إلا السوأتين  كما قال تعالى : )وطفقا يـخصفـان عليهما من ورق الجنة( فسوى بين آدم وحواء في ستر السوأتين وهما العورتان، وإن أمرت المرأة بالستر وهو مذهبنا لكن لا من كونها عورة ، وإنما ذلك حكم مشروع ورد بالستر ولا يلزم أن يستر الشيء لكونه عورة.

- اعتبار ذلك في النفس : المرأة هي النفس، والخواطر النفسية كلها عورة فمن استثنى الوجه والكفين والقدمين فلأن الوجه محل العلم،  لأن المسألة إذا لم تعرف وجهها فما علمتها وإذا استتر عنك وجه الشيء فما علمته وأنت مأمور بالعلم بالشيء فأنت مأمور بالكشف عن وجه ما أنت مأمور بالعلم به، فلا يستر الوجه من كونه عورة فإنه ليس بعورة، وأما اليدان وهما الكفان بهما محل الجود و العطاء وأنت مأمور بالسؤال فلابد للمعطي أن  يمد يده بما يعطي فلا يستر كفه، فإنه المالك للنعمة التي تطلبها منه فلابد أن تتناولها إذا جاد عليك بها والجود والكرم مأمور بهما شرعا، وقد ورد أن اليد العليا خير من اليد السفلى فعم يد السائل والمعطي ، فلابد للمعطي أن يناول وللسائل أن يتناول، وأما القدمان فلا يجب سترهما وأنهما ليستا بعورة لأنهما الحاملتان للبدن كله ونقلاته من مكان إلى مكان ، ومن كان حكمه التصريف فيتعذر ستره واحتجابه فلابد أن يظهر ويبرز ضرورة  فيبعد أن يكون  عورة تستر" [23].

فربط المرأة بالنفس في حثها الشهوي وصرفها عنه بالحجاب الحسي والمعنوي سيكون مؤديا سواء بالنسبة إلى الرجل أو المرأة إلى سلامة السلوك في طريق التوحيد ومعرفة الله تعالى، لأن أهم حجاب للإنسان عن معرفة ربه هو نفسه ، ومن ثم فلرفع هذا الحجاب ينبغي أن يضع بينه وبين نفسه حجابا صارفا له عن الالتفات إليها والوقوف عندها كمحطة نهائية في سلوكه وغاياته.

ومن هنا تكون القاعدة الرئيسية في تحقيق هذا الهدف هو قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه: "من عرف نفسه فقد عرف ربه"، ومعرفة النفس من معناها ضبطها والحيلولة دون إثارة تشويشها بكشفها مقابل مثيرها ، وخاصة الجانب الشهوي المؤدي إلى التجاذب والميل الأعمى.

فالحجاب بهذا المعنى سيكون من أهم مباحث الصوفية وأكثر المصطلحات تداولا لديهم إذ أنه يبدو حاضرا بصورة مكثفة في تعابيرهم واستعاراتهم المعرفية ، نختار من بينها هذه الحكمة لابن عطاء الله السكندري القريبة للدلالة على هذا المعنى الذي نروم الوصول إليه من وراء الحجاب فيقول : "الحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت  عن النظر إليه،  إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر وهو القاهر فوق عباده"[24].

فالحجاب الحسي المتمثل في لباس المرأة سواء بالنسبة  إليها أو إلى الرجل ، يمثل في الحقيقة عكس الحجاب الذي أشار إليه ابن عطاء الله السكندري في هذه الحكمة، لأنه بالنسبة إلى المرأة كما فسره ابن عربي يكون تربية لنفسها وصرفها عن الظهور وحب الرياسة وما إلى ذلك من أحوال النفس وظواهرها. وبالنسبة إلى الرجل يكون صرفا له عن الانشغال بالنفس على وجه الميل والانطواء والدوران في رحى الشهوة والهوى ، فينحجب سواء المرأة أو الرجل عن الله تعالى ولا يحصل الشوق إلى ذكره ومواصلة السير في معرفته )كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون(

ولهذا السبب كان غض البصر من كلا الطرفين أي المرأة و الرجل  ملازما  للحجاب، لأنه نوع من الحجاب الذاتي يصرف النفس عن التعلق بغير الله على غير قاعدة شرعية مأذون فيها  من طرفه سبحانه وتعالى.

وفي هذا المعنى يقول أبو حامد الغزالي : " ثم عليك وفقك الله وإيانا بحفظ العين فإنهما سبب كل فتنة وآفة وأذكر في أمرها ثلاثة أصول كافية : أحدهما ما قال الله سبحانه:)قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون(. واعلم أني تأملت  هذه الآية فإذا فيها مع قصرها ثلاثة معان عزيزة : تأديب وتنبيه وتهديد .

فأما التأديب فقوله تعالى : )قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم( ولابد للعبد من امتثال أمر السيد والتأدب بآدابه وإلا فيكون سيء الأدب فيحجب فلا يؤذن له في حضور المجلس والمثول بالحضرة. فافهم هذه النكتة وتأمل ما تحتها فإن فيها ما فيها ، وأما التنبيه فقوله تعالى : )ذلك أزكى لهم( و يطلق على معنيين والله أعلم  الأول : ذلك أطهر لقلوبهم. والزكاة : الطهارة والتزكية التطهير، والثاني : ذلك أنمى لخيرهم وأكثر والزكاة في الأصل النمو فنبه على أن في غض البصر تطهير القلب وتكثير الطاعة والخير ، وذلك أنك إن لم تغض بصرك وأرخيت عنانه، تنظر إلى مالا يعنيك فلا يخلو من أن تقع عينك على حرام ، فإذا تعمدت فذنب كبير،  وربما تعلق  قلبك بذلك فتهلك إن لم يرحم الله تعالى، وإن كان مباحا فربما  يشتـغل قلبك به  فجاءك الوسـاوس والخواطر بسببه، ولعلك لا تصل إليه فتبقى مشغول القلب منقطعا عن الخير وإن كنت لم تر ذلك كنت مستريحا عن ذلك كله...

وأما التهديد فقوله تعالى : )إن الله خبير بما  يصنعون( وقال تعالى: )يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور( وكفى بهذا تحذيرا لمن خاف مقام ربه فهذا أصل واحد من كتاب الله عز وجل"[25].

فالمؤمن ينبغي أن  لا يشغله عن الله شيء، إذ النظر في غير ما أحله الله تعالى يعتبر شاغلا وصارفا عن السلوك المطرد في معرفة الله تعالى، ولهذا فالمرأة  المتبرجة إن هي تراءت للرجل المؤمن المشغول  بربه لحد إثارة شهوته، تكون بذلك قد حجبته عن الله تعالى لأنها تكون قد صرفته عن توجهه الكلي التجريدي وأعاقت ترقيه الروحي بسبب  أنها عكست له صورة نفسه من خارج  بعد ما جاهدها من  داخل، فأصبح الضغط عليه مزدوجا يصعب مقاومته، وتبرج المرأة يعني إثـارة الغرائز الشهوية والأمر بالسوء على سبيل المبالغة بسبب التجاذب القوي الذي يحدث بين نفس المرأة والرجل على وجه التقابل ونزع الحجاب . فتتعاون إذاك نفس الرجل الباطنية مع نفس المرأة الظاهرية وكذلك العكس ، فينشغل السالك حينئذ عن الله تعالى ، ومن ثم تصبح المرأة ممقوتة لهذا السبب وتنطبق عليها القاعدة الصوفية كما تنطبق على الرجل أيضا إن هو لم يلتزم  بشروط الحجاب وآدابه وهي : "من أشغل مشغولا بربه أدركه المقت في الوقت" وهذا المعنى مستلهم من النداء الالهي في آية الحجاب التـي تركز الخطاب فيهـا على المؤمنين خاصة ، إذ الموضوع ليس مجرد تنظيم اجتماعي أو شعار سياسي  وحزبي ، وإنما هو ذو أبعاد عقدية وعرفانية وحضور في شعائر  تعبدية لا يفهم معناها حق معرفتها إلا أهل الأذواق  والمتدرجون شعوريا في سلوكهم إلى الله تعالى.

                ثالثا : التكامل الوظيفي بين الحب والغيرة لإيجاب الحجاب:

1/البعد التوحيدي للغيرة في الحق والخلق:

لتحديد العلاقة بين الغيرة والحجاب في بعده التوحيدي ينبغي تعريف الغيرة أولا وهي مؤصلة من القواعد الشرعية الدالة عليها لفظا ومعنى.

فالغيرة في المصطلح الصوفي هي "كراهية مشاركة الغير، وإذا وصف الحق سبحانه بالغيرة فمعناه أنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له من طاعة عبده". حكي عن السري أنه قرىء بين يديه: )وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين  لا  يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا( فقال السري لأصحابه أتدرون ما هذا الحجاب؟ هذا حجاب الغيرة  ولا أحد أغير من الله تعالى،  ومعنى قوله : هذا  حجاب الغيرة يعني أنه لم يجعل الكافرين أهلا لمعرفة صدق الدين"[26].

ويقول ابن عربي عن أصل الغيرة الشرعي ومعناها بأن : "الغيرة نعت إلهي. ورد في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في سعد : "إن سعدا لغيور، وأنا أغير من سعد والله أغير مني، ومن غيرته حرم الفواحش". وفي هذا الحديث مسألة عظيمة بين الأشاعرة والمعتزلة وهو حديث صحيح، فالغيرة أثبتها الإيمان ولكن بأداة مخصوصة وهي اللام الأجلية أو من أو الباء. وتستحيل بأداة على، وهي التي وقعت من الشبلي إما غلطة وإما قبل أن  يعرف الله معرفة العارفين، فالغيرة في طريق الله هي الغيرة لله أو بالله أو من أجل الله  والغيرة على الله  محال. فتحقيق كونها نعتا إلهيا وهو نعت يطلب الغير، ولذا سميت غيرة فلولا ملاحظة الغير ما سميت غيرة ولا وجدت.

فالإله القادر يطلب المألوه المقدور وهو الغير، فلابد من وجود ما يطلب الاله وجوده، فأوجد العالم على أكمل ما يكون الوجود. فإنه  لابد أن يكون كذلك لاستحالة إضافة النقص إلى الكامل الاقتدار  فلذلك قال )أعطى كل شيء خلقه( وهو الكمال فلو لم يوجد النقص في العالم لما كمل العالم فمن كمال العالم وجود النقص الإضافي فيه، فلذلك قلنا انه وجد على أكمل صورة بحيث أنه لم يبق في الامكان أكمل منه"[27]

ويفسر الغيرة الشرعية ووظيفتها فيقول : "وأما الغيرة لله ومن أجل الله وبالله فهو أن يرى الإنسان ما حده الحق أن يتعداه الخلق، فيقوم به صفة الغيرة لله لا لنفسه ومن أجل الله لا من أجل نفسه، إذ علم أن الخلق عبيد الله وأنه حكم العبد وأن لا يتعدى حد ما رسم له سيده، وأما أن يغار على الله فإن الغيرة ستر يحجب المغار عليه حتى لا يكون إلا عنده خاصة، وطريق الله مبني على أن ندعو الخلق إلى الله وأن نردهم إليه ونحببه إليهم ونعرفهم به وبمكانته وبهذا أمرنا. والغيرة الكونية تأبى ذلك لجهلها بالمغار عليه الذي لا يستحق الغيرة عليه، ولولا الوقوع فيمن انتمى إلى الله وجهل بعض ما ينبغي لله وقصد بذلك الخير ولكن ما علم طريقه، وإلا كنا نذكر جهل هذا القائل بالغيرة على الله، ولكن يكفي تنبيهنا على أن هذا ليس بصحيح، وإنما التبس على مثل هؤلاء الغيرة لله بالغيرة على الله، وما علموا ما بينهما من الفرقان"[28].

ويقول الغزالي عن سبب إثارة الغيرة ووجودها في نفس الرجل خاصة : "وهو أن يقصد حريم الرجل  ويتعرض  لمحارمه، فالغضب له ولدفعه محمود، وقلة التأثر به خنوثـة وركاكة، ولذلك قال عليه السلام : "إن سعدا لغيور وإن الله أغير منه" وقد وضع الله الغيرة في الرجال لحفظ الأنساب، فإن النفوس لو تسامحت بالتزاحم على النساء لاختلطت الأنساب. ولذلك قيل :

"كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها"[29].

فالغيرة إجمالا هي كراهية مشاركة الغير وهي إما للحق وإما على الخلق، وهذا ما فهمه الصوفية وخاصة في تعريف ابن عربي، إذ أن أكمل أنواع الغيرة على العرض هي التي تجمع بين الغيرة للحق بالخلق وبين الغيرة على الخلق للحق.

فالذي يغار على أهله يغار على خلق ، وذلك لما يقتضيه  الحق من هذه الغيرة وما يحدد لها من شروط وحدود، وإلا انقلبت إلى شك أو قذف أو إذاية للمغار عليه  قد تتجاوز وجه الحق في الغيرة. كما ورد في حديث قول النبي صلى الله عليه وسلم  : "من الغيرة غيرة يبغضها الله"[30]، ومن مظاهرها كما يروى عن علي كرم الله وجهه : "لا تكثر الغيرة  على أهلك فترمى بالسوء من أجلك". ولهذا فلابد من الاعتدال في الغيرة "وهو أن لايتغافل عن مبادئ الأمور التي تخشى غوائلها ولا يبالغ في إساءة الظن والتـنعـت وتجسـس البواطن، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتبع عورات النساء"[31].

والغيرة في حالة الاعتدال دليل المحبة ومن هنا كان "نعت المحب بأنه غيور على محبوبه منه وهذا أحق ما يوجد في حق من يحب الله"، فإن الـمـحبين – حسب تعبير ابن عربي - "لهم إدلال في الحضرة الالهية إلا المحبين الموصوفـيـن  بالغيرة فإنهم لا إدلال لهم لما غلب بأنهم من المحبين، وهذا مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه وصف نفسه بأنه أغير من سعد، فستر محبته وما لها من الوجد فيه بالمزاح وملاعبة الصغير وإظهار حبه فيمن أحبه من أزواجه وأولاده وأصحابه، هذا كله من باب الغيرة وقوله : "إنما أنا بشر"، فلم  يجعل عند نفسه أنه من المحبين فجهلته طبيعته وتخيلت أنه معها لما رأته  يمشي في حقها أو يؤثرها، ولم تعلم بأن ذلك عن أمر محبوبه إياه بذلك، فقيل إن محمدا يحب عائشة والحسن والحسين وترك الخطبة يوم الجمعة، ونزل إليهما لما رآهما يعثران  في أذيالهما وصعد بهما وأتم خطبته ، هذا كله من باب الغيرة على المحبوب أن تنتهك حرمته وأن هذا ينبغي أن يكون الأمر عليه تعظيما للجناب الأقدس أن يعين، ثم لا يظهر ذلك الاحترام من الكون فسدل ستر الغيرة في قلوب عباده المحبين المحب الله، قال صلى الله عليه وسلم في  هذا الحديث "والله أغير مني ومن غيرته حرم الفواحش " ليفتضح المحبون في دعواهم محبته فغار أن يدعي فيه الكاذب دعوى الصادق  ولا يكون ثم ميزان يفصل بين الدعوتين، فحرم الفواحش. فمن ادعى محبته وقف عند حدوده، فتبين الصادق من الكاذب والكل بالله قائم، فغار على محبوبه منه فأضاف الأفعال إليه  لا إلى العبد حتى لا  ينسب نقص للعبد.[32]

                2/ تلازم الغيرة والمحبة في إيجاب الحجاب :

وإذا كان نعت المحب هو الغيرة  فإنه لزوما وعلى سبيل الخصوصية التي تتطلبها الغيرة يستر محبوبه ويحجبه في سره عن رؤية الغير، سواء كانت المحبة ولازمها من الغيرة قائمة بين الخالق وأوليائه من مخلوقاته أو بين مخلوقاته فيما بينهم، وفي هذا المعنى يقول ابن عطاء الله السكندري "لكن الحق سبحانه يوفي أعيان الكائنات حقها ويعطيها قسطها فيقدر لكل  كون رتبته، ويوفيه دولته، فلذلك ستر سر الخصوصية في وجود البشرية ولابد للشمس من سحاب، وللحسناء من نقاب. وهل يكون الكنز إلا مدفونا والسر إلا مصونا؟ وضع ذلك سبحانه ليكون سر الولاية غيبا، فيكون المؤمن به مؤمنا بالغيب وأيضا أجل ولايته أن يظهره في دار لابقاء لها فأرخى عليه ذيل الستر حتى إذا كانت الدار الآخرة التي رضيها أهلا لظهوره واقترابه ووجود كشف حجابه، كذلك يكشف الحجاب هنالك عن سر الولاية ويجل مقداره ويرفع مناره[33].

وعن الكسوة اللائقة بأهل  المحبة لله من أوليائه الذين أراد لهم الظهور يقول السكندري أيضا : "فاعلم رحمك الله أن من أراد الله به أن يكون داعيا إليه من أوليائه فلابد من إظهاره للعباد،  إذ لا يكون الدعاء إلى الله إلا كذلك،  ثم  لابد أن يكسوه الحق سبحانه كسوتين : الجلالة  والبهاء.

أما الجلالة فليعظمه العباد فيقفـوا على حدود الأدب معه ويضع له في قلوب العباد هيبة يبصره  بها.

الكسوة الثانية التي يكسوها الحق سبحانه لأوليائه إذ أظهرهم، الألفة والمحبة. فيكون ذلك باعثا لهم على الانقياد إليهم، أفلا ترى كيف قال الله سبحانه في شأن موسى عليه السلام : )وألقيت عليك محبة مني( وقال سبحانه :)إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا(.

فحلاهم بحلية الهيبة ليحبهم العباد فيجرهم حبهم إلى حب الله، والحب في الله يوجب المحبة من الله لقوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن الله : "وجبت محبتي للمتحابين في".

... وعلامة الحب لله دوام ذكره مع الحضور، وعلامة الحب في الله أن تحب  من لم يحسن إليك بدنيا مـن أهل الطاعة والخـير، وعلامة الحب بالله أن يكون باعـث الحظ بنور الله مقهورا، وعلامة الحـب من الله أن يجذبك إليه  فيجعل ما سواه عنك مستورا."[34]

فربط موضوع المحبة بسر الخصوصية والاستعارة لضرورة حجبها غيرة بالنقاب للحسناء، كما أن ظهور خصوصية الأولياء المحبوبين يقتضي الـتـستر بكسوة الجلالة والبهاء التي من جهة دالة عليها ومميزة لها ومن جهة ساترة لسرها الذي هو لب المحبة والداعي إلى الغيرة عليها، وهذا السر ليس سوى الاخلاص في المحبة وهو المروي في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى أنه قال : "الاخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببته من عبادي" .

فالجمع على سبيل  الاستعارة بين كسوتي الجلال والبهاء ليتم الظهور بصورة إيجابية، قد يعني بتوظيفه في حقل حجاب المرأة المؤمنة بالله تعالى أنه لكي يكون ظهورها سليما وللضرورة فقط فلابد من الجمع بين باعث المحبة الأصلي وهو البهاء والجمال السلوكي والأخلاقي، المؤسس على فضيلة العفة كخاصية للتواصل المشروع، وبين عنصر الهيبة كحاجز يحول دون التجرؤ غير المشروع لكشف الكنز المدفون والسر المـصون.

والهيبة قد تكون هيبة الايمان وهيبة المرأة المحتجبة وهيبة الأمة والمجتمع الذي يلتـزم نساؤه بالحجاب، وهذا المعنى يمكن استلهامه من خلال قول الله تعالى : )يا أيها النبئ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن  من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا  يؤذين وكان الله غفورا رحيما([35].

وعنصر الهيبة يظهر جليا عند قوله تعالى:)ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين( لأن الذي يتجرأ على إذاية النساء المتبرجات حينما  يرى امرأة  محتجبة ببهاء الايمان بالله ومحبته، والتي من أهم مظاهرها الحياء وبجلال الحجاب الذي يدل على المنعة والتقوى فإنه يتفادى التعرض لها أو إذايتها خوفا من غضب الله تعالى إن كان لديه إيمان، أو خوفا من غضب المرأة واعتراضها على مراودته ومضايقته لها، أو خوفا من غضب المجتمـع المسلم المؤسس أصلا على المحبة والغيرة التي تقتضي تغيير المنكر، وهو حالها كما يقول ابن عربي : "وأما حال الغيرة في الحق وهي الغيرة التي تكون عند رؤية المنكر والفواحش، وهي التي اتصف الحق بها والملأ الأعلى والرسل وصالحو المؤمنين...

وأما في  حق المخلوق فلابد من تغيير النفس وهو مكلف بها في الحق لابد من ذلك، ومذموم من لم يجد ذلك من المكلفين فإنه مخاطب بتغييره من يده بالفعل إلى لسانه بالقول إلى وجود ذلك في النفس، وهو أضعف الإيمان في الزمان لا في نفس الغيور. فحال  الغيرة هو ما يجده الغيور من اختلاف الأمر عليه في  نفسه عند وقوع ما لا يرضي الله سواء وقع ذلك منه أو من غيره ،  بل من هذه صفته هو معصوم فإن من وقع معه ما يوجب الغيرة ولا يغار،  وإذا رأى ذلك من الغير أدركته الغيرة فليست الغيرة حقية إلهية، وإنما هي غيرة نفسية لا قربة فيها إلى الله تعالى"[36].

ولقد مارس الصوفية - وما يزالون - الغيرة بأصولها وأسبابها وأحوالها على مستوى دقيق جدا تراعى فيها طبيعة النفس وواقعها، سواء لـدى الغيور أو المغار عليه أو المغار منه. فكانوا أولى الناس بإدراك معنى الحجاب وخلفيات التبرج سواء النفسية أو السلوكية أو الاجتماعية… وكانوا رواد الغيرة في الله ولله ومن أجل الله، وبذلك عرفوا مواطن توظيف الحجاب ومتى يجب أو لا يجب، مراعيـن في ذلك أصل الغيرة وحالها فطبقوه على أحسن وجه بدون إفراط ولا تفريط. أورد نموذجا راقيا من تطبيقاتهم حيث يقول القشيري : "وكان الجنيد قاعدا وعنده إمرأته فدخل الشبلي فـأرادت امرأته أن تستتر،  فقال لها الجنيد : لا خبر للشبلي عنك فاقعدي فلم يزل يكلمه الجنيد حتى بكي الشبلي، فلما  أخذ الشبلي في البكاء، قال الجنيد لامرأته استتري فقد أفاق الشبلي من غيبته"[37].

وبعد هذه التعـاريف والتفسيرات لمعنى الغيرة المستلهم من النصوص القرآنية والحديثية، يتبين لنا ماهو وجه العلاقة بين الغيرة في حق الله تعالى والغيرة في حق المخلوق بالله ومن أجل الله ولله، وهذه المعاني دقيقة وذوقية جدا لما للغيرة في المفهوم الصوفي من بعد توحيدي ، سواء على المستوى العقدي أو السلوكي الاجتماعي والنفسي والعاطفي الغـريزي.

فإذا كان تعريف الغيرة إجمالا هو كراهية مشاركة الغير، وهذا معنى توحيدي بارز في بعدها، فعلى سبيل الاضافة التفسيرية المبنية على ما سبق من المعاني حولها،  نـقول : بأن المرأة والرجل في هذا الأمر سواء ولكنها من حيث الأصل والشمولية تكون في الرجل أكثر من المرأة لأن تكوينه أصل للمرأة في الخلقة الأولى وأنها جزء من كله حسب التفسير الصوفي المبني على النصوص الاسلامية  المفيدة لهذا المعنــى كما سنرى.

ومن هنا فالكل يشمل الجزء  شمولا تاما، وهذا الحكم العقلي في تحديد علاقة الكلية بالجزئية واقعي ومقبول يؤيده التكوين الجسدي للرجل والمرأة واختلاف وظائفهما، من حيث الفعل والانفعال وقابلية التوزع والتجزؤ أو عدم قابليته.

فالرجل يمكن بحسب تكوينه الجسدي والعضوي أن يتناسل مع أكثر من امرأة وفي يوم واحد ، وبالتالي فالنسل المترتب عن مباشرته  سينتسب إليه كلية، دون أي اعتراض أو عارض يخص أحوال الرجل وقدرته على توزيع نسله، إذا كان وحده هو صاحب هذه المباشرة الجنسية دون أيـة مزاحمة من طرف شخص آخر في نفس المحل ونفس الفترة التي تم فيها حمل أولئك النساء اللاتي باشرهن.

بينما بالنسبة إلى المرأة فلا يمكنها أن تلد إلا مرة واحدة في السنة على أعلى تقدير، ويكون نسلها من رجل  واحد لاغير وإن تعرضت لمباشرة أكثر من رجل في نفس الفترة التي تم فيها حملها، وذلك إما على سبيل ما يسمى عند الفقهاء بالوطء بشبهة كخطأ، أو الوطء بمعصية كخطيئة فيما تعرض له بعض الشاذات من النساء أنفسهن كانحراف، وإما باعتداء كما  هو حال المرأة عند اغتصابها من طرف أكثر من رجل.

 إذ أن الرجل الذي يكون علقه سبب التلقيح الأول هو الذي ينسب إليه نتائجه من حمل وتوابعه، إما من جهة الاعتبار الشرعي أو التناسلي المحض.

ومن هنا فالمرأة في الأصل لا تكون إلا لرجل واحد بينما الرجل قد يكون لأكثر من امرأة، بحسب استعداده وبسبب الاختلاف التكويني ولأسباب نفسية واجتماعية وصحية... إلخ .

فغيرة الرجل هي كراهية مشاركة الغير مع استحالة  تحققها عند المزاحمة عمليا، وغيرة المرأة كراهية مشاركة الغير مع إمكان تحققها رغم المزاحمة عمليا بتعدد الزوجات.

ومن هنا فغيرة الرجل عاطفية نفسية ونسلية، أما غيرة  المرأة فنفسية عاطفية لا غير، رغم أنها قد تبدو لدى بعض النساء أقوى من غيرة الرجل في كثير من الأحيان، بسبب التعلق الذي يكون سببه المحبة وانجذاب الجزء بالقوة إلى الكل المناسب له والمؤسس على الرابطة الشرعية أصل الغيرة وضابطها.

فالغيرة حال صحي حينما توجد في الرجل والمرأة على حد سواء. كما أنها تقتضي ضرورة حجب المغار عليه عمن يريد أن  يشارك الغيور فيه أي نوع من المشاركة، وخاصة من الجانب العاطفي والجنسي والنسلي. لأن هذه الجوانب مترابطة ببعضها ترابطا موضوعيا من حيث علاقتها بالحجاب والغيرة، إذ الحجاب وضع من أجل النظر والسمع والشم واللمس كذلك، وهذه القنوات كلها سبيل إلى إثارة الغرائز والشهوات مما يترتب معه الميل النفسي ثم الجنسي ثم المراودة والمكايدة، وما يتبعها في حالة عدم مراعاة الضوابط الشرعية الصارفة للمؤمنين والمؤمنات عن تتبع خطوات الشيطان وهوى الأنفس المريضة.


 

المبحث الثاني : حجاب المرأة ووحدة العلوم عند الصوفية .

                أولا : العلوم المادية والبعد التوحيدي للحجاب .

                ‍‍‍‍‍‍‍‍/1 مبدأ وحدة العلوم طريق إلى التوحيد عند الصوفية :

من خصائص الفكر الصوفي أنه لا يفصل بين العلوم من حيث دلالتها على عقيدة التوحيد وخدمتها للإنسان من هذا الجانب كغاية وبعد لكل تحصيل معرفي موضوعي، ولهذا فإننا نجد في الكتابات الصوفية أمثلة كثيرة توظف فيها العلوم الحسية، سواء كانت حيوانية أو نباتية أو جمادية، وذلك على وجه الاستدلال وتقريب المعاني المجردة والذوقية إلى متناول الأذهان، حتى أن بعض الكتاب المحدثين عاب على الغزالي مثلا كثرة ضربه للأمثلة في تأكيد المعنى الذي يروم إيصاله إلى وعي القراء بتحريك الخيال وتقريب المعنى من  خلاله[38].

والغزالي نفسه يصرح فيقول  بأن" جميع العلوم مقدمات ووسائل لمعرفـة الأول الحق جل جلاله"[39]، كما أنه كثيرا ما يستشهد الصوفية بهذا البيت :

                       وفي كل شيء له آية  ***   تدل على أنه واحد

حتى إن بعض الصوفية كالشيخ أحمد بن عجيبة قد حول المنظومة النحوية المسماة بالآجرومية إلى معنى روحي وذوقي له بعد توحيدي.

وتمشيا مع هذه القاعدة العامة عند الصوفية، فإنه يكون من المفيد أن تستغل العلوم المادية الحديثة لتوظيفها على سبيل القياس الاستئناسي في تأكيد إيجابية الأحكام الشرعية وأحقيتها لكي تكون أولى بالتطبيق من كـل آراء بشرية تطبعها الذاتية والنظرة الجزئية السطحية ولا تقاس على حس أو عقل أو ذوق.

لكن، وقبل عرض ما توصلت إليه العلوم الحديثة من آراء،  فإن التحديد الحقيقي للوجود وطبيعته يبقى المصدر فيه هو العلم الالهي المنصوص عليه في القرآن الكريم، أو المبين بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم على شكل حديث.

فالقرآن الكريم ينص على أن الأصل في الكائنات حيها وجامدها هو الوحدة سواء تعلق الأمر بالكون ككل،  أو بالنفس الانسانية موضوع دراستنا. فنجد قول الله تعالى في وحدة الكون )أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل  شيء حي(.[40] إذ البنية الأولى للكون كانت تمثل وحدة متراصة تنتهي إلى عنصر واحد شكلا وجوهرا،  ثم عرفت بعد ذلك انشطارية على سبيل التنوع الشكلي لتحقيق التفاعل والتوالد وما إلى ذلك مما يستدعي تجانس الكثرة بين العناصر المتقاربة.

وعلى هذا السياق المفيد لوحدة البنية الأولى للكون ، يمضي القرآن في تحديد طبيعة النفس الانسانية فيقول الله تعالى بهذا الخصوص : )يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث  منهما رجـالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون  به والأرحام ، إن الله كـان عليكم رقيبا([41]

ويذهب ابن عربي الصوفي في تفسير معنى قول الله تعالى :)الذي خلقكم من نفس واحدة( إلى أنها هي النفس الناطقة الكلية التي هي قلب العالم وهو آدم الحقيقي ، وجعل "منها زوجها" أي النفس الحيوانية الناشئة منها، وقيل أنها خلقت من ضلعه الأيسر من الجهة التي تلي عالم الكون، فإنها أضعف من الجهة التي تلي الحق، ولولا زوجها  لما أهبط إلى الدنيا. كما اشتهر أن إبليس سول لها أولا فتوسل بإغوائها إلى إغواء آدم. ولا شك في أن التعلق البدني لا  يتهـيأ إلا بواسطتها وبث منهما رجالا كثيرا أي أصحاب قلوب ينزعون إلى أبيهم "ونساء" أصحاب نفوس وطبائع ينزعون إلى أمهم"[42].

وعلى أساس هذه الوحدة التكوينية لنفس الرجل والمرأة يحلل الصوفية أسباب السكيـنـة التي تحصل بين الزوجين باعتبار المشاكلة والمجانسة بين النفسيـن كما يقول أبو طالب المكي : "وذلك أن للنفس استراحات إلى ماجانسها هو فتورها عن الذكر، فاستراحات نفوس المتقين إلى المباح من ذلك قوله عز وجل "ليسكن إليها" وهذا سكون النفس إلى الجنس لما تلائمه من الصفات المتجانسة، وهو أحد المعاني في قول علي عليه السلام: "روحوا القلوب يعني في الذكر". قيل روحوها باستراحة النفـس إلى المباح"[43]

ويفسر ابن عربي هذه السكينة بكونها ذات بعد عرفاني غايته توحيدية فيقول : "فأما فتنة النساء فصورة رجوعه إلى الله في محبتهن بأن يرى الكل أحب بعضه وحن إليه. فما أحب سوى نفسه لأن المرأة في الأصل خلقت من الرجل من ضلعه القصرى فينزلها من  نفسه منزلة الصورة التي خلق الله الانسان الكامل عليها وهي صورة الحق، فجعلها الحق مجلى له وإذا كان  الشيء مجلى للناظر فلا يرى الناظر تلك الصورة إلا نفسه، فإذا رأى في هذه المرأة نفسه بشدة حبه فيها وميله إليها رأى صورته".[44]

وهذا النص قد يصعب على غير المختصين فهمه وإدراك إشاراته لما يطبع  كتابات ابن عربي من تعميق للمعاني، إلا أنه يتضمن نقطة جوهرية تهمنا في هذا الموضوع وهي تأكيد التجاذب القوي بين نفسية المرأة والرجل، المرتكز على وحدة الذات التي تمت عليها نشأة النفسيـن قبل الانشطار  الشكلي.

                2/ حجاب المرأة بين تطابق السنن الشرعية والكونية :

إن وحدة النفس وارتباط الأنثى بالذكر على سبيل التوافق العنصري الجوهري والانشطارية الشكلية كما فهمها الصوفية من النص القرآني والحديثي هي وحدة واقعية وكفيلة بأن تدع بين الجنسين تجاذبا سواء على مستوى النفس أو على مستوى الجسد، وأكثر ما يكون هذا التجاذب حينما  لا يوجد حاجز أو عازل يمنع حدوثه ويحد من قوة هياجه، لأن القاعدة الصوفية في تحديدها لترابط الكائنات تنبني على مبدأ الذوق المقتضي للتناسب، وهو مؤدي إلى التقارب لا محالة، وإذا تقاربت الأشكال المتناسبة فالشكل إلى الشكل أميل، وعن هذا الميل يتم  التواصل والتفاعل المؤدي إلى التوالد الذي يمثل النتيجة الحتمية والوسيلة العادية لاستمرار  نوع الأشياء وتكاثرها وخاصة النوع الانساني، بحيث يمكن تعريف  ولادته نظريا بأنها " نتاج تلاقح معين بين عنصرين مختلفين شكلا متحدين جوهرا" .

وحينما نطالع آراء الباحثين في مجال الطب والوراثة ووظائف الأعضاء...إلخ، نجدهم يؤكدون في موضوع التوالد الانساني، أن جميع خلايا الجسم البشري تحتوي على 23 زوجا من الصبغيات (الكروموسومات) أحد هذه الأزواج يكون الصبغين الجنسيين، عند الأنثى يكون الصبغيان الجنسيان متطابقين (س س) أما عند الذكور فأحد هذين الصبغيين أقصر (س ص) ومع ذلك يتم الاتحاد بين هذه الصبغيات عند التوالد لتحديد جنس المولود إما ذكرا أو أنثى (س ص) أو (س س).

كما أن  بعضا من الباحثين يذهب إلى أن الهرمونين المذكر والمؤنث موجودان معا في الذكور والاناث "فلا يوجد آدم مائة بالمائة رجلا ولا توجد حواء مائة بالمائة امرأة "[45].

وإذا كان الأمر كذلك فهذا مـا يستأنس به كتفسير لبعض الظواهر النسوية التي تطفو أعراضها على بعض الرجال، وكذلك العكس وذلك إما على المستوى الجسدي أو حتى النفسي والسلوكي والتي قد يكون سبب مؤداها إلى هذه الحالة  انغماس الرجل في التشبه بالنساء أو العكس، وهذا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتفاديه من خلال قوله : "لعن الله المتشبهات من النسـاء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء"[46]. وكذلك " لعن الله المخنثين من الرجال والـمترجلات من النـساء " وذلـك حتى لا يختل التوازن النفسي لكلا الجنسين مما يؤدي تبعا إلى اختـلال التوازن الجسمي وكذا الوقوع في الشذوذات السلوكية  والجنسية وهذا ما توصلت إليه بشكل محتشم وجزئي الدراسات الطبية وعلم وظائف الأعضاء من خلال ما يسمى بدراسة الظواهر النفسية والجسدية... إلخ.

لكنهم لم يدركوا جيدا أو تجاهلوا تعمدا أن الشيء إذا تجانس وتقارب دون الارتكاز على قاعدة ضابطة ومناسبة قد ينقلب إلى ضده ، بحيث أن تكشف النساء للرجال على غير ضوابط شرعية وبصورة جماعية مؤدي حتما إلى الخلل الجنسي إما على وجه الافراط أو التفريط، مما يترتب عنه في النهاية إما الاحتراق أو الاختراق وهو ما يمكن تقريب معناه من خلال النموذج الكهربائي في توليد الضوء والانارة وإمكان ذلك بين تعرية الأسلاك أو عزلها عن بعضها بالحجاب المطاطي.

إذ من القواعد البسيطة والملخصة للكهرباء أنه لكي نتمكن من توليد الضوء وإيصاله إلى المصباح يلزم وجود مولد يتضمن في  مكوناته عنصري الايجابية والسلبية. بحيث أن الكهرباء بوجه عام هي "دراسة حركة الشحنات الكهربائية... والشحنة الكهربائية بحد ذاتها تنتج عن وجود (شحنة سلبية) أو غياب (شحنة موجبة) الالكترونات، فكل مادة تنتزع من ذراتها بعض الالكترونات بواسطة الاحتكاك مثلا تكتسب شحنة موجبة. مثال ذلك إذا فركنا قطعة زجاج بقماش من الحرير أدى ذلك إلى انتقال الالكترونات من الزجاج الذي  يصبح موجبا إلى الحرير الذي يصبح سالبا، ويتميز  كل جسم محمل بشحنة موجبة بأنه قادر على جذب جسم آخر محمل بشحنة سالبة، وهناك تنافر بين الأجسام التي تحمل نفس النوع من الشحنة"[47].

وعلى فرض أن الرجل والمرأة يكونان فيما بينهـما مجمع الشحنتين الإيجابية والسلبية، فإنه لا يمكن أن تجتمع هاتان المتضادتـان شكلا لتوليد الضوء وضمان استمرار التوازن والسلامة للنشاط الإنساني إلا بواسطة الإرتكاز على دعامتين رئيسيتين وهما :

أ - وجود عازل بين محمل أو مرتكز الشحنتين السالبـة والمـوجبـة.

ب - الإلتقـاء عند قاعدة مضبوطـة وكفيلة بضمان توليد الضوء أو الإنارة دون حدوث احتراق أو اختراق قد يتلف السلكين أو يهدد القاعدة العامة التي بسببها ومن أجلها تم الجمع بين الشحنتين السالبة والموجبة.

إذ أن وجود سلكين متحدين جوهرا ومختلفين شكلا على وجه أن أحدهما يحمل شحنة مـوجبة والآخـر سالبة، يتطلب وضعهما لتوليد الضوء المفيد حالتين وهما : ضرورة التقارب بيـن السلكـين وضرورة العزل بينهما في آن واحد وإلا فلن يتم توليد الضوء، كما لن يبقى للسلكين استقرار في المجاورة بحكم طبيعتهما في الإنجذاب نحو الإحتراق والإختراق عند التقارب بغير حجاب.

كما أن العازل المطاطي بين السلكين قد لايؤمن إستمرار وظيفته التي من أجلها وضع وصمم إذا طالت مدة استهلاكه وتعرض لهزات الرياح والشتاء والرطوبة والحرارة وما إلى ذلك، إذ قد يحدث فيه تآكل وذبول لحد الشفافية مما يجعل التجاذب بين السلكين على غير قاعدة سليمة وشـيك الوقوع لا يؤمن شره وضرره خاصة إذا تعرض للإهمال  وغياب المراقبة والاصلاح.

وعلى هذه القاعدة الكهرفيزيائية وربطا  بمبدأ وحدة العلوم عند الصوفية نقيس علاقة الرجل بالمرأة ، بحكم الوحدة المكونة لعنصريهما جوهرا، وبحكم الاختلاف الشكلي الذي يميز بينهما  وبحكم الوظيفة المنوطة بتواصلهما وهي التجاذب النوعي لضمان التناسل والولادة واستمرارية بقاء النوع الانساني على وجهه السليم

فالرجل والمرأة بمثابة السلكين الكهربائيين الموجب والسالب ، وضرورة تعاون الرجل والمرأة يقتضي المجاورة النسبية وعلى درجات بحسب مقتضيات التركيبة الاجتماعيـة والأسريـة التي تحدد نوعية هذا التعاون والتجاور وذلك إما على مستوى الزواج أو قرابة الرحم، والمحرمية، وغيرهما، وكذلك على مستوى الدراسة والتجارة  والصناعة، وحتى السياسة إن اقتضى الحال... إلخ.

لكن هذه المجاورة لكي تبقى سليمة المبدأ والغاية ينبغي أن تحتفظ بالوسيل الحاجبة لذبذبات التجاذب غير المرغوب فيه حتى لا يحدث الاحتراق أو الاختراق ، ولا يمكن الوصل بين العنصرين ورفع الحجاب الكلي أو الجزئي إلا بواسطة القاعدة الشرعية المحددة لنوعية هذا التواصل ومستويات نزع الحجاب وحدوده.

 كما أن التواصل بين غير المحارم وإن كان الحجاب موجودا قد لا يكفي لضمان السلامة  الكلية من الاختراق والاحتراق،  فينبغي إذن عدم ترك الوضع للاهمال وغياب المراقبة  وتحديد الضروري من المبالغ فيه والزائد عليه، ولهذا جاء الشرع بالأمر بمنع الخلوة بين رجل وامرأة لا تجمع بينهما قرابة رحم محرمية وذلك من خلال قول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم"[48]، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء".

وقد يتوافق رأينا المستفيد من البعد التوحيدي لحجاب المرأة عند الصوفية وموفقهم من وحدة العلوم وترابطها مع رأي قريب من هذا المعنى وجزئي إلى حد ما عند ابن حزم الأندلسي الـفقيه الظاهري، وخاصة عندما ضربنا لمثال الاحتراق والاختراق في مجال الكهرباء بحيث يقول في كتابـه طوق الحمامة : "الصالحان مـن الرجال والـنساء كالنار الكامنة في الرماد لا تحرق من جاورها إلا بأن تحرك،  والفاسقان كالنار المشتعلة تحرق كل شيء... وأما امرأة مهملة ورجل متعرض فقد هلكا  وتلفا"[49].

وهذا المثال عند ابن حزم يتقارب مع ما ضربناه بالأسلاك الكهربائية والاهمال رغم وجود الحجاب المطاطي، كما أنه يدل ويؤكد ما قلناه من مذهب الصوفية الموضوعي في وحدة العلوم.

فالمباعدة بين أنفاس الرجال والنساء تؤسس الاحتياط الضروري كتدعيم لغض البصر والحجاب، ولهذا فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم النساء عن أن يتطيبن خارج بيوتهن حتى لايفقد الحجاب دوره، ويعسر  إذاك غض البصر  على الرجل، فتكون المرأة بذلك حجابا له عن الله تعالى من خلال إثارة شهوته عن القناة الشمية، وكذا السمعية لأن الإثارة قد تحصل عن طريق القنوات الحسية غير البصر. وهو ما نص عليه القرآن الكريم بقول الله تعالى:)ولايضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن...( الآية. إذ الخصائص النسوية مثيرة للرجال سواء تعلق الأمر بالظواهر الجسدية المحضة أو بملازمتها لحكم الغريزة والعادات النسوية.

فالإسلام ينهى عن مقدمات الإثارة حتى لايقع المثار في المحظور تدريجيا. وهذا النهي يمكن فهمه واستنباطه من خلال قول الله تعالى :) يا أيها الذين آمنوا لاتتبعوا  خطوات الشيطان  ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يامر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم(.[50]

والصوفية لوعيهم بمدلول النص القرآني وكذا الحديثي في الدعوة إلى صرف النفس عن اتباع الشهوات واجتناب سلبيات تراكماتها ، سيلتـزمون هذه القواعد الشرعية محددين بها تعاملهم مع موضوع الشهوة، ابتداء من ملاحظة الباعث الأول للحركة حتى نهاية تدرجاته في تفاعله مع النفس مما يحدد نوعيته هل هو باعث خير أم باعث شرير، وذلك من خلال مراقبة ما يعرف  عندهم بالخاطر، إذ يعد المحرك الأول للسلوك كما يقول الغزالي: "أول ما يرد على القلب الخاطر كما لو خطر له مثـلا صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها رآها. الثاني هيجان الرغبة إلى النظر وهو حركة الشهوة التي في الطبع، وهذا يتولد عن الخاطر الأول ونسميه: ميل بالطبع ويسمى الأول حديث النفس. والثالث : حكم القلب بأن  هذا ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها، فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من التفات، وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل وهو على كل حال حكم من جهة العقل ويسمى هذا اعتقادا وهو يتتبع الخاطر.

والميل الرابع : تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه وهذا نسميه هما بالفعل ونية وقصدا"[51].

ويضرب الغزالي أيضا مثالا حول الخواطر الأولى وأسباب الاثارة الشهوية بسبب الدافع الخارجي على غرار  المثال السابق فيقول : "مثاله أنه خلق فيك شهوة الطعام إلا أنها قد تكون فيك راكدة  كأنها نائمة وإذا وقع بصرك على طعام حصلت المعرفة بالطعام فانتهضت الشهوة للطعام فامتدت إليه اليد، وإنما امتدت إليه بالقوة التي فيها المطيعة  لاشارة الشهوة وانتهضت المعرفة المستفادة من طبيعة الحس"[52].

وكقاعدة صوفية في اعتبار تفاعل العناصر وأوجه التواصل بينها وخاصة على مستوى التأثر الشهوي وضوابطه وعلى رأسها الحجاب الحسي و المعنوي، يقول المحاسبي : "والشيء يغلب الشيء والشيء يشغل عن الشيء والشيء ينسي الشيء والشيء  يهيج الشيء والشيء يزيد الشيء، والمحاسب نفسه قد عرف هذا، وأدناه التيقظ وأعلاه النسيان. واعلم أن الشر شهوة والخير كراهية، والشهوة سابقة على الكراهية وغالبة عليها حتى يجيء العلم والصدق فيزيلان الشهوة  ويجعلان الكراهة مكانها، فمن لم يفقه ولم يفهم هذا حين يسمع لم يحسن مراجعة سـريرته ولا يجئ عـلى اصطلاحها حـتى يتعلمه ممن يـحسنه و يحسن وصفه"[53].

                ثانيـا  : التفسير النفسي لحجاب المرأة بين الغربيين والصوفية .

إن الصوفية لم ينظروا  إلى الحجاب من باب جزئي متمثل في مجرد سترة الرأس كما يصطلح عليه بعض المعـاصرين من الغربيين والعرب ، وإنما جعلوا من الحجاب موضوعا متكاملا بين الرائي والمرئي ، بين أسباب الاثارة والمؤثر والمتأثر ، وكذلك بين اعتبار الظاهر والباطن وبين الحسي والمعنوي في تحديد طبيعة الشهوات وأبعادها السلوكية والعرفانية ، فجاء  فهمهم لآية الحجاب على أحسن وجه وأعمقه وخاصة حينما ضربواعلى أسرار الشهوة وخلفياتها بعنف الرياضـة وصدق الارادة. وبـهذا كان مـنهجهم التحليلي يعد مـن أهم المناهج في الفكر الاسلامي التي يمكن بواسطتها مواجهة وفضح مزاعم المتطرفين من أهل الشهوات والمنظرين لها، وخاصة اليونان وأذنابهم  الأوروبيين  وبعض بل غالبية عرب هذا الزمان .

                 1/ خلفيات المكبوتات وعلاجاتها المتناقضة في الفكر الغربي :

فالدعوة إلى السفور بل العري الكلي أو شبهه أصبح العمل به جارٍ لدى أغلب  سكان هذه الأرض وخاصة في الشواطئ وأوكار الفساد من مراقص وملاهي وغيرها ، وكذلك المنتديات الرياضية أو ما يسمى زورا بالثقافية والانسانية. وهي ليست وليدة العصر أو الساعة وإنما تمثل امتدادا رجعيا بهيميا ومتخلفا يعود بالانسان إلى فترات العصر الحجري وإلى أرجاس الضلال الوثني اليوناني والهمجية البدائية المضادة والشاردة عن خصوصية التحضر الانساني المؤسس على دعوات الرسل والأنبياء عليهم السلام.

  وبما أن المنادين لنزع الحجاب أو عدم اعتبار ضرورته ولزومه يتذرعون في عصرنا بوهم الديموقراطية فلننظر إلى خلفياتها وجذورها في الاصطلاح والممارسة باختصار ،حتى يتبين عند المقارنة البسيطة والواضحة كيف أن المسلمين والصوفية منهم خاصة، هم أهل الحق والحضارة والأصلح للبقاء.

فقد انهارت أثينا وإسبرطة وتهدمت معالمها ولم يبق منها سوى آثار بالية ورموز لمجتمع باد وتدمر تحكي حروبه وأفوله ، لم يتحقق معه حلم فلاسفتـهم والمنظرين لتواصله على أساس الشذوذ الشهوي ، والدعوة إلى العري ونزع حجاب الحياء الضامن لصلاح البقاء، والتي من نتائجها – كما قلنا - الاحتراق والاختراق لأنها دعوة نحو البهيمية العمياء وفساد النوع الانساني.

 فمن نماذج هذا التنظير أقتطف بعض محاورات أفلاطون في جمهوريته قولـه :

- فقلت  : وهل من الممكن أن نعهد إلى حيوان بنفس  عمل حيوان آخر إن لم نغذه ونتعهده بنفس الطريقة ؟ هذا محال.

- فإذا ما فرضنا على النساء نفس مهام الرجال فعلينا أيضا أن نعلمهن نفس التعليم.

- أجل

- وإذن فمن الضروري أن يأخذ النساء  بنصيب من هذين الفرعين من التعليم ومن فن الحرب وأن يعاملن نفس معاملة الرجال.

- هذا ما يؤدي إليه  كلامك ولكن ربما كانت في هذه الاقتراحات أمور تبدو غريبة إذا خرجت إلى حيز التنفيذ وذلك لمخالفتها للمألوف. قد يكون الأمر كذلك بالفعل فماذا تراه أغرب ما فيها ؟

- لا شك أن قيام النساء بالتدريب وهن عاريات تماما مع الرجال في حلبة الرياضة، ولا أعني بذلك الصغيرات منهن فحسب ، وإنما أعني المتقدمات منهن في السن أيضا  كالشيوخ الذيـن يميلون إلى رياضة أبدانهم مع انكماش أجسامهم وقبح منظرها .

- أجل إن هذا ليبدو غريبا حقا إذا تأملناه من خلال العرف السائد، ولكن ما دمنا قد بدأنا بعرض آرائنا فليس لنا أن نخشى سخرية الساخرين الذين ينتقدون ما نريد إدخاله من التجديد، لا في موضوع تربيـة النساء بدنيا فحسب بل وفي تربيتهن الموسيقية والذهنية وتعويدهن حمل السلاح وركوب الخيل.

- والحق معك"[54].

وكامتداد لهذا المسخ الفكري والسلوكي الذي لايحتاج إلى تعليق ،  نورد نموذجه المتفرع عنه والمؤيد له في الفكر الغربي الحديث، ونلخصه في بعض آراء فرويد حول الكبت الغريزي والعرض والقلق حيث يقول: "إن الكبت يحدث في حالتين مختلفتين : عندما يقوم إدراك حسي خارجي بإثارة دافع غريزي غير مرغوب فيه، وعندما يثور هذا الدافع الغريزي من الداخل بدون إثارة من هذا النوع، وتحدث هذه  الوقاية ضد التنبيهات الخارجية فقط وهي لا  تحدث ضد الدوافع الغريزية الداخلية.

وما دمنا  نوجه اهتمامنا إلى محاولة الهرب التي يقوم بها الأنا، فإننا  لن نقترب لذلك من الموضوع الخاص بنشوء العرض. إن العرض ينشأ نتيجة لارغام الدافع الغريزي على الكبت،  غير أن الكبت  بإضعاف عملية الاشباع وبإنزالـه لها إلى مرتبة العرض إنما يظهر سطوته من ناحية أخرى، فإن ذلك يمنع عملية الاشباع البديل على قدر الامكان من التفريغ عن طريق الحركة. وحتى إذا لم يكن ذلك ممكنا فإن عملية الاشباع البديل تضطر أن  تستخدم نفسها في إحداث بعض التغييرات في بدن الشخص نفسه بدون أن يسمح لها بالاصطدام مع العالم الخارجي، وليس بمسموح لها أن تتحول إلى حركة  إذ أن الأنا كما نعلم إنما يقوم بالكبت تحت تأثير الواقع الخارجي، وهو لذلك يحول دون أن يكون لعملية الاشباع البديل أي تأثير على الواقع"[55].

إن هذه المناهج الممثلة للفكر الغربي بائده وحديثه تكشف عن تناقضاتها سواء عند المقابلة وملاحظة التكامل الشذوذي بين الفكر اليوناني في الماضي وبين الفكر الأوروبي الحديث، أو عند تحليل كل منهما على  حدة. كما أن كشف هذه التناقضات لا يتطلب بذل جهد وإطناب في استعراض ما بقي من آراء شبيهة لها عبارة ومعنى، إذ محاورات أفلاطون تفترض المستحيل الغرائزي والمستهجن السلوكي حينما تريد أن تروض التجاذب الجنسي والعاطفي بين الرجل والمرأة على سبيل متناقض، وهو افتراض غياب التأثر والانفعال مع التقريب المباشر والمتماس بين المؤثر والمتأثر أو الفاعل والمنفعل بطبيعة تكوينه، وهذا تناقض صارخ لا يقبله عقل ولا تجربة ولا عادة سواء كانت نفسية أو طبيعية، بحيث أن القاعدة  العامة في تحديد العلاقة بين العناصر القابلة للتجاذب تؤكد أنه كلما اقتربت مسافاتها وذراتها مكانيا إلا  وتقوت نسبة تجاذبها بل نسبة حرارتها، كما نجد لدى الفلكيين في تحليلاتهم لنسب البرودة والحرارة في الكواكب المكونة للمجموعة الشمسية من حيث قربها أو بعدها عن الشمس، بحيث أن الكوكب الأقرب إلى الشمس يكون أقرب إلى الاحتراق وربما الانفجار حينما يستنفذ قوة تحمله.

وكمثال آخر قريب من هذا فيزيائيا  نجد نموذج المغناطيس في تجاذب شطريه المنفصلين، إذ أنه بقدر ما كان التقارب بينهما أكثر بقدر ما ازدادت قوة التجاذب لحد التماس والالتصاق بل قد يصل الحد إلى التصادم المؤدي إلى الإنكسار أو التفتت، لكننا إذا عزلنا المغناطيس عن شطره إما بعازل كثيف وإما بتولية أحد شطريه عن الآخر ظهره، أي الجانب الذي لا يقبل معه التجاذب فإن التدافع سيكون  هو العكس وبذلك لا يتم الانجذاب ولا الاصطدام إلا إذا وجه الشطران بحسب القاعدة المفيدة للتجاذب عند الاقتضاء.

والدليل المغناطيسي على غرار الكهربائي كما سبق وبينا يعتبر قريبا جدا إلى تحديد مفهوم الجنسين واتحاد عناصرهما مع اختلاف قطبيهما وخصائصهما، بحيث قد لا يقتصر كقاعدة وتلخيص فيما توصل إليه الفيزيائيون: "وجود قوى الجذب أو التنافر على الأجسام المشحونة بالكهرباء فحسب، بل يتعداه أيضا إلى المواد المغناطيسية كحجم المغناطيس الذي يوجد في الطبيعة على شكل خامة أكسيد الحديد، وتبدو الخصائص المغناطيسية للوهلة الأولى مركزة في مساحتين صغيرتين في طرفي المغناطيس تسميان قطبي المغناطيس، وعندما يعلق قضيب مغناطيسي ويترك بشأنه يتجه إحدى طرفيه مباشرة نحو الشمال ويسمى نتيجة لذلك، قطب المغناطيس الشمالي ش، ويسمى الطرف الآخر القطب الجنوبي ج، والمعروف أن القطب الشمالي يجذب القطب الجنوبي وأن قطبين من نوع واحد يتنافران!

وخلافا للشحونات الكهربائية فإنه من المستحيل عزل قطب مغناطيس عن القطب الآخر لأنهما يقترنان دائما ببعضهما البعض، ولذلك فقد أطلق على المغناطيس اسم ثنائي الأقطاب"[56]

وعلى هذا فتوهم أفلاطون أن الرجال والنساء يمكنهم أن يتعودوا التقارب بينهم مع التكشف ودون الانجذاب الاحتراقي أو الاختراقي بالاصطدام  هو مجرد تضليل ومغالطة غريزية.إذ الغريزة عملها اندفاعي نحو مثيرها ومقابلها ما لم تضبط عند الخاطر الأول بالعقل والارادة كما يركز على ذلك الصوفية.

وبسبب الاندفاع الغريزي اعتبرت جل أفعال الحيوانات غريزية وليست عقلية لأنها انفعالية  ومتحركة بحسب تكشف مثيرها. فإذا كان التوازن السلوكي يقتضي حفظ الاعتدال  الوظيفي لكل من القوى العقلية والشهوية والغضبية حسب التقسيم الثلاثي الأفلاطوني للقوى النفسية، فأية وظيفة ستبقـى للعقل في ضبط شهوة أو غريزة النوع  التي تعتبر من أشد الشهوات والغرائز الانسانية انجذابا واندفاعا، ما دام المؤثر قائما وبارزا والمتأثر حاضرا وأسباب التجاذب القوي متوفرة بسبب رفع الحجاب والتعري الجسدي السافر والمثير للشهوة دون لجام أو ضابط؟

أو ليس هذا هو عين الكبت الذي سينظر له فرويد فيما بعد إسقاطا وبترا، والذي اعتبره من أهم الأسباب المؤدية إلى الأمراض العصابية والقلق وكل الشذوذات النفسية  وأعراضها السلوكية؟

كما أن النتيجة ستكون من وراء هذا الكبت المفتعل في مجتمعات العري والسفور هي : إما  العصاب المؤدي إلى الجنون وهذا هو ما اصطلحنا عليه بالاحتراق، وإما الاخلال بالتوازن والاطمئنان الاجتماعي وطغيان ظاهرة الاغتصاب والتسلسل الدوري في دوامة الشهوة المستفزة والمستثارة على التوالي مما قد يؤدي إلى تراكم المكبوتات القاتلة، ما دام العري والسفور هو السائد بإثارته في مجتمع ما وهذا ما عبرنا عنه بالاختراق، إذ النفوس لو تركناها تدور في فلك الاثارة والشهوة فإنها كما يقول ابن حزم الأندلسي تتمنى لو تنكح نساء العالم!!. فسد باب الاثارة هو الذي يحول دون  هذا الاختراق النفسي ويلجم الخيال المريض عن هذا التمني.

وهذه المعاني قد أدركها الصوفية بلغة ذوقية كما سبق  وعرضنا فالتزموا الضوابط الشرعية ظاهرا وباطنا، وذلك من خلال  فهمهم لآية الحجاب وما تتطلبه من غض للبصر الحسي والمعنوي حتى لا يقعوا في دوامة المكبوتات والتي نظروا لها بمناهج متكاملة وموضوعية قبل أن يتحدث عنها فرويد بأسلوبه الاسقاطي المبتور وخلفياته المعبرة عن مجتمعه الفاسد والمختل سلوكيا وأخلاقيا.

                2/ الفكر الاسلامي  وتفادي الكبت والعصاب بالحجاب .

هذا وقد عبرالصوفية عن موضوع الكبت بمصطلحات خاصة ومتناسبة مع الواقع ومفهومه لدى الجميع  مثل : التحسر والتألم وما إلى ذلك مما هو نتيجة للاثارة الشهوية بين الرائي والمرئي على وجه الخصوص، لأن العين كما يقول الغزالي : "مبدأ الزنا فحفظها  مهم وهو عسر من حيث أنه قد يستهان به ولا يعظم الخوف منه  والآفات كلها منه تنشأ، والنظرة الأولى إذا لم تقصد لا يؤاخذ بها، والمعاودة يؤاخد بها. قال صلى الله عليه وسلم: "لك الأولى وعليـك الثانية " أي النظــرة وقال العلاء بن زياد : "لا تتبع بصرك رداء المرأة فإن النظر يزرع في القلب شهوة، وقلما يخلو الانسان في ترداده عن وقوع البصر على النساء والصبيان، فمهما تخايل إليه الحسن تقاضى الطبع المعاودة، وعنده ينبغي أن يقرر في نفسه أن هذه المعاودة عين الجهل، فإنه إن حقق النظر فاستحسن ثارت الشهوة وعجز عن الوصول فلا يحصل له إلا التحسر، وإن استقبح لم يلتذ وتألم لأنه قصد الالتذاذ فقد فعل ما آلمه، فلا يخلو في كلتا حالتيه عن  معصية وعن تألم وتحسـر. ومهما حفظ العين بهذا الطريق اندفع عن قلبه كثير من الآفات، فإن أخطأت عينه وحفظ الفرج مع التمكن فذلك يستدعي غاية القوة ونهاية التوفيق"[57]. وفي نفس المعنى نجد هذين البيتين المتداولين عند الصوفية في شتى المناسبات وهما :

وأنت إذا أرسلت طرفك رائــدا***  لقلبك يومـا أتعبتـك المنـاظــر

رأيت الـذي لاكله أنـت قـادر *** عليه و لا عن بعضه أنت صابـــر

إن السفور دليل الخوف والحـذر*** هذا هو العرف في الأعراض بالخبر

فإن رأيت فتاة الحي قد سفـرت***  فكن فديـتك مـن هذا علـى حــذر[58].

فالتلازم قائم بين الشهوة واللذة والألم، وخاصة من جانب الادراك الحسي والنفسي الجنسي، إذ الشهوة  حسب رأي ابن عربي "لا تتعلق إلا بما للنفس في نيله لذة خاصة، ومحل الشهوة النفس الحيوانية ومحل الارادة النفس الناطقة ، والشهوة تتقدم اللذة بالمشتهى في الوجود، ولها لذة متخيلة تتعلق بتصور وجود المشتهى، فتلك اللذة مقارنة لها  في الوجود، فتوجد في النفس قبل حصول المشتهى، واللذة لوجود حصول المشتهى في  ملك المشتهي ، فليس عـيـن الشهوة عين اللذة لفنائه بحصول المشتهى وبقاء اللذة"[59].

واللذة تتبع الادراك، والادراك إدراكان : ظاهر وباطن، أما الظاهر فبالحواس الخمس ... ومن اقتصر من لذته على الحواس الخمس فهو بهيمة ـ كما عبر الغزالي ـ لأن البهيمة تشاركه فيها، وإنما خاصية الانسان التمييز بالبصيرة الباطنة ولذة البصر الظاهر في الصور الجميلة الظاهرة، ولذة البصيرة الباطنة في الصور الجميلة الباطنة"[60]

ومن هنا فتوسيع دائرة النظر إلى الأجسام المشتهاة بغيرقـيود مقدمات إلى طلب تحصيل اللذات المتراكمة واستفراغ طاقاتها النفسية، وإلا انـقلب الأمر إلى غضب مؤلم أوعصاب حسب التعبيرات الحديثة ، إذ الشهوات حسب تعريف الغزالي هي : عبارة عن مجموعة من الآلام يسعى الانسان إلى التخلص منها والاستراحة من عنائها أو ضغوطها، "فيجد لذة بسبب الخلاص."[61]

وبهذا فتحريك الشهوة طلب للذة وتحصيل اللذة استفراغ للآلام المتراكمة عن إثارة الشهوة، وهذه الآلام تتحدد منافعها ومضارها بحسب الاعتدال أو الافراط والتفريط في إثارتها وإخمادها ، لأنها في اعتدالها آلام ملائمة لطبيعة الانسان وتكوينه وسعادته فردا ومجتمعا، لكنها عند الافراط أو التفريط قد تصبح آلاما حقيقية تتحسر منها نفسه وجسده، وبالتالي  سببا إلى الاختراق والاحتراق أو الغضب والعصاب الناتج عن الكبت، خاصة في مجتمع متبرج ومتغنج وذي تمنع متصنع ومتهيج، مما يعني التضاد السلوكي والتناقض الذاتي بين الاثارة المفرطة والمتعمدة وبين عدم القدرة على تحصيلها كلها رغم تـعلق الارادة شهوة بها لأنها خارجية ليست في ملك العين ، إذ أن "التضاد مؤلم ـ كما يقول الغزالي ـ سواء كان بسبب خارج أو داخل، فإن سم العقرب في العضو يؤلم لفرط برودته المضادة لحرارة البدن فلا تظن أن الآلام كلها تدخل من خارج ، فإن  قلت إن العقرب  إنما  لدغت من خارج ، فاعلم أن ألم السن وألم العين لا  يقصر عنه وإنما  سببه انصباب خلط داخل مضاد لمزاج العين والسن، وليس ذلك بأهون  من لذغ العقرب والحية، واعلم أن تضاد الصفات في القلب يؤلم إيلاما لا ينقص عما يؤلم السن والعين".[62]

فالصوفية حينما أدركوا موضوع الكبت وأسبابه الداخلية والخارجية ، عالجوه بوسائل موضوعية تستند على الأمر الشرعي ومقتضيات العقل والغريزة السليمة ، وذلك من خلال هذه الاجراءات التي سيلخصها الغزالي في قوله بأنه : "مهما أفرطت هذه الرغبة -أي الجنسية- فكسرها بالجوع، والنكاح، وغض البصر، وقلة الاهتمام بها وشغل النفس بالعلوم واكتساب الفضائل فبهذا تندفع"[63].

ومن خلال هذا المنظور الصوفي الموضوعي والسليم، تفتضح بلغة العلم  والعرفان الذوقي خلفيات المناداة الملحة والضاغطة بالسفور والتبرج عبر التلفزات واستقبالاتها عن طريق الأقمار الصناعية والأطباق الهوائية، وعبر المجلات والمنتديات المختلطة والكتابات المنحرفة والمسماة زعما وإيهاما بالعلمية والمدافعة عن حقوق المرأة... إلخ إذ أن المناداة بهذا أسلوب  ونحو هذا الاتجاه تعتبر بالمقياس العلمي والذوقي تضليلية وإفسادية للكيان الانساني واطمئنانه النفسي،  مهما تقدم علم النفس في تحديد الوصفات العلاجية للكبت وأعراضه والقلق وأضراره، إلا إذا روعي العلاج بالحجاب وغض البصر وارتباطهما بالايمان بالله كما نص عليه القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وهو ما فهمه الصوفية على وجه جيد جدا.

إذ سيكون من نتائج المناداة بالسفور والتـبرج المثير مع الادعـاء تناقضا بإمكانيـة تهذيب الغرائز ومنـعها مـن الاستجابة لموضوع الاثارة كما يقول الشاعر :

                               ألقاه في اليم مكتوفا وقال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء

وهذا هو الذي أصبح طاغيا في عصرنا، إذ غالبية الناس تائهون بين مناقضات  أفلاطون  في العري والتعود عليه وبين مناقضات فرويد في الكبت وإطلاق إفراغاته، مما يترتب عليه كما يشهد له الواقع لدى كل من سلك طريق هذه المتناقضات إما الاحتراق وإما الاختراق كما عبرنا مرارا.

إذ الغرائز تتهذب بصرفها عن مثيرها لا بمقابلتها به وتقريبها منه. وفي هذا المضمار كمثال يحكى أن رجلا هذب قططا وجعلهن تحمل الشموع وتقف حول الموائد، وفي يوم من الأيام حملت القطط الشموع فسقط عليها فأر فألقت الشموع على الأرض وفرت وراءه، فاحترق البيت وذعر الجالسون... لأن الغريزة لا يمكن تغييرها أو قلعها جذريا، إذ سيؤدي الحال حينذاك إما إلى شذوذ غريزي أو مسخ شخصي أو إلى مرض جسدي ونفسي تتعطل معه الأعضاء ووظائفها. ولهذا فقمعها كلية غير ممكن "وليس الأمر ـ على حد تعبير الغزالي - كما  ظنه فريق من لزوم قمع الغضب وإماطته  بالكلية وقمع الشهوة وإماطتها بالكلية، بل الواجب ضبطها وتأديبها".[64]

وعند هذا الحدنختصر القول بأن الصوفية قد أدركوا جيدا مفهوم الحجاب في الاسلام، فجعلوا منه مدرسة عرفانية وسلوكية ترتقي فوق كل الحسابات السياسية والمذهبيات الاجتماعية الوضعية في الماضي والحاضر، ففهموا من الحجاب معناه العقدي وبعده التوحيدي ليوظفوه في توحيد الله تعالى بلغة الذوق والانشغال بالحق عن حجاب الخلق . فكانت لهم تعاريف للحجاب كثيرة كلها تصب في غاية  واحدة كقول بعضهم  : "الحجاب حائل يحول بين الشيء المطلوب والمقصود وبين طالبه وقاصده " "الحجاب كل ما ستر مطلوبك عن عينك".

"الحجاب انطباع الصور الكونية في القلب  المانعة لقبول تجلي الحقائق".

"الحجاب كل ما يستر مطلوبك وهو عند أهل الحق انطباع الصور الكونية في القلب المانعة لقبولتجلي الحق" "اعلم أن الحجاب الذي يحتجب به الانسان عن قرب الله إما نوراني وهو نور الروح، وإما ظلماني وهو ظلمة الجسم. والمدركات الباطنة من النفس والعقل والسر والروح الخفي كل واحد له حجاب: فحجاب النفس الشهوات واللذات والأهوية، وحجاب القلب الملاحظة في غير الحق، وحجاب العقل وقوفه مع المعاني، وحجاب السر الـوقوف مع الأسرار، وحجاب الروح المكاشـفـة، والحجاب الخفي العظمة والكبرياء والحجاب الظلماني هو مثل البطون والقهر والجلال وجملة الصفات الذميمة أيضا، والحجاب النوراني يعني ظهور اللطف والجمال وجميع الـصفات الحميدة أيضا"[65].

يقول الله تعالى :) يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير، ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون.

يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون([66]

) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهـم عـن ربهم يومئذ لمحجوبون. ([67] صدق الله العظيم

الفصل الثاني

بواعث التبرج بين خلفيات

الجهل والتجاهل


 

إذا كان حجاب المرأة الظاهري وبشروطه النفسية والسلوكية مطلوبا ومأمورا به من جهة الشرع، فإن التبرج أو السفور منهي عنه من نفس الجهة أيضا، مما يقتضي العلم بحكمه حتى لا يقع المكلف في المحذور جهلا متعمدا أو تجاهلا متعودا فيصير إذاك غير معذور.

فالتبرج لغة كما يعرفه بعض المفسرين هو "التكشف والظهور للعيون ومنه بروج مشيدة وبروج السماء والأسوار -أي لا حائل دونها يسترها"[135]التبرح سعة العين التي يرى بياضها محيطا بسوادها كله لا يغيب منه شيء". ويعرف أيضا في معنى لغوي واصطلاحي قريب من السابق بأنه " تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه"[136]. وأصله الخروج من البرج وهو القصر ثم استعمل في خروج المرأة من الحشمة وإظهار مفاتنها وإبراز محاسنها"[137]. ويقول ابن عطاء الله السكندري عن التبرج المعنوي ذي الأثر السلبي على معرفة وسلوك الصوفي، ومحذرا من خلفياته "ما أرادت همة سالك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة الذي تطلب أمامك، ولا تبرجت ظواهر المكوَّنات إلا ونادتك حقائقها إنما نحن فتنة فلا تكفر".

فالتبرج له ارتباط وثيق بالجهل وله وظيفة الصرف الذاتي للإنسان عن المعرفة والسلوك القويم، إما بالتلقين العشوائي، أو المقصود والممنهج مضادة للحقيقة الشرعية والعلمية الموضوعية، وإما بالسلوك الموروث والجماعي المنسي للمكتسبات التربوية والتعليمية الاسلامية. ومن هنا فقد يشمل التبرج معنى الجهل والتجهيل والتجاهل على الترتيب من البسيط إلى المركب المقصود والمتعود. وهو ما سنرى بعض أوجهه وخلفياته في هذا الفصل قسمته إلى مبحثين:


المبحث الأول : الجهل بالحكم الشرعي من خلفيات التعليم والتكوين المهنى

                                     

                أولا : خلفيات الجهل بين البسيط والمركب في التربية والتعليم.

                1/ حكم التبرج ونـعـت الجاهلية الأولى :

كتعريف اصطلاحي للعلم ومضاده الجهل يقول أبو حامد الغزالي : "العلم ضد الجهل والجهل من لوازم الظلمة والظلمة من حيز السكون والسكون قريب من العدم، ويقع الباطل والضلالة في هذا القسم،  فإذا الجهل حكمه حكم العدم والعلم حكمه حكم الوجود والوجود خير  من العدم، والهداية والحق والنوركلها في سلك الوجود، فإذا كان الوجود أعلى من العدم فالعلم أشرف من الجهل، فإن الجهل مثل العمى والظلمة والعلم مثل البصر والنور  )وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور( وصرح سبحانه بهذه الاشارات فقال : ) قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون(..."[138]

و "اعلم أن العلم على قسمين : أحدهما شرعي والآخر عقلي، وأكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها  ) ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور(..."[139]

إن هذه المقدمة هادفة ومهمة لتحديد خلفيات الحجاب والتبرج من الوجهة الشرعية ومن الوجهة العقلية، والمتمثلة في الدراسة المتفحصة والميدانية لآثارهما إيجابا أو سلبا على سلوك الانسان نفسيا وغرائزيا واجتماعيا، إذ أن الحكم الشرعي الوارد بخصوص حجاب المرأة كفيل بأن يحرك الفكر والنظر للتحليل وإدراك الحكمة منه من حيث هو منفعة ومصلحة للإنسان  على مستوييه الظاهري والباطني. وعلى عكس النظر في إيجابيات الحجاب والحكمة منه فإنه بالضرورة سيتجه النظر إلى تحليل خلفيات التبرج وسلبياته وإبراز بعض أوجه الحكمة من تحريمه والنهي عنه.

ومن هذه الضرورة المترتبة عن النظر في الحكمة من الأمر الشرعي بالحجاب، فإنني سأحاول أن أركز في هذا المركب على الربط بين جهل  السافرات أو المتبرجات بالحكم الشرعي القاضي بالنهي عن التبرج من جهة ، وجهلهن بالواقع النفسي والخصوصية الوظيفية والبنـوية أو السلوكية والغريزية لكل من الرجل والمرأة بصفة عامة، وبطبيعة الرجل وانفعالاته بصفة خاصة.

فلو استقرأنا آراء المتبرجات وكذا المؤيدين لهن من الرجال، فإننا سنجد الفئة العريضة من هؤلاء تخضع لخلفية الجهل بالحكم الشرعي الخاص بالأمر بالحجاب والنهي عن التبرج.

وهذا الجهل قد يكون  بسيطا وقد يكون مركبا ، فالبسيط منه هو عدم الالمام أو العلم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة  على وجوب حجاب المرأة وحدوده وتحريم التبرج وأشكاله، وهذا النوع من الجهل قد يستدرك بالتعليم والوعظ والتنبيه على وجود الأمر أو النهي الالهي في موضوع الحجاب والتبرج. ولهذا فالمخالفون لهذا الأمر أو النهي بغير علم معذورون حتى تقوم عليهم الحجة، سواء كانوا نساء أو القوامين  عليهن من الرجال، ويكون وضعهم بمثابة الذي لم تصله الرسالة بعد أو بمثابة الذين لم يؤمروا بحكم الحجاب قبل نزول الآيات الخاصة به، وكذا ورود التحديد النبوي لشكله وصورته المشروعة.

ولكن رغم هذا الاعتبار القائم على الإعذار فإن الحكم الشرعي في موضوع التبرج سيكون رابطا له  بالجهل ربطا موضوعيا وتلازميا، بحيث سيصبح عنوانا على الجهل العام الذي كان يسود أغلب فئات المجتمع الانساني قبل الاسلام، ويمثل أهم مكوناتها الظاهرية والباطنية، وهو ما يمكن فهمه من خلال الآية الكريمة التي تؤكد ارتباط هذه الظاهرة ذاتيا بالجهل العام، وذلك في قول الله تعالى آمرا أمهات المؤمنين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم )وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ،إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ([140].

وعن صور هذا التبرج المرتبط بالجاهلية والمنهي عنه يقول المفسرون كمجاهد مثلا قال: "كانت المرأة تمشي بين يدي  الرجال فذلك تبرج الجاهلية ، وقال قتادة : كانت لهن مشية وتكسر وتغنج فنهى الله تعالى عن ذلك. وقال مقاتل : التبرج أنها تلقي الخمار على رأسها، ولا تشده فيوارى قلائدها وقرطها وعنقها ويبدو ذلك كله منها وذلك التبرج"[141].

وهذا النهي قد عم جميع المؤمنات لأنه بدلالته يوحي بأن السلوك السليم للمؤمنات أن يجتزن مرحلة الجاهلية إلى الاسلام الذي هو المفيد للعلم الصالح للتطبيق والضروري للوجود الانساني اللائق به، لأن "الجهل حكمه حكم العدم والعلم حكمه حكم الوجود والوجود خير من العدم" حسب تعبير الغزالي كما مر بنا.

ولخيرية الوجود على العدم والعلم على الجهل فإن النساء المؤمنات بالأمر الالهي بمجرد ما سمعن النص الدال على الأمر بالحجاب والنهي عن التبرج حتى سارعن إلى الالتزام بالمأمور به وإلغاء المنهي عنـه.

فقد روي عن عائشة رضي الله عنها قالت :)وليضربن بخمرهن على جيوبهن( شققن مروطهن فاختمرن بها"[142].

وعن صفية بنت شيبة قالت : بينا نحن عند عائشة قالت فذكرنا نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة رضي الله عنها: إن لنساء قريش لفضلا  وإنـي والله ما رأيت أفـضل مـن نـسـاء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل. لقـد أنزلت سورة النور )وليضربن بخمرهن على جيوبهن( انقلب رجالهن إليهن يـتـلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته ،فما منهن امرأة إلا وقامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله في كتابه، فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان"[143].

فبهذا الالتزام بالعلم الالهي قطعت النساء المؤمنات صلتهن بمرحلة العدم والظلمة التي عبر عنها القرآن الكريم بالجاهلية الأولى، واستصبحن بـإشـراقـة الوجود الذي أسسه في قـلوبهن وظاهرهن نور الإسلام.

وتحديد العدد في وصف الجاهلية يمكن اعتباره إشارة إلى أن الجاهلية قد تتعدد وتتجدد كلما أسقط العمل بلوازم العلم والوجود المتمثل في الاستجابة للأمر الالهي والانتهاء بنهيه.

وفي عصرنا نجد أن التبرج الذي هو أحد لوازم الجاهية الأولى قد ضرب أطنابه في سائر أنحاء العالم وبصورة لم تشهد  لها البشرية مثيلا من قبل ولو في العصر الموصوف بالجاهلي، رغم أن العلوم متوفرة ومتقدمة والأبحاث جارية حول الانسان وسلوكه الشعوري وغير الشعوري، وكذا في مجال التشريح ووظائف الأعضاء وأيضا الهندسة الوراثية... إلخ وذلك على مرأى من العين الـمجردة والمجهر وبالتحليل الدقيق والمحدد للخصوصية  الجنسية للإنسان وأوجه التفاعل والاثارات المترتبة عن التقارب والتظاهر، أو التلامس الحسي والمعنوي بين الرجال والنساء. ومع كل هذه المعطيات العلمية الدقيقة يتمادى أغلب أهل عصرنا بالتفنن في ألوان التبرج أو السفور وإيصاله إلى أقصى مستوياته التي قد تتخطى تبرج البهائم العجماء .

ومن هنا نعود لنراجع القاعدة النظرية التي ذهب إليها الغزالي حينما قال : "أكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها وأكثر العلوم العقلية شرعية عند عارفها".

وهذه القاعدة تحتاج إلى ذوقية روحية وفكرية للربط الجيد المتناسب بين معطيات العلوم الشرعية والعلوم العقلية بشرط السلامة والبرهان.

فالتبرج دليل الجهل لأنه مخالف للحكم الشرعي، والحكم الشرعي عند أهل العلم يوافق الحكم العقلي .

وهذا الأخير إذا تجرد من الذاتية والهوى كان موافقا للحق الذي نص عليه الشرع.

ومن هنا فالأمر الالهي بالحجاب سواء في سورة النور أو الأحزاب يوافق الحكم العقلي السليم واستنتاجاته، ما دام الباحث في موضوع الحجاب ينظر بمجهر علمي خال من التعصب والميل الشهوي الأهوائي والشذوذ العاطفي.

وهذا النظر العقلي السليم ينبغي أن ينصب بالدرجة الأولى على البحث في قضايا الغرائز وأسباب إثارتها، وكذا التركيز على طبيعة الرجل ومستويات انفعالاته بالقياس إلى المرأة موضوع الخطاب والأمر بالحجاب.

أما الجهـل المركب فهو الذي يـتم على سبيل المخالفة العقدية والمذهبية وكذا الاجتماعية والثقافية. وتظهر هذه المخالفات المكرسة للجهل بالحكم الشرعي وتفاصيله على عدة صور أخطرها تلك التي تمارس على مستوى التكوين المهني في مجال الطب والتمريض وأيضا على مستوى الفن التمثيلي المشخص بالصورة والحركة خاصة.

                2/ تكريس التبرج بالتعميم في مناهج التربية والتعليم :

ففيما يخص مناهج التربية والتعليم قد يقحم بعض المربيين والمدرسين الآراء النفسية ذات العلاقة بالجانب الشهوي والجنسي للإنسان في برامج التعليم ، وهي ممزوجة ومخضبة بالمفاهيم الغربية والمادية عموما سواء في صورة المدرسة التحليلية التي تحيل كل أو جل أسباب القلق عند الانسان إلى وجود عوائق معينة تمنعـه من تفريغ التهيج الجنسي أو إشباعه إشباعا كاملا ـ حسب زعم فرويد ـ[144] ومن سار على وهمه، أو في صورة المدرسة  السلوكية التي تزعم الترويض في  مجال الغريزة مع وجود المؤثر وحضوره ، وهو تناقض سبق وبينا سلبياته.

ولتأثـير هذه المفاهيم المتناقضة على بعض المدرسين أو المؤطرين والمديرين للمؤسسات التعليمية والتربوية، فقد يلجأون جهلا بحكم الشرع  أو بواقع الغرائز -كما سنراه- إلى تدريس التلاميذ والتلميذات جنبا إلى جنب مع وجود التهيج الجنسي وفوران الشهوة في مرحلتهم على أعلى مستوى، تشريحا للأعضاء الجنسية وشرح وظائفها مع تبرير الاستجابة لها بضرورة إفراغ المكبوتات ومنع أعراض القلق حسب أوهام فرويد ومن قلده تقليد العميان ، وذلك من غير  تحفظ أو مراعاة لواقع الخيال والإندفاع الشهوي في مرحلة المراهقة دون الإثارة بالتقارب والإختلاط ، فكيف بحدوث ذلك تحت مزاعم التعليم والثقافة؟ .

وهذا ما حذر الصوفية منه في باب التعليم قد يطال حتى ناضجي الفكر والإرادة والخيال، فكيف بالمراهق والمراهقة؟ كما يقول ابن عربي في هذا المعنى : "ولولا خوفي أن أثير الشهوة في نفوس السامعين فيؤدي ذلك إلى أمور يكون فيها حجاب الخلق عما دعاهم الحق إليه لجهلهم بما كنت أذكره في ذلك ولكن له مواطن يستعمل فيها لأظهرت من ذلك ما لا يظهر عل  فضله فضل شيء "[145] وذلك في معرض حديثه عن مسائل جنسية لكنه يؤولها إلى معاني روحية ترقى بها إلى مستوى تجريدي على النحو الذي سبق عرضه في تحليله لموضوع الحجاب وأبعاده.

وفي نفس السياق والإحتياط في التربية والتعليم، دون إثارة الشهوات وكشف المحاسن لفظا حتى لا يؤدي ذلك إلى كشفها حسا، يقول السهروردي : "وأما ما كان من ذكر القدود والخدود ووصف النساء فلا يليق بأهل الديانات الإجتماع لمثل ذلك، وأما ما كان من ذكر الهجر والوصل والقطيعة والصد مما يقرب حمله على أمور الحق سبحانه وتعالى من تلون أحوال المريدين ودخول الآفات على الطالبين، فمن سمع ذلك وحدث عنده ندم على ما فات أو تجدد عنده عزم لما هو آت فكيف يكون سماعه؟.

وقد قيل إن بعض الواجديـن يقتات بالسماع ويتقوى به على الطي والوصال، ويثير عنده من الشوق ما يذهب عنه لهب الجوع، فإذا استمع العبد إلى بيت من الشعر وقلبه حاضر فيه كأن يسمع الحادي يقول مثلا:

                أثوب إليك يا رحمـن إنـي *** أسأت وقد تضاعفت الذنــوب

                فأما من هوى ليلـى وحبـي*** زيـارتهـا فإنـي لا أتــوب

فطاب قلبه لما يجده من قوة عزمه على الثبات في أمر الحق إلى الممات يكون في سماعه هذا ذكر اللـه تعالى"[146]

وإذا كان الإحتياط والحذر قائما فيما يتعلق بتفصيل الكلام عن المسائل المرتبطة بالشهوات والغرائز وذلك على مستوى الكبار و دون اختلاط، فكيف بفتح مجال التصريح مع وجود سن المراهقة وتقارب الفتيان والفتيات على مستوى المقاعد والصفوف، مع وجود التبرج بكل مدعماته من عطر وزينة ورخامة صوت إلخ...؟

أو ليس هذا الوضع يكون صارفـا لهم عن تذكر الحكم الشرعي  إما غفلة أو هوى واتباعا للشهوات ؟ أو ليس الخطر حتميا في هذا التقارب المشجع عليه بين الأشكال المتناسبة في السن والغريزة والإثارة والغفلة والتقليد بدون وعي وخاصة في مرحلة المراهقة، حيث كما تقول القاعدة الصوفية : "الشكل إلى الشكل أميل" للمناسبة وخاصة في الجانب الشهوي والغريزي؟!!!

إن المناهج التعليمية والتربوية التي لا تراعي هذه الإنفعالات الغريزية والمناسبة الشكلية وأثرها على التجاذب بين الجنسين في صورة غير محمودة ولا محتاط لها، قد تكون وراء تشجيع تبرج الفتيات ومعاكسة الفتيان لهن، لأنهن يكن من خلال هذه التبريرات التربوية المزعومة قد صرفن عن العلم بالحكم الشرعي في موضوع الحجاب، فيكون جهلهن به ناتجا عن الصرف الذاتي المخطط والمقصود، لأنهن يكن قد تلقين مبدئيا أفكارا فاسدة فيما يخص الآداب التي ينبغي أن يلتزمنها في سلوكهن ولباسهن.

وقد كان من الأولى في مرحلة التمييز والمراهقة خصوصا أن يراقب الطفل من جهة تكوينه العلمي والسلوكي وخاصة في سن التمدرس، لأن الصبي كما يقول الغزالي : "مهما أهمل في ابتداء نشوه خرج في الأغلب ردىء الأخلاق، كذابـا حسودا سروقا نماما لحوحا ذا  فضول وضحك وكياد ومجانة، وإنما يحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب، ثم يشغل في المكتب فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار وحكايات الأبرار وأحوالهم لينغرس في نفسه حب الصالحين، ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع فإن ذلك يغرس في قلوب الصبيان بذر الفساد…"[147]

وهذا المنهج التربوي والتعليمي مؤسـس على أحاديـث نبـوية شريفــة من بينها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة إذا بغلوا سبعا واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا وفرقوا بينهـم في المضاجع"[148].

ويتضمن الحديث عدة معاني لها ارتباط وثيق بموضوع الحجاب والأخلاق والسلوك والتربية من بينها :

أ - الترسيخ الأولي للعلوم الشرعية في نفس الصبي  للحفاظ على فطرته السليمة ، وهي وظـيفة المعلم و الوالدين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه  يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه...".[149]

ب - اعتبار مراحل النمو عند الطفل والوظيفة التربوية بحسبها ، إذ كل مرحلة لها أسلوبها المناسب والقابل لترسيخ المبادىء والأصول التربوية ترسيخا جذريا، لأن قلب الطفل الطاهر كما يقول الغزالي : "جوهرة نفـيـسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش  ومائل إلى كل ما يمال به إليه" كما أن "التعليم في الصغر يثبت في القلب كما يثبت النقش في الحجر"[150].

ج - اعتبار مرحلة التمييز الجنسي وتطبيقها التربوي بالتفريق في المضاجع تفاديا  للخطر الجنسي المترتب عن شدة الانفعال، وعدم استقرار نفس المراهق في هذه المرحلة وهي ما بعد سن العاشرة.

د -إذا كان التفريق في المضاجع يجب بين المحارم فغير المحارم أولى بمنع الاختلاط بينهم في هذه المرحلة.

هـ – ارتباط تعليم الصبيان بـالصلاة مع التفريق بينهم في المضاجع فيه أيضا إشارة إلى صرف المراهق عن الانطواء على ذاته والانغماس في انفعالات غرائزه نحو التسامي بفكره وقلبه إلى تقوية إيمانه، وتحصين نفسه بتطهير ظاهره وباطنه، وهو ما تحققه له الصلاة حينما تصبح هي شاغله الأول في تعلمه وعمله مصداقا لقول الله تعالى: )وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون([151].

و - وجود علاقة وثيقة عند تعليم الصبيان الصلاة ـ وخاصة  الإناث ـ بتعليمهن آدابها وشروطها ومن بينها الحجاب وقواعده في الصلاة، بحيث أن البنت التي ستعلمها أمها قد تلقنها على سبيل التقليد ،وإذا  تكرر العمل أصبح راسخا في ذهن سلوك الفتاة وخاصة في مرحلة التعليم الأولي. وبهذا فلن يكون لديها نسيان بخصوص الحجاب، ولن يكون لديها تحرج في لباس الجلباب لأنها تكون قد تعودت عليه في الصبا فإذا بلغت المحيض أًصبح الالتزام بلباسه سهلا لديها.

وهذا المنهج الاسلامي في التربية والتعليم قد سلكه جل المفكرين المسلمين ووظف في كل  مدارسهم العلمية، وذلك لأنه يحمي الطفل منذ نشوئه من الانحراف والانصراف بذهنه إلى الخيالات الفاسدة وتراكم المكبوتات لديه، بحيث إذا لم  يراع الفصل بين الجنسين في المرحلة الموجبة لذلك ولم يراع الحجاب وشروطه عند التربية والتعليم، فقد يضيع الطفل المراهق أو البنت المراهقة خاصة، إذ أن هذه الأخيرة تكون أكثر عرضة للتغريرحينما تصير مهملة من طرف وليها أو حاضنتها، فتكون كثيرة الخروج بغير  رقيب ولا حام وخاصة حينما يكون أبوها وأمها في حالة طلاق أو وفاة، مما يتطلب أن تكون لحضانتها خصوصية دون الذكر  وذلك باستقرارها حكما عند أحد والديها دون الآخر من غير تخيير، وخاصة في سن التمييز والمراهقة كما يذهب إلى ذلك ابن تيمية في فتواه التي  ربط فيها بين تخيير البنت وخروجها كأحد خلفيات تبرجها وانحراف سلوكها وذلك حينما قال : "فأما البنت إذا خيرت فكانت عند الأم تارة أفضى ذلك إلى كثرة بروزها وتبرجها وانتقالها من مكان إلى مكان، ولا يبقى الأب موكلا بحفظها ولا الأم موكلة بحفظها. وقد عرف بالعادة أن ما يتناوب الناس على حفظه ضاع، ومن الأمثلة السائرة "لايصلح القدر بين طباخين" ولهذا كان لباسها المشروع لباسا يسترها ولعن من  يلبس لباس الرجال"...[152]

كما يربط بين الحجاب في الصلاة وتخيير البنت وخاصة في مرحلة المراهقة وفوران الشهوة، فيقول مضيفا "وأيضا يأمرون المرأة في الصلاة أن تجمع ولا تجافي بين أعضائها وتتربع ولا تفترش، وفي الاحرام لا ترفع صوتها إلا بقدر ما تسمع رفيقتها، وأن لا ترقى فوق الصفا والمروة، كل ذلك لتحقيق سترها وصيانتها ونهيت أن تسافر إلا مع زوج أو ذي محرم لحاجتها فـي حفظها إلى الرجال مع كبرها ومعرفتها فكيف إذا كانت صغيرة مميزة وقد بلغت سن ثوران الشهوة فيها وهي قابلة للانخذاع؟!! وفي الحديث "النساء لحم على وظم إلا ما ذب عنه"[153].

إنها  ملاحظة دقيقة وعلمية علل  بها ابن تيمية فتواه في منع تخيير البنت  بين والديها بالتناوب المتكرر والمتقارب على حضانتها وتربيتها، لأنه سيعرضها للإهمال والتبرج وبالتالي قد تقع فريسة التغرير والتسيب وذلك من الجانب الشهوي خاصة، لأنه إذا لم تهيأ البنت منذ الصبا للتمييز بين الجنسين بالفصل في المضاجع كما نص عليه الحديث النبوي الشريف، وكذلك إذا لم يعود الأطفال ذكورا وإناثا على الصرف الذاتي عن التعرض للمشاهد أو الحركات ذات الدلالات الجنسية الصريحة أو التعريضية، وخاصة في الوسط العائلي وبين المحارم وبصفة أخص بين الأب والأم، فإنه سيترتب عن عدم مراعاة أثر هذه السلوكات على نفسية الطفل  انعكاسات سلبية على مستوى السلوك والأخلاق، وسيصبح الطفل أمام هذه اللامبالاة العائلية في تربيته وتعليمه عبارة عن كومة من الأمراض والعقد النفسية التي تعلق به منذ صباه، فيصبح سلوكه الظاهري والباطني يتحدد بحسبها.

وهذه الأسس التربوية والتعليمية الإسلامية لم تراعها أو لم يرد أن يسلم بها مؤسسوا المناهج الغربية التعليمية ومقلدوهم من مدراء بعض المؤسسات العربية في مجال التربية والتعليم، إذ غلب على مناهجهم مـا أخذوه تقليدا أعمى من المدارس النفسية الحديثة ،وخاصة مدرسة التحليل النفسي التي تبدو انحرافاتها في نفس واقع بيئة شخصياتها التي تأسست عليها دراساتها، كموضوع الطفل "هانز الصغير" الذي نشأ في بيئة موبوءة لاتعرف للحجاب جلبابا ولا للتبرج تحرجا وخاصة بين المحارم، مما نتج عنه عقد نفسية وسلوكية لم يستطع حلها محللوا المدرسة التحليلية سوى بصب الزيت على الزيتون، كما يقول فرويد مثلا عن تحليله لخواف الطفل هانز من الحيوان : "لقد كان الطفل في ذلك الوقت يمر بمرحلة عقدة أوديب بما تتضمنه من مشاعر الغيرة والعداء نحو أبيه الذي يحبه الطفل بالرغم من ذلك حبا عظيما، إلا إذا كان للأم دخل في إثارة البغضاء  فنحن نجد هنا إذن صراعا ناشئا عن التناقض الوجداني : حب عميق وبغض شديد يتجهان نحو شخص واحد بعينه، فلابد أن يكون خواف هانز الصغير محاولة لحل هذا الصراع، ومثل هذه الحالات من الصراع الذي ينشأ عن التناقض الوجداني شائعة جدا، ومن الممكن أن تؤدي هذه الحالات إلى نتيجة أخرى تعتبر نموذجية، وهي ازدياد شدة إحدى العاطفتين المتصارعتين (عاطفة الحب عادة) وزوال العاطفة الأخرى. ونستطيع أن نكتشف من تطرف العاطفة الباقية وصفتها القهرية أن هذه العاطفة ليست هي وحدها الموجودة، بل إنها دائما في حالة انتباه لكي تبقى العاطفة الأخرى المضادة مقموعة، كما نستطيع من ذلك أن نفترض وجود عملية نسميها الكبت عن طريق " تكوين رد الفعل " (في الأنا). والحالات التي تشبه حالة هانز الصغير لاتظهر أي أثر لتكوين رد الفعل الذي من هذا النوع. فهناك بلا شك طرق مختلفة للتخلص من الصراع الذي يثيره التناقض الوجداني..."[154]

وعلى هذه التحليلات الشاذة والموبوءة يعلق بعض النقاد لفرويد ومنهجه بأن " تقارير الأب عن سلوك هانز عرضة للشك في عدد من المواضيع، وعلى سبيل المثال فقد حاول الأب أن يقدم تفسيراته لملاحظات هانز وكأنها حقائق مقررة، كما أن شهادة هانز نفسه لايمكن الإعتماد عليها إطلاقا لأسباب عديدة  فلقد ذكر كذبات عديدة في الأسابيع الأخيرة لمخاوفه المرضية، بالإضافة إلى أنه قد قدم العديد من التقارير غير المنسقة والمتعارضة أحيانا، والأهم من ذلك هو أن معظم ما قدم على أنها آراء هانز ومشاعره كان ببساطة عبارة عن كلمات الأب، ويقر أنه خلال عملية التحليل كان لابد أن يقال لهانز أشياء كثيرة لا يمكنه قولها بنفسه، وكان لابد أن يمد بأفكار لم يبد أي إشارة لا متلاكه إياها. كما أن انتباهه كان لابد أن يوجه في الاتجاه الذي يتوقع منه الأب شيئا ما، وقد يقلل هذا من القيمة البرهانية  للتحليل ولكن نفس الطريقة تتكرر في كل حالة وذلك لأن التحليل النفسي ليس مجرد فحص  علمي صرف ولكنه وسيلة علاجية.

ويقول  وولب وراخمان تلخيصا لذلك : "إن شهادة هانز لا تخضع فحسب لمجرد الايحاء ولكنها  تحتوي أيضا على مواد كثيرة ليست من قوله على الاطلاق".[155]

فالأمراض النفسية التي نسبها فرويد بتحليلاتها الوهمية إلى الطفل هانز قد تكون لها من الأسباب ما له علاقة باللامبالاة عند العري  بين المحارم في البيئة التي نشأ فيها هذا الطفل، بل جل الأسر غير الاسلامية وخاصة الغربية، بحيـث يحكى أنـه ربمـا كان يدخل الحمـام مع أمـه وهـي عريانة كليا فيرى عورتها كما يرى أيضا عورة أبيه وأخته.

ومن هذا الجهل بالواقع الغريزي والخيالي للطفل وإهمال نشوئه، ترتب لديه فضول واختلاط في الخيال وتقزز وعداوة بل وقاحة وغياب حياء، بسبب الايحاءات الخيالية بالمشاهدة المكشوفة وكذلك الايحاءات اللفظية بإسماعه كلاما فوق مرحلة نموه واستيعابه أو فهمه وخاصة في المجال الجنسي، مما أدى به إلى الكذب والمجانة والتفحش وما إلى ذلك من مظاهر فقد الحياء الذي يكون من أوائل العلامات الدالة على الاتزان النفسي  والسلوكي للصبي.

فالحياء يعتبر عند المسلمين من أهم الفضائل الدالة على اتزان وسلامة شخصية الصبي خاصة، لأنها تكون مؤشرا على نجابته وقابليته للتحلي بالفضائل الأخلاقية الباقية.

وهذه الملاحظة سيصرح بها جل المختصين من المفكرين المسلمين في علم الأخلاق، سواء كانوا  صوفية أو متكلمين أو فقهاء أو فلاسفة، بحيث نجد مثلا ابن مسكويـه كفيلسوف أخلاقي مسلم يقول بأن "أول ما ينبغي أن يتفرس في الصبي ويستدل به على عقله الحياء، فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح ومع إحساسه به وهو يحذره ويتجنبه ويخاف أن يظهر  منه أو فيه، فإذا نظرت إلى الصبي فوجدته مستحييا مطرقا بطرفه إلى الأرض غير وقاح الوجه ولا محدق إليك فهو أول دليل نجابته، والشاهد لك على أن نفسه  قد أحست بالجميل والقبيح، وأن حياءه هو انحصار نفسه خوفا من قبيح يظهر منه . وهذا ليس بشيء أكثر من إيثار الجميل والهرب من القبيح  بالتمييز والعقل، وهذه النفس مستعدة للتأدب صالحة  للعناية لا يجب أن تهمل أو تترك ومخالطة الأضداد الذين يفسدون بالمقارنة والمداخلة"[156].

وهذه الفضيلة المحددة لسلوك الطفل في بداية تمييزه سيعتبرها أبو الحسن الماوردي ـ المتكلم والفقيه ـ من خصائص  البنية السليمة للطفل وهي تعبر في حضورها أو غيابها عن انعكاس غير شعوري لديه بحسب الأوضاع التي يكون عليها مجتمع ما.[157]

ومن نفس الملاحظة والتحليل للخلفيات والأبعاد السلوكية للحياء عند الطفل يقول الغزالي: "ومهما رأى فيه -أي المربي في الصبي- مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته، وأول ذلك ظهور أوائل الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحيي ويترك بعض  الأفعال فليس ذلك إلا لاشراف نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبيحا ومخالفا للبعض. فسار يستحيي من شيء دون شـيء، وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ، فالصبي المستحيي لا ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه  بحيائه أو تمييزه ..."[158].

ومن هنا فالعقد التي تحدث عنها فرويد، كعقدة أوديب الاسطورية غير موجودة في المجتمع الاسلامي لضوابط الحياء  والحجاب والتربية والتعليم التي جاء بها الاسلام لتكوين الانسان السليم.

فتلقين الصغار والمتعلمين أفكارا وسلوكا حسب المناهج التربوية والتعليمية الحديثة ذات التقليد  الغربي، من أبرز مظاهرها تكريس الجرأة والوقاحة وإقصاء الحياء والحشمة ،كما أنها قد تكرس لدى المراهقين  والمراهقات تقليدا أعمى يشاهد عيانا ولا يحتاج إلى دليل، خاصة إذا تعلق الأمر بالمسألة الجنسية وتحبيب العري والتبرج والاختلاط وتبريره بالحرية الوهمية والتقدمية المنكوسة. بحيث قد يؤدي هذا الاستلاب الضارب على أوتار الغرائز الشهوانية بالمتعلمين والمتعلمات إلى الانصراف عن العلم بالحكم الشرعي في مجال السلوك الجنسي وضوابطه، وبالتالي إلى إضاعة الصلاة واتباع الشهوات كما يقول الله تعالى :       

) فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتـبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا([159].

لأن إثارة مواضيع الشهوة مع حضور أسبابها بالتبرج والاختلاط والتقارب بين المراهقين والمراهقات دون حياء وهم في قمة الاستعداد لفورانها، قد يؤدي بهم إلى طلب الاستجابة لحثها وبالتالي عدم التحرج أو التردد في كشفها والتعبير عنها، خاصة وأنهم يجهلون حكم الشرع فيها من حيث تحديدها  هل هي شهوة مذمومة أم محمودة كما يقول ابن عربي : "وأما الشهوة فهي إرادة الملذوذات فهي لذة والـتذاذ بملذوذ عند المشتهى، فإنه لا يلزم أن يكون ذلك ملذوذا عند غيره ولا أن يكون موافقا لمزاجه ولا ملايمة طبعه، وذلك أن الشهوة شهوتان، شهوة عرضية وهي التي يمنع من اتباعها فإنها كاذبة وإن نفعت يوما ما فلا ينبغي للعاقل أن يتبعها لئلا يرجع ذلك له  عادة،  فتؤثر فيه العوارض، وشهوة ذاتية فواجب عليه اتباعها فإن فيها صلاح مزاجه لملايمتها طبعه، وفي صلاح مزاجه وفي صلاح دينه سعادته، ولكن يتبعها بالميزان الالهي الموضوع من الشارع وهو حكم الشرع المقرر فيها، سواء كان من الرخص أو العزائم إذا كان متبعا للشرع لا يبالي، فإنه تعالى ما شرع إلا ما يوصل إليه  بحكم السعادة "[160].

فالعلم بالحكم الشرعي هو المحدد السليم والصحيح لمناهج التربية والتعليم والحامي  لصحة المتعلمين والمتعلمات النفسية والأخلاقية، حيث أن الملاحظ على أغلب  التلاميذ في طور المراهقة وحتى ما بعدهـا حدوث شروذ ذهني فضيع لديهم، وسبب ذلك يكون في جله الحث الشهوي وما يحمله من خيالات جنسية بسبب الاختلاط والتبرج المصاحب  له، بل والتقارب لحد التهامس والتلامس كمؤشر واضح على جهلهم بالحكم الشرعي المحدد لضوابط التعامل بين الجنسين على أساس الحجاب وشروطه.

وهذا الشرود والتعود  عليه  قد يكون أكثر حضورا بين التلاميذ والتلميذات في المؤسسات والبعثات الأجنبية أو في المعاهد التكوينية المهنية وكذا في كليات الآداب والعلوم الانسانية، وأيضا كليات العلوم التقينة،والطبية خاصة، لأن هذه الأخيرة  ينبغي ربطها بموضوع التبرج والسفور ذي الخلفية المدرسية والتعليمية لحضورها الخاص في العلاقات الاجتماعية، وذلك على مستوى الملاحظة الجسمية والكشف البدني للتشخيص المرضي.


                ثانـيـا : تكريس التبرج بزعم التعليل في ممارسة الطب والتمثيل

                1 / الجهل بحكم الضرورة الفقهية في الممارسة الطبية :

فالملاحظ على الكليات التي يدرس فيها الطب وكذا معاهد تكوين الممرضين والممرضات غياب العلم بالحكم الشرعي كمحدد لتطبيقات ما  يدرس بها غيابا كليا عن مناهجها، وحتى عما يسمى بعلم الأخلاق  المهني. ومن هنا فقد يحشر الطلبة والطالـبات بدون تحفظ أو مراعاة لقواعد الحياء والضرورة العينية أو الكفائية لدراسة علم التشريح ووظائف الأعضاء وخاصة في طب النساء والتوليد والأمراض التناسلية وما إلى ذلك.

فعلم الطب يندرج في حكم الفرض الذي شمله الحديث النبوي الشريف "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، إلا أن الطب لا يأخذ صورة الفرض العيني المقصود من الحديث ابتداء، وإنما يندرج في حكم الفرض الكفائي من حيث التفاصيل وإن كان  أصله معلوما من طرف الأنبياء والرسل مما يدرجه في إطار الفرض العيني وهو الذي اعتنى به العلماء وألفوا فيه كتبا سموها بالطب النبوي.

عن هذا  التقسيم الذي يحدد موقع علم الطب في العلوم الاسلامية من حيث اعتباره فرضا عينيا في الاجمال وكفائيا في التفصيل يقول أبو حامد الغزالي : "اعلم أن الفرض لا يتميز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم، والعلوم بالاضافة إلى الفرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية وغير شرعية، وأعني بالشرعية ما استفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، ولا يرشد العقل إليه مثل الحساب، ولا التجربة مثل الطب، ولا السماع مثل اللغة، فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو  مذموم وإلى ما هو مباح ، فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب، وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة، وأما فرض الكفاية فهو علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض  عن الآخرين، فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض  الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضا  من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة بل الحجامة والخياطة. فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه، فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله. وأما مـا يعد فضيلة لا فريضة فالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذلك مما يستغنى عنه، ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه، وأما المذموم فعلم السحر والطلسمات وعلم الشعبذة والتلبيسات، وأما المباح منه فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها وتواريخ الأخبار وما يجري مجراه. وأما العلوم الشرعية وهي المقصودة بالبيان، فهي محمودة كلها ولكن قد يلتبس بها ما يظن أنها شرعية وتكون مذمومة فتنقسم إلى المحمودة والمذمومة...".[161]

وعن المفاضلة بين الطب والفقه يقول أيضا : "اعلم أن التسوية غير لازمة بل بينهما فرق، وأن الفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه : أحدهما : أنه علم شرعي، إذ هو مستفاد من النبوة بخلاف الطب فإنه ليس من علم الشرع. والثاني : أنه لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة البتة، لا الصحيح ولا المريض. وأما الطب فلا يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأقلون. والثالث : أن علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة، لأنه نظر في أعمال الجوارح، ومصدر أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب، فالمحمود من الأعمال يصدر عن الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة، والمذموم يصدر من المذموم ، وليس يخفى اتصال  الجوارح بالقلب، وأما الصحة والمرض فمنشؤهما صفاء في المزاج والأخلاط وذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب، فمهما أضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه..."[162].

"...ثم المريض لا يستغني عن الفقه كما لايستغني عن الطب وحاجته إلى الطب لحياته الفانية وإلى الفقه  لحياته الباقية وشتان بين الحالتين، فإذا نسبت ثمرة الطب إلى ثمرة الفقه علمت ما بين الثمرتين ..."[163].

فعلم الطب ينبغي أن يبنى على النظافة والطهارة لأنها أصله، حتى يصبح علما نافعا شريفا بشرف الفقه، وهذه النظافة ينبغي أن تكون معنوية قبل الحسية لأنها أول وظائف المتعلم في تحصيل علمه كيفما كان حتى يصير علما نافعا وهي "أن يقدم طهارة النفس عن ردىء الأخلاق، فكما لا تصح عبادة الجوارح في الصلاة إلا بطهارة الجوارح ، والعلم عبادة النفس وفي لسان الشرع عبادة القلب، فلا يصح إلا بطهارة القلب عن خبائث الأخلاق وأنجاس الصفات، قال عليه السلام : "بني الدين على النظافة" وهو كذلك باطنا كما  أنه كذلك ظاهرا"[164].

وأية نظافة تبقى حينما يجتمع الفتيان والفتيات على مجموعات مختلطة ومتبرجة لدراسة أو رؤية أعضاء تناسلية على مستوى التشريح وتفسير الوظائف أو أسباب المرض وأعضائه، إما لمريض أو مريضة وإما لجثة إنسان ميت أو حتى لدمية على حجم جسم الانسان ؟ وأي علم يبقى محمودا نافعا حينما تستحضر هذه الأفواج من الطلبة في كليات الطب أو مراكز تكوين الممرضين والممرضات لمشاهدة امرأة مريضة أو نفساء أو في حالة إجهاض وهي مكشوفة العورة بل كل الجسم في كثير من الحالات ؟ أو ليس هذا المنهج العشوائي في تدريس علم الطب والتمريض يكون أخطر مهدد لصحة الشرف والعرض رغم ما يقدمه الطب من علاج ومداواة لأمراض الأجساد وأعراضها؟ !!!

بلى ! فإن تهديد العرض يكون أشد من أمراض الجسد، وعدوى مرض الأعراض أكثر فتكا من عدوى مرض الأجساد. وهذه الاختلالات المنهجية والأخلاقية في التكوين الطبي وتدريباته كما يلاحظ المرضى ومن لهم بحث واستقصاء في الموضوع،  قد يؤدي بالممارسة المهنـية إلى الانحدار في استسهال الرذيلة قولا وفعلا وكذلك إلى خلع حجاب الحياء وبالتالي الجلباب عند النساء  تأثرا باستسهال ملاحظة العورات وكشفها على شكل جماعي ولغير ضرورة ملحة كما رأينا في فتوى ابن تيمية بأنه يباح للطبيب النظر للحاجة "ولكن مع عدم الشهوة "، وهذا في حالة عدم وجود نساء يتولين  تطبيب بعضهن البعض لظروف خاصة يخشى فيها هلاك المريضة إذا  لم توجد طبيبة كفأة تتولى علاجها.

لكن الواقع العلمي والتقني الحديث يؤكد أنه بالإمكان أن تتولى النساء تطبيب وتوليد بعضهن دون حاجة إلى الرجال، وخاصة فيما يقتضي الكشف الجسدي ذي الإثارة الجنسية، بل كان الشأن في مثل هذه الحالات عبر الأزمان حيث كان الوعي بمفهوم الضرورة والفرض العيني والكفائي سائدا، أن يتولى النساء تمريض بعضهن أو تطبيبهن فيما لاينبغي أن يطلع عليه الرجال[165] لتفادي الحرج، كما يروى عن الزهري قوله في الشهادة: "مضت السنة بجواز شهادة النساء فيما لايطلع عليه الرجال".

وهذا لايعني المنع الكلي للرجال من تطبيب النساء وعلاجهن، إذ الضرورة قد تكون في حالات استثنائية مثل الحروب والغزوات على سبيل تضميد الجراح وجبر الكسور...إلخ، أو عند عدم وجود امرأة طبيبة أو ممرضة في قرية أو مدينة ما.

لكن هذا لايعني الركون إلى مبدأ الضرورة كذريعة لفتح المجال على مصراعيه لتولي النساء تطبيب الرجال أو العكس، إذ أنه يكون من المحتم على الأمة وولاة أمورها كتطبيق للحكم الفقهي المحدد لمفهوم فرض الكفاية في الطب، بالسعي إلى تكوين الأطر الكافية من النساء والرجال على حد سواء للقيام بهذه الوظيفة على أحسن وجه، يضمن سلامة العرض والصحة الجسدية للفرد. كل يباشر علاج نوعه ، فالمرأة تباشر المرأة والرجل يباشر الرجل حتى يبقى الطب خادما للشريعة ومحميا بقواعدها. و"مهما أضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه" حسب تعبير الغزالي الذي نجد لديه ملاحظة دقيقة في هذا المجال تؤكد ضرورة الإحتياط في صياغة تكوين الطبيب والممرض وملازمة علمه بالفقه لعلمه بالطب، حتى يصبح موثوقا به، وتصبح شهادته ومشاهدته غير متهمة أو مقلقة. فيقول منبها على هذا الخطر لأهل الفقه والفتيا " فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لانرى أحدا يشتغل به ويتهاترون على علم الفقه لاسيما الخلافيات والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى، والجواب عن الوقائع، فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين في الإشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال مالا قائم به ؟ هل لهذا سبب إلا أن الطب لن يتيسر الوصول به إلى تولي الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد القضاء والحكومة والتقدم به على الأقران والتسلط به على الأعداء ؟ ..."

ويقول في نفس المعنى أيضا : " فأما الفتوى فقد قام بها جماعة ولا يخلو بلد من جملة الفروض المهملة ولا يلتفت الفقهاء إليها وأقربها الطب. إذ لا يوجد في أكثر البلاد طبيب مسلم يجوز اعتماد شهادته فيما يعول فيه على قول الطبيب شرعا، ولا يرغب أحد من الفقهاء في الإشتغال به."[166]

وهذه الملاحظة الميدانية عند الغزالي كفقيه وصوفي سنجدها عند داود بن عمر الأنطاكي كطبيب في كتابه " تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب" يبين فيه سبب إقدامه على تعميم علم الطب والاحتياط فيه حيث يقول : "فإذا  لم يكن  العارف به أمينا متصفا  بالنواميس الالهية، حاكما على عقله قاهرا لشهوات نفسه، أنفذ أغراض هواه وبلغ من عدوه مناه، ومتى كان عاقلا دله ذلك على أن الانتصار للنفس من الشهوات البهيمية،  والصبر والتفويض للمبدع الأول من الأخلاق الحكمية النبوية. حتى جاء أبقراط فبذله -أي الطب- للأغراب فحين خرج عن آل اسقلميوس توسع فيه الناس حتى تعاطاه أراذل العالم كجهلة اليهود فرذل بهم ولم يشـرفوا به… فقد نقل إلينا أن أبقراط عوتب في بذله الطب للأغراب فقال : رأيت حاجة الناس إليه  عامة والنظام متوقف عليه، وخشيت انقراض آل اسقلميوس ففعلت ما فعلت، ولعمري قد وقع لنا مثل هذا فإنني حين دخلت مصر ورأيت الفقيه الذي هو مرجع الأمور الدينية يمشي إلى أوضع يهودي للتطبب به فعزمت على أن أجعله كسائر العلوم يدرس ليستفيده المسلمون، فكان في ذلك وبالي ونكد نفسي وعدم راحتي، من سفهاء لازموني قليلا ثم تعاطوا التطبب فضروا الناس في أبدانهم وأموالهم وأنكروا الانتفاع بي وأفحشوا في أفاعيلي، أسأل الله مقابلتهم عليها، على أني لا أقول بأني وأبقراط سالمان من اللوم حيث لم نتبصر . فيجب على من أراد ذلك التبصر والإخـتـبـار والتجارب والامتحان، فإذا خلص له شخص بعد ذلك منحه لتخف الضرورة، وكذا وقـع في أحكام النجوم حتى قال الشافعي رضي الله عنه : علمان شريفان وضعما ضعة متعاطيهما : الطب والنجوم"[167]

إنه تحليل موضوعي ودقيق يتوافق على خلفياته وأبعاده كل من الفقيه الصوفي والطبيب المتفقه، لأن فكرهما ينهل من مصدر واحد وهو دين الاسلام الذي أراده الله لعباده عقيدة وشريعة وسلوكا.

كما أن هذه التحليلات تجمع بين الاستدلال النظري والاستقراء الميداني والملاحظة الخارجية، وبذلك جاءت معبرة عن وعي ناضج بالواقع الاجتماعي وأسباب الاختلال فيه، وضوابط اتزانه من خلال تحديد المنهج العلمي المتحكم في أنماط سلوكه.

إذ الطب يقتضي في كثير من الأحيان كشف العورات والشهادة لإثبات النسب أو الحمل حينما  يقع الاختلاف والتشكك بين الزوجين أو الزوجة والورثة... إلخ[168]، ولهذا  فإذا كان الطبيب غير عدل فقد لا يوثق بشهادته وبنتائج فحوصه، بل لا يؤمن من شر شهوته كما أشار إلى ذلك الأنطاكي في النص السابق وذلك لإمكان انحراف نيته وتعوده على عدم ضبط بصره أو غضه، وخاصة إذا كان كافرا ذميا وغيره، أو حتى إذا كان مسلما يميل إلى الفسق أو الجهل بأحكام الشرع ممن ليس أهلا لقبول شهادته، فكيف بقبول كشفه عن العورات بمشاهدته؟!!!

وبسبب هـذه المحاذيـر صاغ الأطباء المسلمون عهد أبقـراط الذي كان يأخذه على المتعاطي للطب من تلامذته بشرحه وفق المبادىء الاسلامية الضامنة لعدالة الطبيب كما يقول الأنطاكي : "وقال بعض شراح هذا العهد إنه قال فيه : ويجب اختيار الطبيب حسن الهيئة كامل الخلقة صحيح النية نظيـف الثياب طيب الرائحة يسر من نظر إليه وتقبل النفس على تناول الدواء من يديه، وأن يتقن بقلبه العلوم التي تتوقف الاصابة في العلاج عليها، وأن يكون متينا في دينه متمسكا بشريعتـه دائرا معها حيث دارت واقفا عند حدود الله تعالى ورسوله، نسبته إلى الناس بالسوا خلي القلب من الهوى، لايقبل الارتشاء ولا يفعل حيث يشاء ليؤمن معه الخطأ وتستريح إليه النفوس من العنا ..."[169]

ونعود إلى مراجعة الخلفيات التي سبرها الغزالي لتحديد الباعث إلى الاقبال المكثف على تعاطي الفتاوى والقضاء ، رغم وجود الكفاية فيها مع الخصاص في دراسة  الطب ومزاولته مـع ضرورته والحاجة إليه. فنتساءل بدورنا عن خلفيات إقبال كثير من الرجال في عصرنا على مزاولة طب النساء  والتوليد وما إلى ذلك كتخصص، رغم أن النفس عادة ما تنفر من الحديث عن تفاصيله  إبتداء، فكيف بممارسة  تطبيقاته وما تتطلبه من عمليات (قيصرية) وغيرها؟!

فهل يكون الباعث علميا محضا أم ماديا صرفا أم على سبيل القيام بفرض الكفاية كحكم فقهي؟ إن كل الفرضيات لا تخلو من فجوات تضعف قيمة هذا الباعث أو ذاك، فإذا كان الباعث علميا محضا حسب زعم المتخصصين في هذا المجال، فهناك من العلوم ما هو أولى  قد يهمله هؤلاء الأطباء ربما يكون طلبه بالنسبة إليهم فرض عين وأهم من طلب علم طب النساء بل ممارسته، إذ التعلم شيء  والممارسة توظيف عملي له، والخطر أو الحذر محدق بالممارسة لا بالعلم!.

أما إذا كان الباعث ماديا، فإنه وإن لم يصرح به غالبية المتخصصين في هذا المجال  يكون أقرب إلى الباعث الشهوي الجنسي وغاياته، لأن الذي يكون هدفه الأولي هو تقلد المناصب و جمع المال  يتبعـه بالضرورة التطلع إلى التنوع في الجمال، إذ كما يقول الغزالي : "والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات إذ يتبعهما  شهوة الفرج  وشدة الشبق إلى المنكوحات، ثم  تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة في الجاه والمال الذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات...[170]

فالمرأة كلها عورة وجمالها كله شهوة، كما أن حب المال شهوة، فالتقارب بين الباعث المالي والجنسي قائم للاشتراك في جنس الشهوة. ومن هنا فيكون الحذر شديدا إذا كان الباعث مجرد ربح مادي محض، وخاصة إذا كان الطبيب أيسر شيء لديه هو الكشف عن جسم النساء بمجرد أبسـط عرض أو شكوى من مرض.

وأما إذا كان الباعث سد الضرورة كفرض كفاية، فإن هذه الضرورة غير لازمة ما دامت الكفاية قائمة  بوجود النساء وقابليتهن للتعلم وممارسة التطبيب بينهن كأقرب مهنة إلى وعيهن ونفوسهن، بل عاطفتهن لادراكهن آلام بعضهن البعض واشتراكهن في مقاساة أعراض الولادة وأمراض الرحم وما إلى ذلك على سبيل التجربة والاختبار ، إذ الوضع السليم يقتضي أن تكون غالبية التخصص[171] في هذا المجال لـدى النساء ما دام المجتمع لا يخلو منهن ، بل إنهن أكثر عددا من الرجال في هذا العالم إن صح الإحصاء!.

والنقد موجه إلى النساء أيضا، وخاصة اللواتي فضلن الخروج إلى العمل خارج بيوتهن لضرورة أو لموقف شخصي ومذهبي (إيديولوجي) يطرح سؤال : وهو لماذا لا تهتم النساء المعاصرات من هذا الصنف بقضاياهن الخاصة بهن أكثر من اهتمامهن بالتطلعات السياسية والادارية والتجارية والفنية...إلخ ؟

أو لم يكن من باب الحفاظ على كرامتهن وأسرارهن والسعي في تكريس خصوصيتهن حفاظا عليها ومـن أولى أولوياتهن أن يكفين بعضهن البعض حرج التكشف للرجال من الأطباء والممرضين، بالتعاطي المكثف لمهنة طب النساء والتوليد والتفرغ لهذا العلم تخصصا وتفحصا حتى تتحقق لديهن المساواة التي ينشدنها صباح مساء في مثل هذه المجالات؟

إن الخلل يبدو واضحا في التوجهات العلمية وخلفياتها ابتداء، سواء لدى الرجال أو النساء، وهذا الخلل ناتج عن تناقض المناهج المستوردة من الغرب دون دراسة متكاملة أو تمحيص  وهي محملة بتصورات مادية ذات خلفيات عقدية فاسدة، مما يترتب عنها حتما فساد السلوك وبالتالي تعريض الأعراض إلى الخطر المحدق والأجساد إلى النظر المقلق ، دون احتياطات أو تحفظ تتكشف بسببه العورات ويتعود فيه على التبرج لغير ضرورة، تحت غطاء التطبيب والتمريض ومبرر العلاج والتداوي دون مراعاة أحكام الفقه الشرعية وسلامة الفتاوى.

وهذا الخلل في مناهج التطبيب وتعلمه ليس وليد العصر، وإنما قد عرف في أزمان ماضية وخاصة لدى بعض الأطباء المتأثرين بالمناهج اليونانية في علم الطبيعيات دون مراعاة لعلم الأخلاق والالهيات، بحيث أصبح الطبيب -كما هو عليه حال غالبية أطباء عصرنا إلا من رحم الله وقليل ما هم- لا يرى  في الانسان سوى مجموعة أمزجة وأخلاط أو خلايا بلغة العصر تموت بموت الجسد، مما ترتب لديه اعتقاد فاسد لقصر نظره وانحرافه صاغه أبو العلاء المعري في هذين البيتين:

                قال المنجم والطبيب كلاهما  ***  لا تبعث الأجساد قـلت إليكما

                إن صح قولكما فلست بنادم  ***  أو صح قـولي فالخسار عليكما[172]

وبهذا الفساد العقدي والسلوكي للطبيب، يكون بدوره مريضا لا ينضبط علاجه ولا يوثق بوظيفته حتى يكمل دراسة طبه بتقوى الله والعلم بحكم شرعه في مهنتـه،  وإلا كان وضعه كما يستشهد الصوفية كثيرا بهذا البيت:

                وغير تقي يأمر الناس بالتقى *** طبيب يداوي والطبيب مريض 

2/ تكريس التناقض والتجهيــل بالتبرج في التمثيل :

وربطا لموضوع التعليم وأثره كخلفية للتبرج بسبب غياب الوعي بحكم الشرع في مراحل توظيفه أضيف موضوعا آخر قريبا منه،  باعتباره طبا اجتماعيا لـدى المتعاطين له وهـو التعليم الفني الخاص بالتمثيل، والذي يتضمن المسرح والسينما والمسلسلات التلفزيونية.

وهذا النوع من الفن قد يعتبره أصحابه رسالة محايدة للمجتمع، تعالج مشاكله وتصور وقائعه وأحداثه وهمومه وأفراحه... إلخ مما يعني أنه ذو وظيفة ضرورية قد  تضاهي الطب الجسماني من حيث اعتبار تعاطيه فرض كفاية، لأنه طب اجتماعي ونفسي وفكري، بل له بعد حضاري وخاصة في عصرنا الحالي.

وحينما نلقي نظراتنا البسيطة على هذا الفن التمثيلي وأحوال الممثلين أثناء ممارساتهم له، نجد أن أغلبه بل إن شئنا قلنا كله مما هو معروض في دور السينما والتلفزات وأشرطة التسجيل الخاص (الفيديو) لا  يلتزم فيه الحياد ابتداء وانتهاء، كما أنه قد لا يمت إلى التمثيل بصلة إذا أردنا أن نعرفه تعريفا لغويا وفكريا  ذوقيا يتماشى مع الفن في أصالته وعراقته، سواء كان منثورا أو منظوما أو مرسوما مشخصا.

إذ التمثيل في علوم البلاغة لغة واصطلاحا كما يعرفه ابن قيم الجوزية : "هو التشبيه على سبيل  الكناية، وذلك أن تراد الإشارة إلى معنى فتوضع ألفاظ على معنى آخر، وتكون تلك الألفاظ وذلك الـمعنى  مثالا للمعنى الذي قصدت الاشارة إليه والعبارة عنه. كقولنا : "فلان نقي الثوب –أي منزه عن  العيوب- وللكلام بهذا فائـدة لا تكون لو قصد المعنى بلفظه الخاص به، وذلك لما يحصل للسامع من زيادة التصوير المدلول عليه، لأنه إذا صور في نفسه مثال ما خوطب به، كان ذلك أسرع إلى الرغبة فيه أو الرغبة عنه. فمن بديع التمثيل قوله تعالى :

 )أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا ( فإنه مثل الاغتياب بأكل الانسان لحم إنسان آخر مثله، ثـم لم يقتصر على ذلك حتىجعله لحم الأخ، ولم يقتصر على لحم الأخ حتىجعله ميتا، ثم جعل ما هو في الغاية  من الكراهة موصولا بالمحبة. فـهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مناسبة  مطابقة للمعنى الذي وردت لأجله..." [173]

ويعرف الخطيب القزويني التمثيل بما "وجهه وصف منتزع من متعدد أمرين أو أمور، وقيده السكاكي بكونه غير حقيقي ومثل بصور مثل لها غيره.

ومنها قوله تعالى : )مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون(.

فإن تشبيه حال المنافقين بحال الموصوف بصلة الموصول في الآية في أمر حقيقي منتزع من متعدد وهو الطمع في حصول المطلوب لمباشرة أسبابه القريبة مع تعقب الحرمان والخيبة لانقلاب الاسباب"[174].

أما الغزالي فيقول عن التمثيل في بعده الروحي الذوقي : "ولعلك تقول أشرت في بعض أقسام العلوم إلى أنه يوجد فيها الترياق الأكبر وفي بعضها المسك الأذفر و في بعضها الكبريت الأحمر إلى غير ذلك من النفائس، فهذه استعارات رسمية  تحتها رموز وإشارات خفية، فاعلم أن التكلف والترسم ممقوت عند ذوي الجد، فما كلمة طمس إلا وتحتها رموز وإشارات إلى معنى خفي يدركها من يدرك الموازنة والمناسبة بين عالم الملك وعالم الشهادة وبين عالم الغيب والملكوت، إذ ما من شيء في عالم الملك والشهادة إلا وهو مثال لأمر روحاني في عالم الملكوت كأنه هو في روحه ومعناه، وليس هو في صورته وقالبه. والمثال الجسماني من عالم الشهادة مندرج إلى المعنى الروحاني من  ذلك العالم، ولذلك كانت  الدنيا  منزلا من منازل الطريق إلى الله ضروريا في حق الانس، إذ كما يستحيل الوصول إلى اللب إلا من طريق القشر فيستحيل الترقي إلى عالم الأرواح إلا بمثال عالـم الأجسام، ولا تعرف هذه الموازنة إلا بمثال ..."[175].

فالتمثيل حسب هذه التعاريف اللغوية وأبعادها الروحية هو كناية عن  شيء ما بغير مصطلحه الحقيقي أو الواقعي، ووصف لظاهرة بمعنى غير مظهرها سواء كانت هذه الظاهرة محسوسة أو غير محسوسة، إذ الكناية يمكن أن تكون بمحسوس عن محسوس وبمحسوس عن تجريدي، وذلك على سبيل المقابلة  العمودية أو الأفقية بحسب الحال  والمناسبة التي تقتضي توظيفها.

فـالتمثيل بالمحسوس عن المحسوس يتطلب زيادة الممثل له معنى أكثر مما يقتضيه لو شخص كما هو، وإلا سيصبح عبارة عن تفسير الماء بالماء والعين بالعين وهذا لا يفيد بلاغة ولا فـنا، وبالتالي لا يحتاج إلى مناسبة أو موازنة والتي هي الذوق بمعناه الفني والصوفي خصوصا، وهو ما لوحظ من تكرار لفظة المناسبـة في تعريف التمثيل عند البلاغيين وعند الصوفية بصورة مكثفة.

أما التمثيل بالمحسوس على المجرد أو المعنوي، فهو في الحقيقة لا يزيد المجرد معنى آخر أكثر مما هو عليه وإنما يقرب إلى فهم ووعي السامع الذي ألف المحسوسات ولم يستطع فهم المعاني إلا على أساس المباني. إذ كما يقول الغزالي في  كتاب عجائب القلب من الاحياء : "فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثلة ما يقرب من الأفهام، فإن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلية في جملة عالم الملكوت مما يكل عن دركه أكثر الأفهام"[176].

وهناك  نقطة أخرى يمكن إدراجها ضمن فوائد التمثيل بالمحسوس عن المعنى، وهو أن التمثيل له دور في إضفاء القيمة المعرفية على المحسوس بعدما كان مجرد جماد أو حيوان مهمش يوظف للسخرة الحسية المحضة، إذ منه ما يوظف على سبيل المدح إن كان الأمر يتعلق بالمعاني العلوية، أو على سبيل الذم إن كان الأمر يرتبط بالسلوك الباطني المريض للإنسان، والذي هو أيضا معنى ولكن في درجة سفلى يمثل لها بسلوك حيوان ما أو  حشرة وما إلى ذلك كما هو الغالب على الأمثلة الصوفية في تحديد المحمود من المذموم من سلوك الإنسان.

وربطا للتمثيل اللغوي والذوقي الصوفي بالتمثيل السينمائي أو المسرحي والتلفزي، فإننا سنجد هذه القواعد الفنية لا توظف بصورتها السليمة والعلمية وإن كانت تسمى زعما كذلك، لأن الفن يقتضي الذوق وهـو يكون عند التمثيل بإدراك الموازنة بين الممثل له والممثل به وبين أداة التمثيل في الكناية والدلالة على معنى التمثيل. فالملاحظ على غالبية الممثلين والممثلات في أدوارهم أنهم لا يكنون بمحسوس عن  محسوس ولا بمعنى عن ملموس، وإنما يوظفون المحسوس إما في صورته الخارجية كما هو، أو أنهم يضيفون للمحسوس في شدة ظهوره محسوسا أشد من جنسه، وهذا العمل يعتبر من توضيح الواضحات التي  لا تزيدها إلا   فاضحات. فعوض أن يقوم التمثيل بوظيفته الطبية والتربوية لإظهار جمال الجميل من السلوك والكناية عن قبح القبيح وإخفاء شكله مبالغة كدقة وبعد فني، فإن العكس هو الحاصل في أغلب الأحيان وذلك بإخفاء  الجميل المعنوي لإظهار المحسوس الشهوي، وعوض الكناية عن القبيح على سبيل التنفير منه معنى كمنهج تربوي ينقل في أسوأ صورة كعصارة للفساد والأمراض، كما تنقل الذباب الجراثيم من المزا بل التي لا يمر بها الناس إلا لماما وعن غفلة إلى أماكن التجمعات والمنتديات.  

ومن هنا فقد لا  نجد في أغلب المسلسلات ـ أو قل كلها ـ سوى تشخيص لصور خارجية ولكن بصورة مشوهة ومتكلفة لا تفي بنقلها على الأقل طبق أصلها أدوار ممثليها. وقد يتجلى هذا التشويه خصوصا في المسلسلات والأفلام التي تروي أحداثا تاريخية وخاصة ما يتعلق بتاريخ المسلمين، الذي هو أطهر وأنظف تاريخ الانسانية جمعاء عند المقارنة.

فقد يقع الممثل والمخرج عند تصوير هذا التاريخ في  تناقض صارخ بين مقتضيات التمثيل البلاغية والروحية وبين خلفيات الاخراج ودوافعه المادية والتجارية، بل المذهبية المخالـفة سلوكيا أو حتى عقديا لما ينبغي تشخيصه بحسب عنوان الفيلم أو المسلسل. إذ الغالب على المشاهد التمثيلية هو الميل نحو التبرج في عرض النساء المشخصات كمسلمات، وافـتعال التغزل بهن على سبيل وصف ظاهرة أو جانب ماجن من التاريخ الذي ساد فيه المسلمون، فينقلون هذا المجون من صورته اللغوية إن صح في كتب التاريخ إلى تشخيص عملي لا يسمو إلى درجة التمثيل أو التشبيه بالكناية، وإنما ينحدر إلى التوغل في ممارسة الفاحشة والرذيلة على مرآى ومسمع من ملايين المشاهدين لأجهزة التلفاز وغيرها ، كإساءة للتاريخ وإساءة للمتفرج بالتبرج المغنج، وكإساءة للتمثيل من حيث هو فن يكني بالمحسوس عن المحسوس لستر ظهوره إن كان ظاهرا أو لاظهاره إن كان مستورا، أو بالمحسوس عن المجرد لتقريب المعنى وتهذيب ذوق المتفرج وتحريك فكره للموازنة وإدراك المناسبة بين الممثل به والممثل له.

وهذا الذي وقع فيه الممثلون وأصحاب الفن المزعوم في عصرنا هو غلط فني وجهل بدوره في تهذيب الذوق الانساني، كما أن هذا الغلط ناتج إما عن جهل بالحكم الشرعي في موضوع التمثيل والكنايات، وخاصة حينما يتعلق الأمر بوصف المحاسن الجسدية والعمل الجنسي والتغزل بين أجنبي وأجنبية.

 ومن هنا يكون الممثل أو المخرج قد وقع في جهل مركب بإدراجـه للقطـات الـمرأة الملامسة للرجل الأجنبي أو المتغزلة به والمصرحة بذلك مع تكشفها، ممـا أصبح كأخطـر خلفيات التبرج لـدى  كثير من النساء الممثلات والمقلدات لهن من المتـفرجات.

كما قد يكون إدراج هذه اللقطات ناتجا عن مخالفة صريحة لحكم الشرع في موضوع الحجاب والتبرج إما تأثرا بآراء غربية  فاسدة، أو انسياقا نحو أطماع مادية لإرضاء الجمهور المتعطش إلى اقتناص الشهوات كما هي عليه المناهج الغربية في التربية والتعليم والتطبيب والتمريض التي رأينا اختلالاتها.

وقد تكون هذه المخالفة تحت وهم الضرورة الفنية فتكسر القاعدة كما هو الشأن في الضرورة الشعرية، أو أن الجمهور ينبغي له أن  يطلع على هذه الأحداث كما هي عليه كأمانة علمية وفنية مزعومة، وإذاعته كمخالفة صريحة لأحكام الشريعة الاسلامية، إذ أن كل مخالفة لها  يعتبر جهلا علميا.

وهنا نقول كما قال الغزالي في الطب سابقا : فمهما أضيف الفقه إلى الفن ظهر شرفه .

 

الناس في جهة التمثيل أكفاء  ***  أبـوهـم آدم والأم حــواء

فإن يكن لهم من أصلهم نسب  ***  يفاخرون به فالطين والمـاء

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم   *** على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقدر كل امرىء ما كان يحسنه***  والجاهلون لأهل العلم أعداء[177]


 

المبحث الثاني : الغريزة والعادة بين مركب الجهل والتجاهل

أولا : الجهل بالغريزة ونتائج إثارة الشهوة :

يقول الله تعالى : )زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب([178].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "حجبت النار  بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره"[179].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة"[180].

                1/ الغريزة ومقتضيات الشهوة والإثارة :

إن مصطلح الغريزة قد وظف على معاني متقاربة لدى المفكرين المسلمين وخاصة الصوفية، وهي تكاد تطابق معنى الفطرة على سبيل الترادف كما نجده مثلا في تعبير الغزالي : "وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي  وديدني من أول أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي لا باختياري وحيلتي، حتى انحلت عني رابطة التقليد وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة الصبا"[181].

وقد وظف المصطلح كمرادف للعقل من خلال تعريف المحاسبي الذي يصفه بأنه "غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم لنظرية".[182]

أما السهروردي فإنه يرادف الغريزة بالحال النفسي والسلوكي للإنسان، والذي من خلاله يمكن وصفها بالمحمودة أو المذمومة. فيقول في وصف الصوفي : "فما حمل الصوفي على الإيثار إلا طهارة نفسه وشرف غريزته، وما جعله الله تعالى صوفيا إلا بعد أن سوى غريزته لذلك، وكل من كانت غريزته السخاء، والسخي يوشك أن يكون صوفيا"[183].

وحينما نستدعي التعريف اللغوي العام لكلمة غريزة نجده من: غرز يغرز غرزا، وغرز الابرة في الشيء أدخلها فيه وعودا في الأرض أدخله وأثبته، والغرز جمعه غروز أي العود المغروز بالأرض، والغريزة جمعها غرائز أي الطبيعة والقريحة.

ونظرا لما تحمله كلمة غريزة من معاني الثبات والرسوخ والتجدر، فقد استعير المصطلح بنقله إلى تحديد بعض أحوال وحركات الانسان أو حتى الحيوان في سلوكه الظاهري.

بيد أن غالب التعريفات المعاصرة تنحو إلى الإعتبار الحيواني في وصف الغريزة كمقياس للسلوك الإنساني.

ومـن هذه التعريفات الحديثة نجد بعض الأوروبيين كلويـد مورغان في كتـاب سلوك الحيوان يقول : "الغريزة سلوك فطري يشتمل على الأفعال المعقدة التي تحدث من غير خبرة سابقة، وهي تهدف إلى ما فيه مصلحة الفرد وبقاء جنسه، لا بل هي ناشئة عن تفاعل مؤثرات خارجية وداخلية مشتركة بين أفراد النوع جميعا، قابلة للتغيـر والتبدل بتأثر الخبرة والتجربة".

أما بيرون فيعرفها بأنها : "نزعة فطرية مشتملة على أفعال نوعية تبلغ درجة  الكمال منذ بدايتها دون خبرة سابقة، وهي تابعة  لبعض الشرائط الخارجية المعلقة  بها تعلقا نسبيا، إلا أنها مع ذلك كثيرة الصلابة في خطوطها العامة، هذا إذا لم نقل في جميع نواحيها الجزئية، وهذه الصلابة تحول بينها وبين مؤالفة الشروط الجديدة"[184].

وهذان التعريفان يتقاربان نسبيا مع ما تتـمظهر به الغريزة وخاصة في صورتها الحسية أو طابعها الحركي والشهوي، أما في معناها التجريدي كما عبر عنها الغزالي والمحاسبي وكذاالسهروردي فهذا مما يصعب إدراجه بجانب هذين التعريفين وغيرهما من آراء الغربيين في الموضوع على سبيل المقارنة المتطابقة، إذ أن غالبيتهم لا يفهمون معنى التجريد وشرف الغريزة  بحكم انغماسهم في المادة بكليتهم فكرا وسلوكا، ووصفهم كل حركة بأنها انعكاس شرطي أو عادة آلية مرتبطة بالدماغ، أو أنها ذات خلفية جنسية وشهوية جسدية محضة كما هي عليه مذاهب المدرسة السلوكية والتحليلية في علم النفس الحديث والتي أصبحت تمثل مرتكزات التفكير الأوروبي خاصة في هذا العصر.

ورغم هذه الخلفيات المادية لهذه التحليلات والتعريفات الأوروبية فقد نوظف بعض عناصرها لابراز أوجه التناقض بينها وبين الممارسة والمناداة بالتبرج في مجتمعاتهم، مما يعني حتما وقوعهم في الجهل بالغريزة ونتائج إثارتها.

فالعمل الفطري للغريزة وبدون خبرة مسبقة، والتفاعل مع المؤثرات الخارجية والداخلية، كلها عناصر ينبغي أن يركز عليها نظرا للإستفادة منها في إ براز جاهلية التبرج وآثاره السلبية، فـنجد مثلا بول شوشار يقول عن الغريزة الجنسية وأثرها على الحرية  والارادة : "فالغرائز  الجنسية التي تتملك بسهولة على إرادتنا تخضع لهرمونات تفرزها الغدد التناسلية على مراكز قاعدة الدماغ  العصبية ...!"[185].

"... يستطيع الانسان الطبيعي أن يقاوم ما دام  التشويش لا يتعدى حد المعقول، بل إن عليه أن يقاوم وعلينا أن لا نتساهل مع أنفسنا وأن لا ننقاد إلى إرضاء غرائزنا الحيوانية بحجة أننا لا نقوى على مقاومتها. ولا شك في أن ثمة حاجات ملحة علينا أن نخضع لها دائما شرط أن نهذبها، ومن هذه الحاجات : النوع، الجوع، وغيرهما.وفي جميع الحالات الأخرى ولا سيما فيما يتعلق بالغريزة  الجنسية التي ليست  تلبيتها ضرورية، علينا أن نتوصل إلى السيطرة عليها وأن نعمل كل ما في وسعنا لنشعر بأننا بشر وبأن حريتنا في متناول يدنا. وإذا كان هذا الجهد فوق طاقتنا وسقطنا، علينا أن نتابع النضال وألا نعترف بهزيمتنا، لأن الذي يقبل الهزيمة يتدنى إلى مصاف الحيوان أو المجنون، لأنه يتخلى عن حريته  ومما لا ريب فيه أن تقدير مدى مسؤولية الانسان من الصعوبة بمكان، فالأفراد يختلفون اختلافا كبيرا في قوة غرائزهم وإمكانات الكف في أدمغتهم".[186]

فأين إذن هو حد المعقول كما افترضه بول شوشار لمقاومة إثارة الغريزة الجنسية حينما يصبح التبرج والاختلاط المواكب له بالضرب على أوتار الشهوة بشتى الوسائل والاغراءات الفكرية والفنية وعبر وسائل الاعلام في الشارع والشاطئ داخلا في إطار العادة والعرف ومقتضيات العصر حسب زعم المروجين له ؟.

أو لم تصل دراسة بافلوف إلى نتيجة في الترويض والعادة مفادها "إذا عودت كلبا رنة ناقوس بينما أقدم له طعاما ينتهي بأن يسيل لعابه عند سماع الرنة وحدها  التي لم يكن لها أي أثر من ذي قبل، وهكذا يكون قد نشأ ارتكاس جديد هو "الارتكاس الـمشروط" وعندما يعمل الارتكاس تنشأ في الدماغ بؤرة ذات تهيج عال توجه نحوها جميع الرسائل، بينما تنكف مناطق القشرة الأخرى وبالامكان أيضا كف ردات فعل يحدثها الالم،فالكلب الذي يعود على تناول طعامه بينما يعرض لألم ما ينتهي بأن يبدي علامات ارتياح لهذا الألم"[187]

وعند فرض أن هذه النتيجة يمكن تطبيقها على الانسان حسب  ما يدعيه أصحاب المدرسة السلوكية أو حتى التحليلية، فإن التبرج وارتباطه بالاثارة الجنسية قد يتسبب في الارتكاس المشروط، لأن تعود رؤية العري قد يحدث كفا لسلوك الانسان عن كل الانشغالات الأخرى غير الانشغال بالجنس وتهيجاته، مما يؤدي كحتمية إما إلى الاحتراق أو الاختراق ، وإذا تمادى التأثر في توسعه قد يؤدي إلى فقد استيعابه شعوريا وتركيزيا، مما يعني البرودة الجنسية أو الشذوذ كما سـيتبين عند استخلاص سلبيات التبرج وتوابعه، وقد يبرز تناقض خطير بين ادعاء الانعكاس بالعادة والضبط عند رؤية المعتاد، إذ الانعكاس المشروط المتولد عن العادة من بين مهامه أنه "يبين لنا كيف يصبح أحد المنبهات إشارة دالة على الآخر، وكيف يمكن إبداله منه"[188].

 

2/ الكف الباطني وضبط الشهوة بالتزام شروط الحجاب :

وهذه الاستنتاجات النفسية الحديثة بغض النظر عن تناقضاتها الاجرائية والسلوكية تذكرنا بالقاعدة الصوفية عند المحاسبي وغيره والتي  ملخصها "الشيء يغلب الـشيء والشيء يشغل عن الشيء، والشيء ينسي الشيء، والشيء يهيج الشيء والشيء يزيد الشيء"[189].

كما أن موضوع الكف الناتج عن الانعكاس المشروط قد نجد له معنى قريبا عند الغزالي ولكن على مستوى عال وخاص بالموضوع العقدي الضابط الرئيسي للسلوك عند المسلمين، حيث يقول في كتابه: "إلجام العوام عن علم الكلام ": "الوظيفة السادسة في الكف بعد الامساك وأعني بالكف كف الباطن عن التفكير في هذه الأمور فذلك واجب عليه -أي العامي- كما وجب عليه إمساك اللسان عن السؤال والتصرف، وهذا أثقل الوظائف وأشدها وهو واجب كما وجب على العاجز الزمن أن لا يخوض غمرة البحار،  وإن كان يتقاضاه طبعه أن يغوص في البحار ويخرج دررها وجواهرها ..."[190]

والكف هنا ـ كما يقصده الغزالي ـ ذو خاصية إرادية وله متعلق بالادراك والفكر أكثر منه بالغريزة الشهوية وغيرها، وهو هنا على عكس الكف وحالاته التي يزعم فرويد بأنها "عبارة عن حد وإضعاف لوظائف الأنا وهي تنشأ إما لغرض الوقاية وإما بسبب ضعف الطاقة"[191].

إذ الأنا في الكف الذي يقترحه الغزالي هو أصلا وظائفه ضعيفة، لأنه لم يستطع أن يخوض غمار البحث العقدي الدقيق والعميق، ومن ثم فلوقايته من التردي وتحمل مالا طاقة له  به يتم صرفه إلى ما هو أدنى مستوى وتقوية وظيفته وطاقته في الحقول المناسبة لتحمله، حتى يتسنى له فيما بعد تدريجيا الارتقاء إلى الوظيفة الأعلى وهي ممارسة البحث العقدي والتحقيق فيه.

فصحة الأنا ليست في تهوره وتحميله ما لا طاقة له به، وسلطته رهينة بمستويات تعرضه للمؤثرات الخارجية وبمستويات ثباته على مواقف ومبادئ داخلية مجردة تحدد استقراره وإشرافه على الشعور وخلفياته غير الشعورية بوثيرة منتظمة ومتوازنة، وهذا ما لم يعره اهتماما دعاة التبرج والمنظرون له في المجال النفسي  مما جعل مزاعمهم أغلبها عرضة للتناقضات والاضطرابات، لحد الاعتراف بصعوبة التوفيق بينها كما نجد صورا منها لدى فرويد حينما قال : "وكما يشرف الأنا على توجيه النـشاط إلى العالم الخارجي، فكذلك يشرف أيضا على ظهور النشاط في الشعور، ويقوم الأنا أثناء الكبت باستخدام سلطته في هذين الإتجاهين فهو يباشر سلطته على النحو الأول بالنسبة إلى الدافع الغريزي نفسه، ويباشر سلطته على النحو الثاني إلى الممثل النفسي لهذا الدافع. ولعله من المناسب في هذه النقطة أن نتساءل: كيف يمكن أن أوفق بين هذا الاعتراف بسطوة الأنا وبين وصفي له الذي ذكرته في كتابي "الأنا والهو". فلقد ذكرت في ذلك الكتاب أن الأنا يعتمد على الهو وعلى الأنا الأعلى وبـينت ضعفه بالنسبة إليهما وخوفه منهما، وأشرت إلى المجهود الكبير الذي يبذله لكي يبقى على تفوقه عليهما"[192].

إن دوران الأنا والهو حول بعضهما حسب توهم فرويد قد يأخذ طابع دوران حمار  الرحى، فلا هو مستقل عن الرحى ولا الرحى مريحة له من عنائها  طالما حركته كلها مرتبطة بها، فلا يناله  بعد الدوران وتراكماته سوى الاعياء والغثيان حتى إذا حاول التوقف عن الدوران بعد تعوده وخضوعه له، وجد سوط المراقبة والتسخير الشعوري وغير الشعوري مجبرا له على الحركة في هذا الاتجاه إلى أن يستنفذ قواه وتغيب الشمس عليه دون أن يشعر بمرور يومه، أو يحتال في إراحة نفسه لأن عادة الدوران محكمة في سلوكه.

وفي مثال تقريبي لهذا المعنى يحكى أن مروان بن الحكم أحد الخلفاء الأمويين مر ببستاني نائم بعد أن علق جرسـا على عنق حمار وتركه يدور بالرحى، فقال له الخليفة متسائلا: كيف تترك الحمار يدور بالرحى وأنت نائم لا تبالي ؟ فقال له: إني  قد علقت على عنقه جرسا ينبهني إذا توقف عن الدوران، فقـال له الخليفة: أما تخشى أن الحمار ربما يقف ويحرك رأسه يمنة وشمالا لإيهامك بأنه يدور بالرحى؟ فقال له البستاني بداهة: ومن أين لحماري عقل مثل عقل أمير المؤمنين؟.

ومثال الحمار كنموذج حيواني للدلالة على الاثارة والاستجابة المفضوحة وغير المضبوطة للباعث الشهوي قد يستعمله الصوفية بكثرة في تهذيب سلوك المريد، حتى إن بعض الشيوخ قال لأحد مريديه بسبب ما لاحظ عليه من ميل شهوي دون ضبط ولو على مستوى شهوة الطعام: "من غلبته شهوته فهو حمار" وذلك على سبيل الزجر والتنبيه عن خطورة تكرار الاستجابة دون ضبطها في إطارها المحمود.

كما نجد مثال الرحى والحمار حاضرا في الاستعارات الصوفية للتنبيه على أن الدوران حول الغاية الشهوية أو المادية بصفة عامة لا يؤدي إلى تطور أو ارتقاء يليق بالعنصر الانساني كيفما كان شكل أو حال هذا الدوران، طالما أن الانسان ينحصر همه في الاثارة والاشباع الغريزي الحسي خاصة، وفي هذا المعنى يقول ابن عطاء الله السكندري: "لا ترحل من كون إلى كون فـتكون كحمار الرحاء يسير والمكان الذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون )وأن إلى ربك المنتهى(."

ومن هنا فيكون الجهل بالغريزة وطبيعتها الدورية وتأثيرات إثارتها على السلوك الانساني من  بين أهم الخلفيات وراء التبرج لدى غالبية النساء أو الـتساهل  فيه والتهاون في تعقب نتائجه لدى كثير من الرجال.

فالعلم بالغرائز معناه ضبطها، و هـذا لا يمكن إلا بمعرفة خصائصها ومراحل وجودها عند الانسان، وارتباط كمالها بشرطها ومثيرها من حيث هو محمود أو مذموم، وهو ما يدخل في اختيار الانسان وقدرته على تهذيبها بالتزام القواعد التربوية الاسلامية منذ الصبا كما يقول الغزالي: "وبالجملة كل ما هو حاصل كامل وقع الفراغ من وجوده وكماله وإلى ما وجد وجودا ناقصا وجعل فيه قوة لـقبول الكمال بعد أن وجد شرطه، وشـرطه قد يرتبط باختيار العبد، فإن النواة ليست بتفاح ولا نخل إلا أنها خلقت خلقة يمكن أن تصير نخلة إذا انضاف التربية إليها، ولا  تصير تفاحا أصلا ولا بالتربية. فإذا صارت النواة متأثرة بالاختيار حتى تقبل بعض الأحوال دون بعض فكذلك الغضب والشهوة لو أردنا قمعهما وقهرهما بالكلية حتى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه، وقد أمرنا بذلك وصار ذلك سبب نجاتنا ووصولنا إلى الله تعالى. نعـم!  الجبـلات مختلفة، بعضها سريعة القبول وبعضها بطيـئة القبول ولاختلافهما سببان: أحدهما قوة الغريزة في أصل الجبلة وامتداد مدة الوجود، فإن قوة الشهوة والغضب والتكبر موجودة في الانسان ولكن أصعبها أمرا وأعصاها على الـتغيير قوة الشهوة، فإنها أقدم  وجودا..."[193]

والرجل على هذا القياس الغريزي أقدم من المرأة، وشهوته أقدم وأشد استثارة من شهوة المرأة، إن لم تكن في القوة ففي السرعة، لارتباط الحركة بالزمان حسب القواعد الفيزيائية. وهذا ما سنحلله من خلال العنوان التالي بالتمييز بين الواقع الشهوي عند الرجل وعند المرأة.

                ثانيا : الجهل بطبيعة الرجل وانفعالاته :

                1/ البعد التوحيدي للتمايز العضوي والوظيفي بين الجنسين :

يقول الله تعالى في سياق التمييز بين الجنسين )وليس الذكر كالأنثى(.

إن هذه الآية تحدد خصوصية الرجل وتميزه عن المرأة سواء على مستوى الظواهر النفسية أو الجسدية العضوية وكذلك على مستوى الوظائف الاجتماعية في كثير من مرافقها.           

ولئن كانت النفس التي خلق الله منها سائر الناس هي نفس واحدة إلا أنها عند تزاوجها بالضرورة لتكثير نوعها اعتبر تمايزها، إذ الوحدة المطلقة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى لأنه وحده لا يقبل الند والتجزؤ  ولا الوالدية والمولودية.

وفي هذا المعنى يقول أبو حامد الغزالي في البرهنة على وحدانية الله تعالى: "وأما قولنا فلا ند له فـنـعني به أن ما سواه هو خالقه لا غير، وبرهانه أنه لو قدر له شريك لكان مثله في كل الوجوه أو أرفع منه أو كان دونه، وكل ذلك محال فالمفضي إليه محال، ووجه استحالة كونه مثله من كل وجه أن كل إثنين هما متغايران، فإن لم يكن تغاير لم تكن الاثنينية معقولة، فإنا لا نعقل سوادين إلا في محلين أو في محال واحد في وقتين فيكون أحدهما مفارقا للآخر ومباينا له ومغايرا إما في المحل وإما في الوقت، والشيئان تارة يتغايران بتغاير الحد والحقيقة كتغاير الحركة واللون، فإنهما وإن اجتمعا  في محل واحد في وقت واحد فهما إثنان، إذ أحدهما مغاير للآخر بحقيقته، فإن استوى إثنان في الحقيقة والحد كالسوادين فيكون الفرق بينهما إما في المحل أو في الزمان، فإن فرض سوادان مثلا في جوهر واحد في حالة واحدة كان محالا إذ لم تعرف الاثنينية، ولو جاز أن يقال هما إثنان ولا مغايرة لجاز أن يشار إلى إنسان واحد ويقال إنه إنسانان بل عشرة وكلها متساوية متماثلة في الصفة والمكان وجميع العوارض واللوازم من غير فرقان وذلك محال بالضرورة،  فإن كان ند الله سبحانه مساويا له في الحقيقة والصفات استحال وجوده، إذ ليس مغايره بالمكان والزمان إذ لا مكان ولا زمان فإنهما قديمان  فإذا لا فرقان، وإذا ارتفع منه كل فرق ارتفع العدد بالضرورة ولزمت الوحدة..."[194]

فإذا كانت الوحدانية في حق الله تعالى هي وحدة مطلقة تشمل الذات والصفات والأفعال ولا تقبل الند أو الازدواجية والتزاوج على أي وجه لأنه ) ليس كمثله شيء (،  فإن الوحدانية الخاصة بالانسان وكذا سائر الكائنات الممكنة الوجود على العكس من ذلك ، تخضع للانقسام والتزاوج والتمايز وهذا بالضرورة يؤدي إلى التغير عند حصول هذه الأعراض فيها وذلك على مستويات شكلية مع الاحتفاظ بالتناسب القابل لتحقيق الوحدة الأصلية التي خلق الله عليها الانسان وباقي الكائنات.

فآدم وحواء يمثلان نفسا واحدة في الأصل وهو ما عليه جمهور المسلمين من خلال الآيات الدالة على ذلك وكذا الأحاديث النبوية التي تنص على أن الله خلق حواء من ضلع آدم الأيسر.

وهذه العملية كما يحكيه الماوردي تمت "بعد أن ألقى عليه النوم حتى لم يجد لها مسا قال ابن عباس: فلذلك تواصلا، ولذلك سميت امرأة لأنها خلقت من المرء. وفي تسميتها حواء قولان: أحدهما: لأنها خلقت من حي، والثاني: لأنها أم كل حي. فقال آدم لما خلقت منه حواء: هذا الشخص عظمه من عظمي ولحمه من لحمي. فـلذلك صار الرجل والمرأة كجسد واحد من شدة الميل وفضل الحنو. قال الله تعالى: ) يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ( يعنى آدم  )وخلق منها زوجها( يعني حواء، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خلق الرجل من التراب وخلقت المرأة من الرجل فهمها في الرجل"[195].

وكمسلك في الإعتماد على وحدة الوجود الانساني للاستدلال والبرهنة على وحدة الوجود الالهي ولما تمثله الحكمة في وجود الرجل والمرأة من بعد توحيدي عقدي يقول ابن عربي: "ولما كانت حواء عين آدم لأنها عين ضلعه فما كان إلا أب واحد في صورتين مختلفتين كما هو التجلي، فعين حواء عين آدم، انفصال اليمين عن الشمال، وهو عين زيد، كذلك انفصال حواء عن آدم فهي عين آدم فما ثم إلا أب واحد فما صدرنا إلا عن واحد كما أن العالم كله ما صدر إلا عن إله واحد، فالعين واحدة كثيرة نسب، إن لم يكن الأمر كذلك وإلا فما كان يظهر لنا وجـود ولا لنا وجود عين ولا لنا إيجاد حكم..."[196]

فالاجماع قائم على أن أصل الوجود الانساني واحد وأنه عرف انقساما لدخوله في حكم الممكن الوجود وعالم الخلق، وهذا الانقسام لم يكن انقسام توازي، بمعنى أنه تم على صورة انشطار خلوي متساوي الأضلاع والمقومات والبنية في كل أوجهه وإلا فإنه سيكون انقساما غير مميز، بمعنى أنه انقسام نصف رجل عن نصف رجل وهذا لا يعطي شخصين متغايرين علـى وجه ما يستحيل معه إصدار حكم على أحدهما دون الآخر على سبيل التمييز، الشيء الذي لا تتحدد معه شخصية الرجل عن شخصية المرأة، بل لو حصل الانشطار على سبيل التساوي الكلي لما كانت حواء أصلا. وهذا الموضوع يصلنا بالبرهان الذي أورده الغزالي على وحدانية الله تعالى والذي يؤكد أن التمايز بين المخلوقات دليل وبرهان على هذه  الوحدانية، إذ التمايز بين كائنين دليل برهاني على وجود نقص ما بين المتمايزين مما يحتاج معه إلى المكمل هو الكامل على الاطلاق وليس هو إلا الله الواحد القهار الذي )أعطى كل شيء خلقه ثم هدى(.

إن دراستنا لهذا الموضوع الخاص بوحدة التكوين الانساني مع اعتبار التمايز في نفس الوقت عند حدوث الانشطار والتناسل كنا نريد أن نصل في خلاله إلى تبيين خلفية الجهل بطبيعة الرجل عند غالبية النساء المتبرجات، نظرا لأنهن يجهلن هذه الحقائق التكوينية على مستوى النص الديني وعلى مستوى الشعور الذاتي عند الرجل بشدة الميل إلى النساء، والذي حدده النص أيضا وسيفسره الصوفية بالعمق الذي عهدنا رؤيته في شتى المجالات التي تعرضوا لها بالذوق والتحليل.

فقد اعتمد الصوفية ومن بينهم ابن عربي الحاتمي في تحديد سر هذا الميل المعبر عن الوحدة والتمايز بين الجنسين في آن واحد على الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : "حبب إلي من دنياكم ثلاث... النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة "، وقال صلى الله عليه وسلم : "إن ربكم واحد وإن أباكم واحد فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، ثم تلا: ) إن أكرمكم عند الله أتقاكم(.

ويذهب ابن عربي في تفسير الحديث الأول معللا أسباب الميل وشروطه إلى أنه "لما كانت المناسبات تقتضي ميل المناسب إلى المناسب كان الذي حبب عين المناسب، والمناسبة قد تكون ذاتية وعرضية. ولما كان النساء محل التكوين وكان الانسان بالصورة يقتضي أن يكون فعالا ولابد له من محل يفعل فيه ويريد لكماله أن لا يصدر عنه إلا الكمال كما كان في الأصل الذي أعطى كل شيء خلقه وهو كمال ذلك الشيء، ولا أكمل من وجود الانسان ولا يكون ذلك إلا في النساء اللاتي جعلهن الله محلا. والمرأة جزء من الرجل بالانفعال الذي انفعلت عنه فحبب إلى الكامل النساء، ولما كانت المرأة كما ذكرت عين ضلع الرجل فما كان محل تكوين ما كون فيها إلا نفسه، فما ظهر عنه مثله إلا عينه ونفسه. فانظر ما أعجب هذا  الأمر فمن حصل له مثل هذا العلم فقد ورث النبي عليه الصلاة والسلام في هذا التحبب بهذا الوجه".[197]

ولئن كان هذا الميل قد يبدو متكافئا بين الرجل والمرأة بحكم الوحدة الأصلية والتفرع  العضوي الذي نتج عنها مما أفرز عنصرين مختلفين شكلا عبر عنهما ابن عربي بالفعل والانفعال فإن شدته تبقى أكثر حضورا في تكوين الرجل من المرأة، رغم أن حب النساء في هذا الأمر كما يقول ابن حزم الظاهري: "أثبت من حب الرجال لضعفهن وسرعة إجابة طبائعهن إلى هذا الشأن وتمكنه منهن"[198] بل يذهب إلى القول أيضا بأنه قد "غلط من رأى أن الوفـاء في قمع الشهوات في الرجال دون النساء بل الرجال والنساء في الجنوح إلى هذين الشيئين سواء..." [199]

وهذه الآراء حول طبيعة الميل الجنسي ومستوياته كما يراها ابن حزم قد لا تمثل معارضة لما عبر عنه ابن عربي من غلبة التحبب لدى الرجال واعتباره ممثلا لجانب الفعل بينما المرأة لها جانب الانفعال، إذ أن سرعة إجابة طبائع المرأة إلى الحب واهتمامها القوي بالرجل لا يعني سرعة إثارة الجانب الشهوي  لديها أكثر من الرجل، وإنما يكون الانجذاب بحسب مستوى التقارب وطول مدته والظروف الميسرة له على رأسها: الخلوة والتبرج.

كما أن الوفاء في قمع الشهوات وتكافؤ الرجال والنساء في ذلك لا يكون إلا بعد الإثارة وتمكن المثير من نفس المثار، وعند هذه النقطة يختلف الرجال عن النساء ويظهر عنصر الفعل والانفعال  من حيث سرعة الاثارة أو بطؤها لدى الرجل والمرأة.

فالمرأة كما عبر عنها ابن عربي "جزء من الرجل بالانفعال الذي  انفعلت عنه"، وهذا الجزء في بدايته الظاهرية عضوي، ولهذا فقوة استثارته تكون بالجزء المناسب للتجاذب وتحصيل المودة والحب المؤدي إلى الاتحاد لتجديد سلسلة التفرع الانساني.

وهذا هو حال  المرأة من حيث سرعة استثارتها بجسم الرجل بالمعنى الأقصى، إذ أن جسم الرجل بالنسبة إليها لا يمثل إثارة كلية إلا إذا انكشف منه جزء محدد عبر عنه الشرع بالعورة، والتي تتمركز ما بين السرة والركبتين بالنسبة إلى الرجل مما يجب ستره وحجبه كليا دون سائر أعضاء البدن الأخرى. فانفعال المرأة أقل سرعة ومستوى من  انفعال الرجل حينما يلاحظ أو ينظر أحدهما إلى أعضاء الآخر باستثناء المناسبة الجزئية بين جسم المرأة والرجل  وهي العورة أو السوءة مركز الاثارة القصوى لدى الطرفين.

وهذا ما يمكن من خلاله على سبيل تقريب الفهم والمعنى لتعليل الحكم الشرعي الخاص بلباس الرجل وعدم أمره على سبيل الوجوب بستر كل جسده، بما فيه صدره ونحره وكتفيه وما إلى ذلك باستثناء ما بين السرة والركبتين.      

أما فيما يخص الرجل وانفعالاته بجسم المرأة فإنه على العكس منـها من حيث التكوين لأنه كل لجزء، بمعنى أن كليته تحتوي الجزء بكل عناصره وجزئياته، ومن هنا فتأثره برؤية جسم المرأة يتم على سبيل الاحتواء الكلي، أي أن المرأة تصبح كلها عورة بالنسبة إليه حتى وجهها في بعض الحالات التي تكون فيها المرأة شديدة الجاذبية والاثارة، وعلى العكس من ذلك الرجل كما يقول أبو حامد الغزالي: "والخروج الآن مباح للمرأة العفيفة برضا زوجها ولكن القعود أسلم، وينبغي أن لا تخرج إلا لمهم ، فإن الخروج للنظارات والأمور التي ليست مهمة تقدح في المروءة وربما تفضي إلى الفساد، فإذا خرجت فينبغي أن تغض بصرها عن الرجال، ولسنا نقول إن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الصبي الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، فإن لم تكن فـتـنة فلا إذ لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن متنقبات، ولو كان وجوه الرجال عورة في حق النساء لأمروا بالتنقب أو منعوا من الخروج إلا لضرورة".[200]

بالإضافة إلى هذه التعليلات، فالمرأة تعتبر بالنسبة إلى الرجل الجزء المفقود منه، والمفقود مطلوب ومرغوب  فيه بلوعة وانجذاب لوضع اليد عليه واسترداده خاصة إذا تم كشفه. والمرأة بهذا المعنى تعتبر ضلعا من الرجل في الأصل كانت مضمومة إليه بدون حجاب، فـللحيلولة دون حصول هذه اللوعة الانجذابية ومقدماتها وجب بـالأمر الالهي أن تحتجب المرأة كلية عن الرجل باستثناء الضروري منها لتمييزها هل هي امرأة أم رجل، وكذلك لحصر التكشف بالأمر الالهي أيضا الذي هو القاعدة الشرعية  على أساسها يتحدد نوع التكشف ومستوياته، وهو إما تكشف كلي والخــاص بالزوجين وإما جزئي ومحدود وهو الخاص بين ذوي الرحم المحرم كما نصت عليه الآيات الخاصة بالحجاب.

فانشطار المرأة كجزء عن  الرجل ككل لم يتم صدفة أو على سبيل التفاعل الذاتي، وإنما تم بالأمر الالهي، ومن هنا فتحديد عودة هذا الجزء إلى كله على سبيل التكشف  المناسب لا يكون إلا بالأمر الالهي، وهو القاعدة الشرعية المحددة للزواج مما يعني عودة الاتحاد الأصلي إلى حاله والتئام الضلع بصدره.

كما أنه كإضافة أخرى يمكن اعتبار الجانب الزمني في تحديد أسبقية الاثارة الشهوية وسرعتها وذلك بالعودة إلى تاريخ الوجود الانساني باعتبار آدم متقدما على حواء في الوجود، والأسبقية الوجودية قد تقتضي العلم بالذات والآخر وطلبه عند  فقده، خاصة وأنه فقد لجزء ذاتي سرعان ما يتم احتواؤه معرفيا وعاطفيا، للعلم بالفقد أولا وللشعور به ثانيا مما يستدعي معه سرعة الباعث للمطالبة بالاسترجاع.

وبهذا يفسر سبب سرعة الاستثارة لدى الرجل أكثر من المرأة عند تكشفها كإضافة استئناسية وتقريبية لمعنى احتواء الكل  للجزء في هذا الموضوع .

إن هذه التعليلات وما تحمله من معاني يؤيدها الواقع الشعوري أو الجنسي عند الرجال قد لا تعيها جيدا كثير من النساء، فيتوهمن على سبيل المقايـسة الخاطئة واعتبار المماثلة الكلية بين الجنسين على الـمستوى الشعوري والغرائزي أن ما يحسسن به هو عينه ما يحس به الرجال ابتداء وانتهاء، وهذه الوحدة الشعورية بتوهم التساوي في بطء الاثارة لدى الرجال قاسها بعض النساء بل غالبيتهن على أنفسهن جهلا،  مما جعلهن يتمادين في ممارسة تبرج الجاهلية الأولى من غير مبالاة.

ومن خلال هذه المعاني المستنطبة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية والتي عليها بنى المسلمون نظرتهم إلى حقيقة الرجل والمرأة، يتبين لنا أن التمايز واقع بين الجنسين، ولكي يضبط على صورة سليمة يقتضي  وضع حواجز بينهما حتى يتم التمييز بين الرجال والنساء، وإلا حدث شذوذ عند تحديد خصائص كلا الجنسين لحد توهم المماثلة الخاطئة، وهذا هو أهم مركب من مركبات الجهل تجر أذياله المجتمعات التي لم تهتد إلى الالتزام بالأمر الشرعي بحجاب المرأة.

                2/ الحجاب الشرعي بالحد من الخيالات الجنسية وإثارتها :

ولا أريد أن أدرج بالتفصيل التمايز الجسدي والعضوي أو الوظيفي بين الرجل والمرأة في هذا المبحث، لأن هذا الموضوع واضح ولا يحتاج إلى تفسير، إذ الخوض في تفسيره قد يدخل في باب توضيح الواضحات ولا يزيدها إلا غموضا، كما أن الذوق والأخلاق عند المسلمين تقتضي الاشارة إليه بالقدر الذي عبر عنه الشرع أو نبه على الاحتياط في التعبير عنه وإحاطته بجلباب الحياء كحجاب معنوي والذي هو الأصل في التزام الحجاب الحسي...

لكن لا بأس كضرورة من الإشارة إلى ما يطرح في علم الحياة ووظائف الأعضاء وكذا التشريح وعلم النفس الجنسي حديثا... من معلومات تفيد بأن الرجل يبقى أكثر حركة وأسرع استثارة وتحصلا على مناطه الشهوي من المرأة بسبب التكوين المستمر للخلايا المنوية عند الرجل وتأثيره على الاستعداد اليومي للافراغ الشهوي، بينما تبقى المرأة رهينة بييضة لمدة شهر تقريبا رغم الحضور الشهوي لديها عند تكونها، إلا أنها تبقى دون الرجل من جانب الضغط الشهوي لديها وبطئها في تحصيل غايتها، للأعراض الطارئة عليها ولوضعها الانفعالي إلى جانب وضع الرجل الفاعلي.

وهذه الحقائق وما تحتها من مستورات لا يعاند ولا يجادل فيها من جهة الرجال إلا مكابر مغالط لنفسه ولغيره، أو عنين وخنثى وغير ذي الاربة من الرجال ، إذ الرجل السوي يستوي عنده إدراك هذه الحقائق، ويعرف جيدا أثر الاثارة الجنسية على خياله وجسده وخاصة عند حصول التبرج قرب عينيه، لكن الاختلاف في هذا الأثر وتوابعه يقع عند الالتزام أو عدمه بالأمر الشرعي الخاص بغض البصر والحجاب ومنع الخلوة والاختلاط غير المقيد... إلخ

ولقد راعى الشرع هذه الخصوصية الغريزية للرجل ، فكان النهي عن إفشاء الأسرار الزوجية حفاظا على استقرار الخيال المحرك للشهوة بالنسبة إلى المستمع. فمن بين الأحاديث الدالة على هذا النهي نجد قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم  ينشر سرها"[201].

وهذا الحديث قد يتضمن تحريم نشر ما يسمى بالسيرة الذاتية التي تشتمل كل السلوك الانساني وخاصة الجنسي منه، وهذا ما قد يدخل في حكم قصص الخلاعة  التي ربما يكون تأثيرها على نفس قارئها وخاصة المراهق أشد وقعا من رؤية صورها في كثير من الأحيان، نظرا لما يسعى إليه كتاب مثل هذه السير أو القصص من تفنن خبيث لتحريك الخيال الجنسي إلى أقصى حدوده، بل قد وصل المجون والجهل بمثقفي عصرنا  إلى أن أصبحت الأسرار الزوجية والجنسية منها خاصة، تنشر على صفحات المجلات والجرائد اليومية العامة بدون حياء أو خجل أو احتياط، وذلك تحت غطاء ما يسمى كذبا بالتحليل النفسي، أو علم النفس  الجنسي... إلخ.

بينما الواقع النفسي وحقيقته يؤكدان أن عرض تلك الأسرار والأوصاف أو العمليات الجنسية وتفاصيلها على مستوى الكتابة، تكون نتيجته إثارة الخيال الشهوي لدى الشخص مباشرة وبسرعة ضاغطة قد تدفع بالبعض إن هم لم يضبطوا أنفسهم بالضوابط الشرعية إلى البحث عن أوكار الفساد والفواحش، وخاصة لدى العزاب في مراحل شبابهم.

وللحيلولة دون الوقوع في مثل هذه التهيجات والانشغالات الخيالية بالمسائل الجنسية وتشخيصاتها كان النهي الشرعي عن إفشاء الأسرار الزوجية في هذا المجال كحجاب للزوجة حتى عن خيال الأجـنبي وليس عن بصره فقط، كما أنه في بعض الحالات قد يقع ما يسمى بنظرة الفجأة وفـيها روي عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة، فأمرني أن أصرف بصري" [202].

وهذه النظرة رغم قصرها قد تحدث تحريكا للخيال الشهوي لدى الشخص، وهو تحريك غير مقصود لكنه يستدرك بدفعه مباشرة وخاصة بالنسبة إلى المتزوجين، حتى لا تترتب عنه نتائجه السلبية ويصبح الشخص في دوامة الاضطراب الخيالي. وعن هذا الاستدراك الوقائي يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا أحدكم أعجبته المرأة فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته فليواقعها فإن ذلك يــرد ما في نفسه"[203].

فمن لم تكن له امرأة -كما يقول عبد القادر الجيلا نـي- "يلتجىء إلى الله عز وجل ويسأله السلامة من المعاصي ويستعيذ به من الشيطان الرجيم"[204].

وهذا في الحقيقة يمثل صرفا ذاتيا على المستوى الباطني بعدما تم على المستوى الظاهري بصرف البصر عن إعادة النظر، وأهم وسيلة لتحقيق هذا الصرف هو الاكثار من ذكر الله تعالى حتى ينسحب الخيال الشهوي عن الحضور في الذهن وتهمد الاثارة فينتهي الذاكر بذلك عن الفحشاء ومقدماتها.

وهذا العلاج قد نص عليه القرآن في قول الله تعالى: )وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون(.

بجانب الحديثين السابقين الذين يؤكدان خصوصية انفعال الرجل الجنسي بمجرد حكاية أو وصف  العمل الجنسي وتحريك المخيلة بذلك، أو بمجرد نظرة الفجأة مما استوجب  النهي عن الافشاء والوصف في الحديث الأول أو استدراك خطر الاثارة في الحديث الثاني، فإننا سنجد حديثا آخر أكثر تأكيدا وتعليلا لسبب هذا النهي عن تحريك الخيال الجنسي لدى الرجل بصفة خاصة، وهو لا يحمل في منطوقه النهي عن وصف الممارسات الجنسية من طرف الزوج والزوجة معا من حيث النهي، بل قد يخص نهي المرأة عن إثارة خيال زوجها بوصف امرأة غيرها بمجرد وصفها لشكلها الجسدي وهي في تبرجها وتكشفها بصورة كلية أو شبهها، وفي هذا الحديث يقول الـنبي صلى الله عليه وسلم : "لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها"[205]

وهذا الحديث فيه دلالة ونهي بسببها، إذ يدل على أن الوصف والتعبير قد يحرك الخيال ويفيد التصور، وإذا تحقق التصور أعطى الصورة فكان البيان مقربا للصورة بحسب الاجمال أو التفصيل وبحسب العبارة والاستعارة... إلخ. وخيال الرجل أسرع ما يكون إلى تجسيد صورة المرأة بمجرد وصف بعض خصائصها الأنثـوية، ولجهل المرأة بخصائص الخيال الرجولي فإنها بهذا الوصف تكون قد صرفت صورتها عن خيال زوجها حتى أصبح كأنه ينظر إلى غيرها رغم حضورها بجانبه، إذ الأصل في تحريك الشهوة الجنسية هو الخيال ابتداء.

وهذا الحديث يعتبر أصلا في تحريم النظر إلى ما تبثه التلفزات ودور السينما وغيرها من أفلام وصور للخلاعة والعري، بحيث إذا كان مجرد الوصف الكلامي أو المساهمة في تحصيل تصور ذهني لصورة المرأة المتبرجة أو العارية منهي عنه، فإن تشخيص الصورة المنقولة من الحقيقة الواقعية يكون أشد ضررا وأكثر تأثيرا وسلبية على غرائز  بل على السلوك الانساني بصفة عامة والسلوك عند الصوفية بصفة خاصة، إذ أنه كما يقول السهر وردي: "وفـتـنة العزب مرور النساء بخاطره وتصورهن من متخيله، ومن أعطي الطهارة في باطنه  لا يـدنـس بـاطـنـه بخواطر الشهوة، وإذا سنح الخاطر يمحوه بحسن الانابة واللياذ بالهرب، ومتى سامر الفكر كشف الخاطر خرج من القلب إلى الصدر، وعند ذلك يحذر حساس العضو بالخاطر فيصير ذلك عملا خفيا، وما أقبح مثل هذا بالصادق المتطلع إلى الحضور واليقظة، فيكون ذلك فاحشة الحال"[206].

وعند قوله: "فيصير ذلك عملا خفيا" إشارة  إلى تحول الخيال الجنسي والاثارة الشهوية إلى حالة غير شعورية بالمفهوم الصوفي، مما  يقتضي عندها ممارسة قواعد الرياضة والمجاهدة والمحاسبة والمراقبة حتى لا يصبح الدافع الجنسي بخلفياته مؤثرا على سلوك المريد وسلامته.

ومن هنا فكان واجبا على كثير من النساء استدراك جهلهن بهذا الواقع الغريزي وخاصة سرعة الاثارة الجنسية عند الرجل، وذلك بالعدول عن التبرج والسفور إلى التزام الحجاب الشرعي، وإذا لم يفعلن كن بعد علمهن بهذه الحقائق الشرعية وتفسيراتها الذوقية والفكرية المستقاة من الواقع  والدراسة الموضوعية، مؤذيات لصالحي المؤمنين والمؤمنات ومتماديات في جهلهن المركب إذ "أقبح من الجهل الجهل بالجهل".


                ثـالـثـا : التجاهل المبرر بالعرف والعادات :

بجانب هذا الجهل المقرر والمركب من مستويات على رأسها الجهل بالحكم الشرعي فقد توجد خلفية أخرى وراء التبرج وهي: مناقضة العلم بالحكم الشرعي وكذا العلم بالغريزة وانفعالاتها كما يؤكده الشعور النفسي لمن استبطن ذاته وراقبها عند حصول التأثير، وهذه المناقضة تتم تحت مبرر  وهمي قائم على الاحتكام إلى سلطة العادة النفسية الآلية والعرف الاجتماعي السائد  والبائد.

ومن هنا فقد يمكن أن يكون لدى فئات كثيرة من السافرات أو المتبرجات وأزواجهن وآبائهن وإخوانهـن وسائـر محارمهن العلم بالحكم الشرعي الخاص بالأمر بالحجاب والنهي عـن التـبرج، إلا أنهـم نساء  ورجالا قد يلجأون إلى تبرير التبرج والسفور الجماعي بدعاوي باطلة وجاهلية أيضـا تستـند على استحسان مسايرة الوضع السائد في المجتمعات المعاصرة سواء كانت تدعي أنها  مسلمة أو أنها غير مسلمة، ولهذا فقد يلجأون إلى تحكيم الموروث الفاسد من حيث التقليد في الألبسة بالأغلب الطاغي على البيئة المحيطة بهم، أو الواردة أخبارها وصورها المختارة لدى غيرهم.

                1/ العادة  و تقليد الغوغـائية الجماعية :

وهذه المبررات الرجعية والغوغـائية قد حذر القرآن منها ونهى عن التقليد بواسطتها، لأنها قد تطال حتى التقلـيد العقدي، الشيء الذي يتكرس معه التشبث بالعقائد الفاسدة على حساب العقيدة الصحيحة عقيدة الحق والتوحيد، وذلك تحت مبرر الوراثة والبيئة وسلطة الجماعة والعادة النفسية... إلخ. وهذا النوع من التبرير للجهل بالتجاهل يصور لنا القرآن الكريم  نماذج منه في قول الله تعالى: )وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون([207].

إذ أصبحت سلطة الجماعة والموروث بالعادة مصدر التشريع والتصور العقدي في العصور الجاهلية التي قد تتعدد مراحلها  بتعدد بروزها على هذا الشكل، ومن هنا فكان من الصعب التخلص لديهم من هذه الموروثات الفاسدة إلا بالخضوع إلى سلطة عليا وهي الحكم الالهي وتشريعه الذي يخضع له الفرد والجماعة والسلف والخلف على حد سواء.

وهذا الحكم يلغي كل التوهمات التي تجعل من الموروث سواء النسبي - الجسدي أي التناسلي أو الموروث الجماعي العرفي كمحدد رئيسي للنشاط الانساني وتوجهاته العقدية ومظاهره السلوكية حسب  ما زعم فرويد الذي يرد هذا النشاط إلى: "الغرائز اللاشعورية الموروثة بيولوجيا"، أو زعم كارل يونج الذي يقول: "بالأنماط الأولية كنماذج شكلية للسـلوك أو مخططات رمزية تتكون على أساسها النماذج الملموسة ذات المضمون التي يعتمد عليها الانسان في حياته  الواقعية ونشاطه، وهذه غير الرغائب الأولية التي يقول بها فرويد، بل إنها رواسب نفسية أكثر عمقا عبر عنها باللاشعور الجماعي الذي تتوارثه الأجيال عبر قرون"[208].

لكن هذا اللاشعور الجماعي كيفما كانت البداية التاريخية المؤسسة لتراكماته فإنه لا يمثل حتمية ضرورية وعلمية موضوعية إذا كان في أصله مجرد تواضع جماعي قائم علىالأهواء والعادات الهمجية والجاهلية، بيد أن  الشعور واللاشعور الجماعي الحقيقي الذي يمثل حتمية للانسان ضرورية وموافقة لوجوده وسلامته هو ذلك الذي عرفه منذ بداية التكوين وعبر عنه الاسلام بالفطرة في قول الله تعالى: )فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم(، بحيث قد ترسخت هذه الفطرة وانطبعت في نفس كل إنسان وعلى مستوى جماعي موحد حينما أقرت الانسانية كلها في حضرة خالقها بعقيدة التوحيد، وشهدت بالاستجابة للاختبار الالهي فيه على سبيل الايجاب. وهذا ما نجده في قول الله تعالى: )وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى! شهدنا أن تقولوا  يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من  قبل  وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون(.[209]

ومن هنا  فالموروث الجماعي الأصلي والحتمي السليم هو الاستجابة للأمر الالهي واتباع شرعه لا التشبث بالعوائد الجاهلية ومخلفاتها التي أضفت على بعض النفوس نوعا من التعود الشاذ على مخالفة الفطرة ولوازمها، وذلك بالتمادي في التبرج والعري والتفنن في أشكاله، بينما كان من المفروض أن يكون التعود على الحجاب الحسي لأنه مرتبط بالحجاب المعنوي على سبيل التعاكس، وخاصة في المفهوم الصوفي الذي فهم جيدا معنى الربط بين الايمان بالله وأمره بحجاب المرأة ظاهريا وما يستلزمه من ضوابط وشروط كما ورد في النصوص القرآنية والحديثية الخاصة بهذه المسألة.

وهذا الربط للإيمان بالحجاب سيحول دون أن يصبح حجاب المرأة في الاسلام مجرد عادة اجتماعية   -كما يريد البعض أن يحوله إلى ذلك قصدا أو بغير قصد - يتدافع مع العوائد الأخرى ليحتفظ بمكانه حسب حضورها أو غيابها في مجتمع ما  وعلى مستوى التوظيف الزماني والمكاني. بحيث قد يصير موضوع الحجاب بهذا التحويل يدخل في إطار ما يعرف بفن الأطرزة أو "المـودة "،  وهو نوع من التحكيم الغوغائي في تحديد أنماط السلوك الاجتماعي سريع التغير. ويعتبر من الهوى الذي قد ينزلق به كثير من الناس عن سبيــل الله تعــالى من حيث لا يشعرون: )وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فـتـفرق بكم عن سبيله(  وقوله: )ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذي لا يعلمون([210].

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مهلكات : شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه".

وكتفسير صوفي للهوى ودوره في صرف الانسان عن الطريق المستقيم حين اتباعه يقول ابن عطاء الله السكندري: "لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك".

إن فتح المجال أو الباب على مصراعيه لما يسمى بالمودة أو النمط السلوكي المتغير وخاصة في موضوع الألبسة بحسب مراعاة أحوال العرض والطلب والاستجابة والاقبال، هو نوع من الهوى والتحكم الغوغائي في تحديد السلوك الاجتماعي ومساره على سبيل التقلب والتغير السريع، قد يناقض حتى المألوف العام للتشبث بالموروث  الطاغي والعرفي في الماضي، إذ أصبح المجتمع الحديث يميل أكثر إلى التغير السريع من التشبث والتقاليد اللباسية الموروثة كيفما كان وضعها. وعلى  سبيل هذه المقارنة يقول كاتب عربي وباحث في مجال التغير الاجتماعي "وهكذا أصبح المجتمع الحضري الحديث مجتمع مودات وأنماط سلوكية متغيرة بعد أن كان المجتمع القديم مجتمع تقاليد متحجرة"[211] على حد تعبيره، ويضيف بأن "أطرزة النساء تتغير تغيرا سريعا عند مقارنتها بأطرزة الرجال. إن النساء في العصر الحديث مخلوقات شاعرات بالطراز شعورا مفرطا، لقد كانت باريس حتى عهد قريب هي وحدها مركز السيطرة في  مودات البدلات النسوية وفساتينها وسترها المختلفة وكل ما يتعلق بملابسها وزينتها ... إن مما يجب أن يشار إليه  في هذا الصدد هو أن قيم الملابس هي أمور نفسية ذاتية إلى حد كبير، ولكن هذا يجب أن لا يسوقنا إلى إغفال الحقيقة التالية : وهي أن هناك عوامل واعتبارات تتحكم بالملابس أيضا وإلا للبس بعض النساء ملابس من ذهب"[212].

إن مسايرة الأهواء والمضاربات الفنية والاقتصادية لتحديد أنماط اللباس دون مراعاة أبعاده السلوكية والحكم الشرعي فيه بالجواز أو المنع،  يعتبر من جهة جهلا أو تجاهلا، سببه تأثيرات البيئة والخضوع لمنطق الإمعة وكذا سلطة الجماعة إما على سبيل الوراثة العمياء أو مسايرة الأغلبية )وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون( )وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم([213] )قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يـا أولـي الألباب لعلكم تفلحون([214]

بيد قد تنبغي الاشارة إلى أن موضوع المودة والتشهير بأنماطها وأطرزتها في اللباس قد عرفها المجتمع الاسلامي ومورست في حدود الامكانيات الاعلامية التي كانت متوفرة في العهد العباسي خاصة. بحيث يحكى عن الأصمعي أنه قال : قدم تاجر من أهل الكوفة المدينة بأخمرة فباعها كلها إلا السود منها فلم تنفق وكان صديقا للدارمي الشاعر، فشكا ذلك إليه وقد كان الدرامي تنسك وترك الشعر والغنــاء، فقال له: لا تهتم، فإني سأنفقها لك حتى تبيع جميعها إن شاء الله تعالى ثم قال :

قل للمليحة في الخمار الأسـود ***   ماذا صنعـت بزاهـد متعبـد

قـد كـان شـمر للصلاة ثيابه  ***  حتى عرضت له  بباب المسجد

ردي عليه صيامـه وصلا تـه  *** لا تقتليه بحـق  ديـن محمـد

فشاع قول الدارمي هذا في الناس وقالوا رجع الدارمي عن نسكه وعاد إلى فتكه، فلم يبق في المدينة امرأة ظريفة إلا ابتاعت خمارا أسود حتى نفد ما كان منها مع العراقي، فلما علم الدارمي ذلك رجع إلى نسكه ولزم المسجد"[215].

وهذه القصة تنبهنا إلى ظاهرة واقعية وملاحظة لدى كثير من المحتجبات اللاتي تكون خلفيات احتجابهن  ليست بالدرجة الأولى مرتكزة على الباعث الديني والاستجابة للأمر الشرعي، وإنما هي ذات دوافع مختلفة  من بينها في الغالب الخلفية التقليدية والاجتماعية، بحيث إذا كان مجتمع ما قد التزم أفراده أو سلفه بالحجاب الشرعي على مدى قرون فإن الجيل الذي سيأتي فيما بعد بقي متشبثا بهذه المظاهر في اللباس، رغم أن هذا المجتمع يكون قد انسلخ من تطبيق أحكام الشريعة الاسلامية التي تعد من أركان الدين أو قواعد الاسلام، بحيث أن الحجاب لدى أغلب نسائه سيبقى مجرد عرف وعادة اجتماعية ليست إلا، بغض النظر عن التزام ضوابطه وشروطه، وهذا النوع لا يدخل في حكم الحجاب الاسلامي إلا من حيث المظهر وباللباس فقط لأن الحجاب في الاسلام مرتبط بالعقيدة والايمان ارتباطا وثيقا وله أثره على السلوك ومظاهره، لكنه مع ذلك يبقى اعتبار هذا النوع من الحجاب العرفي والتقليدي الموروث بالعادة أولى وأفضل من السفور والتبرج بكثير.

وقد يمكن إدراج ضمن حجاب المودة ما دأب عليه بعض النساء المعاصرات من لبس السراويل والأقمصة الصيفية والمتمططة وما إلى ذلك  رغم ارتدائهن للأخمرة أو سترة الرأس كما يعبر عنها على توهم منهن بأن هذا هو الحجاب المطلوب، بحيث أن تلك الألبسة قد تؤدي  ولا بد إلى رسم القوام الجسدي والخصوصيات الأنثوية للمرأة رسما ربما يكون أكثر إثارة من إبداء بعض الزينة وإخفاء الأخرى، بالإضافة إلى لبخات المساحيق الموضوعة على الوجه والألوان المزركشة ذات الجاذبية للنظرة الشهوية بالدرجة الأولى.

وهذا في الحقيقة لا يسمى حجابا وإنما هو تبرج ملفع ومنوع، وتحريف متصنع لمعنى الحجاب الإسلامي وأبعاده الروحية والسلوكية، وهو يدخل في حكم الكاسيات العاريات كما سنرى عن مآلهن.

وقد تكون هناك خلفية جسدية عضوية وراء الحجاب لدى بعض النساء وذلك في حالة وجود عاهة بجسم المرأة  تسعى إلى إخفائها  لأسباب نفسية واجتماعية محضة،  رغم أن العاهة الجسدية في الاسلام لا  تنقص من قدر الشخص الاجتماعي، إذ قيمته تعتبر بحسب تقواه وسلوكه لا بجسمه وهيكله. ومع هذا فالحجاب لهذه الخلفية محمود لأنه يوحد الشكل الظاهري لدى النساء في المجتمع الاسلامي فلا تحدث المزايدة للتظاهر ولا تتخصص الاثارة عند فجأة التناظر، بيد أنه ينبغي للمرأة ذات العاهة النسبية والمخفية بالحجاب أن تصارح خاطبها منذ البداية بما بها حتى يكون له الخيار في الاقدام أو الاحجام  بحسب تأهل مزاجه للرفض أو القبول بهذا الاعلام.

كما أن من بين خلفيات ارتداء الحجاب قد توجد البواعث المذهبية والسياسية، وهذا النوع من الحجاب إن التزم لهذه الغاية فقط فهو عبارة عن مناورة واستدراج للجماهير إلى الوقوع بنواياهم الحسنة وعواطفهم الدينية في فخ الثعالب السياسية، حتى إذا تم لهم التمكن أسقطوا الحجاب وخلعوا الجلباب، وهذا قد يكون من أخطر الاستغلالات لموضوع الحجاب ربما ينافس بنقيضه وهو التبرج والسفور كمراهنة سياسية لدى المعارضين لهذا المذهب أو الحزب وذاك.

وبهذا يجتمع الحجاب والتبرج في خلفية واحدة وهي خلفية السياسة، إلا أن الحجاب يبقى هو المطلوب في كل الحالات لأنه مصلحة بظاهره، أما التبرج فهو مفسدة على كل حال بظاهره وبخلفياته.

وقد تتحد خلفيات التبرج والحجاب أيضا في البواعث الاقتصادية والمالية وذلك على سبيل اعتبار الفقر والغنى، العرض أو الطلب ومستوى الأسعار... إلخ. إذ كما يقول باحث عربي في علم الاجتماع المعاصر: "إن ملايين الجنيهات تصرف في كل عام لمعرفة اتجاه مودة الغد من دون جدوى لأن مودة الغد تقررها التفاعلات الاجتماعية المختلفة التي يتمخض عنها ذلك الغد والتي لا يستطيع العلماء حتى الآن معرفتها وتحليلها أو الاحاطة بها"[216].

إن صرف الملايير من الجنيهات أو الدولارات لمعرفة اتجاه مودة الغد ليس على سبيل التبرع وإنما لكل استثمار ثمار، وعلى هذا فإن الألبسة الموسمية للتزيين ومسايرة ركب الاستعراضات تكلف منتجيها مصاريف باهضة، ومن ثم فسيكون المغررون من مسايريها هم الضحية في أداء عروضها بالسعر العالي تحت ضغط هوى المودة وسلطة الجماعة والأغلب الطاغي ووهم المعاصرة... إلخ. بيد أنه  يوجد الكثير من الجماهير الشعبية غير مؤهلة لمسا يرة هذا التطور الشكلي للألبسة العصرية المدعمة بإغراءات الاشهار ووسائل الاعلام ومن ثم تلجأ ـ خاصة النساء مقصد الحجاب ـ إلى الإكتفاء باللباس الواحد الذي لا يحتاج معه إلى مشد أو أحزمة وأقمصة حريرية... إلخ.

وبهذا الانصراف يكون أصحاب الدخل الضعيف قد حلوا مشكلة غلاء الألبسة ومع ذلك التزمت النساء الحجاب تحت ضغط اقتصادي وقلة موارد مالية. فهؤلاء وإن كن لا يحبذن التزام الحجاب في البداية لتأثرهن بالبيئة والعرف الطاغي في مجتمعهن إلا أن الفقر وتوسط الحال المالي أو ضعفه كان سبب عودتهن إلى اللباس الشرعي المناسب لأنوثتهن وحفظ كرامتهن من حيث لا يدرين أو يردن، رغم أن التجاهل المبرر للأمر بالحجاب قائم في تصورهن إذ أنهن يبقين على مشارف التبرج والسفور كلما أشرفن على حال الـيـسر وسعة المال مادمن لم يتخلصن من عقدة التقليد الأعمى والأغلب الطاغي بأهوائه وأوهامه.

لكن، رغم كل هذه الخلفيات من حيث اعتبارها تجاهلات مبررة للتبرج أو التزام الحجاب الموسمي والظرفي فإن حجاب المرأة في كل الحالات يبقى إيجابيا ولا ينبغي العدول عنه إلى التبرج والسفور تحت أي ذريعة أو مزايدة ومراهنة كيفما كانت هذه الذريعة التي ينبغي سدها، لأنه كما سبق وأشرنا أن سد الذرائع لا يتم بالمفاسد، والسفور أو التبرج مفسدة مدرجة بحسب مستوياته، إذن فالتبرج مرفوض ومستدرك بالحجاب متى تم العلم بحكم الشرع فيه، لأن مخالفة الشرع لا تبرر بالتجاهل ويلزم التكليف به متى تم العلم به.

                2/ التبرج بالتساهل وتعود التواصل :

ومما يمكن إدراجه في باب التبرج من خلفية التجاهل والعادة وتبريرها بسلطة الجماعة نجد موضوع المآتم والولائم وكذا أماكن الاستجمام والحمام، واعتبار القرابة والتنزيل بمنزلة المحارم.

بحيث قد أصبح من العوائد العليلة في مناسبات الأتـراح والأفراح أن يتساهل كثير من الناس في موضوع الحجاب وضوابطه، فتتكشف النساء بزينتهن أمام الرجال  وعلى مستويات متفاوتة من حيث البروز والتبرج، وذلك على سبيل التساهل بمبرر العادة وخصوصية المناسبة وما تقتضيه من ترسيخ للذكرى... يضاف إليها التقاط الصور والتسجيل  على أشرطة (الفيديو) للاستذكار والافـتخار… إلخ.

وكل هذه العوائد دخيلة على المجتمع الاسلامي واحـتـفالاته، وقد كان بالامكان أن يفرح النساء دون الاختلاط أو ملاحظة للرجال وكذلك العكس، فيكون الفرح على أكمل وجه وأتمه دون تبرج أو سفور قد يؤدي في حالة الغفلة وغياب الورع إلى أن يحدق الرجال بدون تحفظ إلى مفاتن النساء وكذلك العكس، فيتجاهل بالعادة والتساهل حد الشرع في غض البصر وإخفاء الزينة وخفض الصوت والامتناع عن الـتـطيب خارج البيت، الشيء الذي يجعل من بعض هذه المناسبات سواء كانت مآتم أو ولائم مصيدة وشباكا للشيطان يصطاد بها مرضى القلوب وأهل الشهوات والاغراء من الرجال والنساء على حد سواء. وهذا الموضوع سيتطرق إليه المفكرون المسلمون من بينهم الغزالي  كما يقول: "وقالت أم سلمة استأذن ابن أم مكتوم الأعمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وميمونة جالستان، فقال عليه السلام: احتجبا، فقلنا أو ليس بأعمى لا يبصرنا ؟ فقال: وأنتما لا تبصرانه ؟". وهذا يدل عـلى أنه لا يجوز للنساء مجالسة العميان كما جرت به العادة في المآتم والولائم، فيحرم على الأعمى الخلوة بالنساء، ويحرم على المرأة مجالسة الأعمى وتحديق النظر إليه لغير حاجة، وإنما جوز للنساء محادثة الرجال والنظر إليهم لأجل عموم الحاجة"[217].

ومن القياس في غير محله أو الاستنباط غير المتناسب أن يجوز النظر إلى الراقصين وسماع المغنيين عن قرب وعلم بالحضور في المواسم والحفلات بالاستناد في هذا الأمر إلى ما روي عن إذن النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها بالنظر إلى رقص الزنوج كما ورد في الحديث عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا التي أسأم. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو".[218]

إذ أن هذا الاذن له خصوصيته واحتياطاته وضوابطه من بينها:

 أولا : أن الرقص  وما صاحبه من ألفاظ لم يكن من جنس الاثارة الشهوية أو الخادش لجلباب الحياء، كما أن الراقصين كانوا أبعد ما يكونون عن مظاهر التزين أو ما جرت عليه عادة اللبس في الأفراح لغرض الظهور وإثارة الانتباه من باب استحسان صور اللبس واللابس كما هو عليه حال راقصي عصرنا وفنانيه.

ثانيا : أن الاذن بالنظر كان محدودا وفي فترة وجيزة لا تتعدى المرة الواحدة أو هنيهات من الزمن، سرعان ما تم صرف النظر عن الرقص وحصلت السآمة منه.

ثالثا : أن النظر كان موجها إلى ملاحظة رقص الزنوج لا إلى الزنوج في حد ذاتهم، ومن بعيد لا من قريب، بمعنى أن المقصود بالنظر هو فن الرقص لا وضع الراقص الجسدي والجمالي.

رابعا : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان واضعا الحاجز بيده يحجب به سيدتنا عائشة عن أن ينظر إليها أحد، ومن هنا فكان الاذن بالنظر محاطا بالاحتياطات الشرعية سواء من جهة الرائي أو المرئي، لأن الرائي هنا من أشرف وأطهر نساء العالم ظاهرا وباطنا، ولهذا فلا ينبغي أن يقاس الملائكة بالحدادين ـ على حد تعبير الغزالي ـ، كما أن المرئي هنا غير عالم بمن يراه من النساء خاصة، إذ لن يكون له دافع نفسي أو شهوي ذاتي في صياغة رقصه أو غناه.

بينما قد لا نجد هذه الاحتياطات معمولا بها في الأعياد والمناسبات العادية عند غالب الناس وخاصة في عصرنا، فالرقص والغناء يتمان بالعلم من الرائي والمرئي، وبنية التنافس والتصنع وبهيئة التزين والتعطر بالتساهل في البروز والتظاهر،  مما يعني المساهمة بمبرر العرف والعادة في إثارة الشهوات والتناظر، أو على الأقل الزيادة في إيقاع الحركات والألحان التي يحدثها العلم لدى الرجال والنساء بملاحظة بعضهم البعض، إذ كما يقول ابن حزم في إحدى ملاحظاته بأنه لا توجد امرأة تحس أن رجلا يراها أو يسمع حسها  -حسب رأيه- إلا و"أحدثت حركة فاضلة كانت عنها بمعزل وأتت بكلام زائد كانت عنه في غنية مخالفين لكلامها وحركاتها قبل ذلك، ورأيت التهمم لمخارج لفظها وهيئة تقبلها لائحا فيها ظاهرا، عليها لاخفاء به، والرجال كذلك إذا أحسوا بالنساء"[219]. وهذا الحكم إن لم يصدق عليه حكم الكلية إلا أنه يقع للأغلبية ولهذا فالاحتياط واجب لهذا الغالب، ومن هنا فالقياس غير وارد في التذرع بالاذن الوارد في الحديث وذلك كمبرر لفتح مجال الحضور في الحفلات ومشاهدة الرقص بغير حجاب أو تحفظ عند الغناء وما يتبعه من مزاح أو تصنع في التلفظ، إذ من الغلط العظيم ـ كما يقول الغزالـي ـ: " أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة يواظب عليه و يفرط فيه ثم  يتمسك بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ويتمسك بأن رسول الله  صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد وهو خطأ، إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالاصرار ومن المباحات ما يصير صغيرة بالاصرار فلا ينبغي أن يغفل عن هذا"[220].

كل الحوادث مبداها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشرر[221]

ومما يجر أيضا إلى المعاطب بمبرر الإلف والعادة ما يستسهله كثير من العائلات من تكشف وخلع الجلباب سواء بين النساء والرجال وذلك في أماكن الاستحمام والاستجمام.

إذ الاستحمام قد تطرق إليه بصورة مركزة كل من الفقهاء والصوفية وباتفاق على نفس تعليل الحذر منه واعتباره خلفية للتبرج أو كشف العورات، بذريعة التداوي أو النظافة الجسدية في أعلى مستوياتها بالتخلص من فضلات البدن عن طريق  تسخينه وإفراغ سمومه بواسطة العرق والتنفس وما إلى ذلك، ففي فتوى بعض الفقهاء في الحمام وتعليلها يقول القرطبي مثلا : "أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم، إذا توسطوا الحمام رموا مآزرهم حتى يرى الرجل البهي ذو الشيبة قائما منتصبا وسط الحمام وخارجه باديا في عورته ضاما بين فخديه ولا أحد يغير عليه، هذا أمر بين الرجال فكيف من النساء! لا سيما بالديار المصرية، إذ حماماتهم خالية من المطاهر التي هي عن أعين الناس سواتر، ولا حول ولا قوة إلا  بالله العلي العظيم"[222]، أما أبو طالب المكي فقد أفتى من قبل ولنفس العلة حيث قال: "الأفضل في وقتنا هذا ترك دخول الحمام لكثرة العراة فيه والعجز عن القيام بأحكامه، إلا أن دخوله مباح. وقد اختلف مواجيد الصحابة في دخوله وكل فيه قدوة وهدى، فقال بعضهم بئس البيت الحمام يبدي العورة ويذهب الحياء، وروي هذا عن ابن عمر رضي الله عنه وعن علي رضي الله عنه. وقال بعضهم نعم البيت ينقي الدرن ويذكر النار"[223]، وبصورة أخص يركز على الاستحمام بالنسبة إلى النساء مع تبيين محاذيره وضوابطه فيقول: "وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم دخول الحمام على النساء وحرمه على الرجال إلا بمئزر، فإن دخلت المرأة الحمام ضرورة من علة أو حيض أو نفاس أو في شتاء فلا بأس، وقد دخلت عائشة رضي الله عنها من سقم كان بها. ولينــه الرجل امرأته وأهله عن دخول الحمام، فإن لم يقبلن لم يحل له أن يعطيهن أجرة الحمام، وكان الأمر عليهن، ولا يحل لمسلمة في الحمام أن يليها  للخدمة ذمية، فقد نهى عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما عن ذلك، وأكره للرجل أن يعطي امرأته أجرة الحمام فيكون معينا لها علـى الاثم فإن نهاها فخالفته كان الاثم عليها".[224] فالحمام وإن كان لا يختلط فيه الرجال والنساء في غالب الأماكن إلا أنه قد يؤدي إلى مخاطر جنسية في حالة العري وخاصة في عصرنا، وذلك إما عن طريق الوصف الخيالي المنقل تعبيرا من امرأة لرجل، أو عن طريق الاثارة المباشرة وغير السوية المعبر عنها حديثا بالشذوذ الجنسي، وخاصة في عري الشابات من النساء وكذا الصبيان، إذ كما يقول الغزالي أن "الشر في الصبيان أكثر فإنه لو مال قلبه إلى إمرأة أمكنه الوصول إلى استباحتها بالنكاح، والنظر إلى وجه الصبي بالشهوة حرام، بل من كان يتأثر قلبه  بجمال صورة الأمرد بحيث يدرك التفرقة بينه وبين الملتحي لم يحل له النظر إليه"[225].

ونفس المشكل والخطر يكون لو مال قلب امرأة نحو امرأة في شذوذ جنسي بسبب التعري الكلي وشبهه بينهمـا. ولهذا السبب كان المنع من كشف العورات والنهي عن مباشرة المرأة للمرأة وخاصة الذمية للمسلمة. ولا ينبغي تكشف امرأة لامرأة في خاصتها إلا لضرورة توليد أو تطبيب وباحتياط شرعي، إذ كما يقول ابن رشد (الجد) في المقدمات على سبيل الاستنباط والتفصيل لدقائق الحجاب "وحكم المرأة في النظر إلى فخد المرأة وسترها  كحكم الرجل في النظر إلى ذلك من الرجل. وحكم المرأة فيما يصح لها أن تراه من الرجل الأجنبي كحكم الرجل فيما يصح له أن يراه من ذوات محارمه على القول بأن الرجل لا يغسل ذوات محارمه كما لايغسل النساء الرجل الأجنبي وهو الصحيح من الأقوال، وحكم المرأة فيما يصح لها أن تراه من ذوي محارمها كحكم الرجل فيما يصح له أن يراه من الرجل، وقد قيل أن حكم المرأة فيما يصح لها أن تراه من الرجل كحكم الرجل فيما يصح له أن يراه من "المرأة".[226]

وأما الاستجمام فهو تبريد على عكس الاستحمام في الحمام، وقد يكون خلفية للتبرج بين الرجال والنساء في المصطافات والمسابح العامة وما إلى  ذلك من الأماكن التي تعتبر ترفيهية، بحيث إذا كانت بعض العوائل لا تتعرى نساؤها لحد التبرج فإنها قد تتهاون عند هذا الظرف في التقيد بشروط الحجاب الشرعي الذي يجب فيه ستر ما دون الوجه والكفين، إذ قد يتعرى الذراع والعضد والساق والنحر وبعض  مناطق الصدر وغير ذلك بمبرر الحرارة، أو أن مكان الاستجمام لا يرتاده سوى العائلات والأسر المحترمة والمحافظة، بحيث إذا كانت عائلة مجاورة لأخرى في مصطـاف أو مخيم فلا بأس في زعم البعض أن يتساهل في ارتداء الألبسة الشفافة أو السراويل على نمط الكشافة… إلخ. ما دام أغلب أهل المخيم والمصطاف يرتدي نساؤه هذا النمط أو الطراز من الألـبسة، وما دام أن أحدا ليس أحسن من أحد في الدائرة الجماعية  التي تشمل المصطافين "وهذا مما يتهاون به الناس ويجرهم إلى المعاطب وهم لا يشعرون " حسب تعبير الغزالي، إذ أن هذا الوهم نظير الذي ينزلق فيه الناس  بزعم المودة أو الأطرزة والمسايرة الجماعية، وهو إما جهل بحكم الشرع أو تجاهل له بمبرر العادة والاستجمام وتوهم ضرورة التخلص من الحرارة وخاصة  في الصيف، وهو تأويل وتبرير مرفوض رد عليه القرآن في قول الله تعالى : )وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون([227]

وقد يندرج التساهل بين الأقارب ضمن العادات المؤدية إلى التبرج وتجاهل الحكم الشرعي في ذلك. والأقارب منهم ذوو المحارم وغير المحارم، إذ إبداء الزينة بين الأولين جائز إلى  حدما وذلك بأن تظهر المرأة عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج، فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله فتتصنع له  بما لا يكون بحضرة غيره كما قال ابن مسعود: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلا الزوج، الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب"[228].

ورغم أنه يجوز للمرأة الظهور على المحارم وبزينة محدودة ومقيدة إلا أنه مع ذلك ينبغي التحفظ من تعود إطالة النظر إليها ومراعاة حدود التبرج الذي لا يجوز الظهور به إلا من الزوجة لزوجها. وتعود إطالة النظر أو التكشف لحد التبرج قد يكون ناتجا عن التمادي في مراعاة حال الصغر ونظرة الطفولة وخاصة بين الأبناء والبنات وآبائهم وأمهاتهم أو بين الاخوان وأخواتهم وغيرهم من محارمهن، وهذا نوع من التعود السلوكي أصله سليم، ولكنه ينبغي أن تراعى فيه مراحل النمو والمنهج الاسلامي في تربية الطفل، وذلك تأسيسا على حديث الفصل والتفريق في المضاجع كمرحلة أولية لتغيير العادة المطلقة إلى النظرة المقيدة ولو بين المحارم، وذلك احتياطا لكيلا يقع بعض الغافلين أو ذوي الاستحتاثات الشهوية المفرطة وذوي القلوب المريضة فيما لا تحمد عقباه، وهو  ما تنبه له بعض الفقهاء وكذلك الصوفية على حد سواء كتأسيس على مبدأ الغريزة العمياء  والحياد الشهوي غير المميز. إذ كما يقول القرطبي: "ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته، وزمانه خير من زماننا هذا. فحرام  على الرجل أن ينظر إلى  ذات محرمة نظر شهوة يرددها"[229].

أما الغزالي فيطرح قاعدة عامة في باب التعود وخاصة من جانب النظر قائلا: "ومهما اعتادت العين  رمي البصر إلى كل شيء جميل لم تتحفظ عن النظر إلى ما لا يحل وكذلك سائر الشهوات، لأن الذي يشتهى به الحلال هو بعينه الذي يشتهى به الحرام، فالشهوة واحدة وقد وجب على العبد منعها من الحرام، فإن لم يعودها الاقتصار على قدر الضرورة من الشهوات غلبته، فهذه إحدى آفات المباحات ووراءها آفات عظيمة أعظم من هذه"[230].

فالنظر بغير شهوة إلى المحارم جائز ومباح ولكن في حدود وباحتياطات شرعية، كما أن إبداء الزينة من المرأة لمحارمها جائز ولكن بدون تبرج أو نية سوء وبتمييز بين حدود الزينة الخاصة بالزوج والزينة التي  ليست ذات تأثير شهوي يتعدى وقار القرابة وحياءهم وخاصة المحارم فيما بينهم.

وفي حالة عدم مراعاة هذه الاحتياطات الشرعية وتعود إطالة النظر دون تحفظ مع غياب الوازع الديني من تقوى وورع وطهارة قلب وخيال، فإن الأمر قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه وإلى آفات عظيمة كما عبر بذلك الغزالي، وهي آفات أصبحت شائعة ومتداولة بنسب كبيرة في مجتمعات  غير إسلامية وخاصة في أوروبا المعاصرة التي كثرت فيها فضائح ما يعرف بزنا المحارم كتكريس لأوهام الاباحية الجنسية والعقد الفرويدية من أوديب وإلكترا... إلخ، وهو ما قد يعتبر امتدادا لطائفة مجوسية حاربها المفكرون المسلمون وكشفوا فضائحها وكانت تعرف بالخرمية كما  يقول عنها الغزالي: "فلقبوا بها نسبة لهم إلى حاصل مذهبهم وزبدته، فإنه راجع إلى طي بساط التكليف وحط أعباء الشرع عن المتعبدين، وتسليط الناس على اتباع اللذات وطلب  الشهوات، وقضاء الوطر من المباحات والمحرمــات. وخرم لفظ أعجمي ينبىء عن الشيء المستلذ المستطاب الذي يرتاح الانسان إليه بمشاهدته ويهتز لرؤيته، وقد كان هذا لقبا للمزدكية وهم أهل الاباحة من المجوس الذين نبغوا في أيام قباذ، وأباحوا النساء وإن كن من المحارم وأحلوا كل محظور..."[231]

وأما تكشف غير المحارم فهو من جهة قد يكون جهلا بالحكم الشرعي أو تجاهلا له بسبب الالف والعادة، ويكون بين الأصهار والأحماء خصوصا وكذا الأصدقاء والجيران، يساهم في ذلك الاعتبارات الوهمية كالتنزيل بمنزلة الأخ والأب أو الابن، وذلك على وجه الحقيقة كما كان عليه حال التبني  في الجاهلية.

وهذا الاعتبار ملغي في الشريعة الاسلامية لأنها قد حددت نوع القرابة الذين لا ينبغي الاحتجاب منهم والذين لا يشملهم الحكم اقتضاء بالمخالـفة.

والتكشف  أو الاختلاء بين الأقارب غير المحارم قد نهى الشرع عنه وحذر منه بشدة كما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والدخول على النساء!، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت"[232].

وهذا الحديث قد أفاض في تفسيره الفقهاء والمحدثون، أقتصر  هنا على تفسير القرطبي في المفهم حيث يقول: "المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، أي فهو محرم معلوم  التحريم. وإنما بالغ  في الزجر  عنه وشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لإلفهم بذلك، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة فخرج هذا المخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت أي لقاؤه يفضي إلى الموت، وكذلك دخوله على المرأة قد يفضي إلى موت الدين أو إلى  موتها بطلاقها عنـد غيرة الزوج عليها أو إلى الرجم إن وقعت الفاحشة..."[233].

فقوله "لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لإلفهم بذلك حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة" يوافق مبدأ العادة وسلطة الجماعة في ترسيخها حتى قد يتجاهل بذلك حكم الشرع وأسباب المرض المضر بالصحة الاجتماعية رغم العلم بذلك مبدئيا، كالطبيب الذي لا يستطيع الاقلاع عن التدخين لإلفه له وتعوده عليه رغم علمه بضرره وهلاكه بسببه.

ولتفادي هذا الانصياع المرضي للعادة يتدخل الفكر الاسلامي بطبه الشرعي ليؤسس مبدأ كسر العادة بالعادة، وذلك بصرف النفس إلى ما فيه مصلحتها تدريجيا وباستمرار كما يقول الغزالي تلخيصا:

"فإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إلى المقابح فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة والتزمت المواظـبة عليه، بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع  يضاهي الميل إلىأكل الطين، فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة. فأما ميله إلى الحكمة وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته فهو كالميل إلى الطعام والشراب، فإنه مقتضى  طبع القلب فإنه أمر رباني، وميله إلى مقتضيات الشهوة غريب من ذاته وعارض على طبعه، وإنما غذاء القلب الحكمة والمعرفة وحب الله عـز وجل، ولكن انصرف عن مقتضى طبعه لمرض قد أحل به كما قد يحل المرض بالمعدة فلا تشتهي الطعام والشراب وهما سببان لحياتها. فكل قلب مال إلى حب  شيء سوى الله تعالى فلا ينفك عن مرض بقدر ميله إلا إذا كان أحب ذلك الشيء لكونه معينا له على حب الله تعالى وعلى دينه، فعند ذلك لا يدل ذلك على المرض، فإذا عرفت بهذا قطعا أن هـذه الأخـلاق الجميلة يمكن اكتسابها بالرياضة، وهي تـكلف الأفعال الصادرة عنها ابتداء لتصير طبعا انتهاء"[234].

فالحجاب دواء والتبرج داء، وتعود الدواء يؤدي للصلاح والشفاء كما أن تعود الداء يودي للفساد أو الفناء، إذن فالبقاء للأصلح.


الفصل الثالث

التبرج بين خلفيات الشذوذ

 السلوكي والنفسي


المبحث الأول : مركب المراودة والمكايدة .

يقول الله تعالى : )يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم  حكيم  والله  يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما، يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسـان ضعيفا([235].

وهذا المركب يمثل امتدادا لمركب الجهل المقرر أو التجاهل المبرر ، لكنه يزيد عليه بأنه يتحرك من خلفيات خطيرة جدا وهي المقاصد السلوكية  السيئة  والفاحشة من وراء التبرج أو السفور، وهذا يناقض بصورة كلية ومنافية الغاية الشريفة والبعد الروحي التجريدي والسلوكي الطاهر من وراء الحجاب.

و نظرا لخطورة خلفية مركب المراودة والمكايدة على الأفراد والمجتمع فإنه يكون من الضروري تحديد عناصرها والأسباب المؤدية إلى كثرة حدوثها وانتشارها، خاصة لدى المجتمعات التي لا تلتزم العمل  بالأحكام الشرعية وتطبيقها في سلوكاتها الداخلية أو الخارجية، الفردية أو الأسرية، الاعتيادية أو العرفية.

                أولا : بواعث المراودة من التلميح إلى التصريح :

فالمراودة قد تكون من الرجل للمرأة ومن المرأة للرجل كما يقال: راود فلان جاريته عن نفسها وراودته هي عن نفسه : أي حاولته على نفسه ودعته إليها.[236]

1) المراودة المناقضة لخاصية خلق المرأة :

وإذا كانت مراودة الرجل في أغلب الحالات حسب جرأته ووقاحته تكون بالخطاب الصريح المعبر عن الغاية منها، أو بالتعـبـير السلوكي المباشر لحد المطاردة أو ما يعبر عنه بالتحرش الجنسي، فإنه على العكس من ذلك قد تكون مراودة المرأة الغاوية إشارية وتلميحية أو مكنية، بل قد تصل إلى أن تصبح في بعض الحالات مراودة عملية محدودة في النظـرة والخطرة، والمشية والتمايل، والضرب بالأرجل قصدا ليعلم ما يخفيـن من زينتهن، والمبالغة في السفور والتبرج مع البـروز في الخارج وافتعال المبررات للتقرب من الرجل على مستوى الأنفاس. بيد أن هذا التقارب بخلفياته حينما يطول أمده فإن المراودة لدى المرأة قد تتخطى الإشارة والتلميح إلى الكشف والتصريح. وهذا يمثل القمة في الوقاحة واختراق فضيلة العفة التي على رأسها الحياء والخجل  وخاصة حينما يصدر هذا التصريح من المرأة، إذ الحياء كما يعرفه الغزالي : "هو وسط بين الوقاحة والخنوثة، وقيل في حده إنه ألم يعرض للنفس عند الفزع من النقيصة، وقيل إنه خوف الإنسان من تقصير يقع فيه عند من هو أفضل منه، وقيل إنه رقة الوجه عند إتيان القبائح وتحفظ النفس عن مذمومة يتوجه عليها الحق فيها، وبالجملة فإنه يستعمل في الإنقباض عما يظنه المستحيي قبحا، وهذا الأخير يليـق بالصبيان والنساء. وهو مذموم من العقلاء، والأول جميل من كل أحد...

وأما الخجل فهو فترة النفس لفرط الحياء، وإنما يحمد في الصبيان والنساء دون الرجال.."[237].

وحكم الحياء قد يتسامى في المفهوم الصوفي لما له من بعد روحي إلى مستوى اعتبار الأولى كما يقول ابن عربي مستنبطا من القرآن والسنة النبوية:

"فأما الفرض فالحياء من الله أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، وأما السنة منه الحياء من الله أن تكشف عورتك في خلوتك فالله أولى أن تستحيي منه مع علمك أنه ما من جزء فيك إلا وهو يراه منك، ولكن حكمه في أفعالك من حيث أنك مكلف ما ذكرناه، وقد ورد به الخبر، وكذلك النظر إلى عورة امرأتك وإن كان قد أبيح لك ذلك، ولكن استعمال الحياء فيها أفضل وأولى فيسقط الفرض فيه أعني في الحياء، في مثل قوله "لا يستحيي من الحق" فما يتعين منه فهو فرض عليك ومالا يتعين عليك فهو سنة واستحباب فإن شئت فعلته وهو أولى وإن شئت لم تفعله"[238]

وهذه المعاني قد يستدل عليها عمليا من خلال تطبيقات الرسول صلى الله عيه وسلم للحياء كما يروى "أنه كان في حائط بعض الأنصار مدليا رجليه في بئرها وبعض فخذه مكشوف فدخل عليه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وهو على حاله لم ينتقل عنها حتى دخل عثمان فغطى فخذه وقال: ألا أستحيي ممن استحيت منه ملائكة الرحمن؟!"

وفي رواية البخاري "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قاعدا في مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبتيه أو ركبته فلما دخل عثمان غطاها"[239]

وتندرج ضمن فضيلة العفة وعلى رأس مجموعتها الحياء والخجل  صفات أخرى قد تكون مذمومة بالنسبة إلى الرجل، إلا أنها لاعتبارات العفة والحياء وكاحتياطات لضبط سلوك بعض النساء  تصبح محمودة لديهن وتفيد في تحقيق الغاية من الحجاب والحيلولة دون التبرج وما يمكن أن يترتب عنه.

وهذه الصفات يوردها بعض الصوفية كما يحكي الغزالي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول : "شر خصال الرجال خير خصال النساء: البـخل والزهو والجبن. فإن المرأة إذا كانت بخيلة حفظت مالها ومال زوجها، وإذا كانت مزهوة استنكفت أن تكلم كل أحد بكلام لين مريب، وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء فلم تخرج من بيتها واتقت مواضع التهمة خيفة من زوجها. فهذه الحكايات ترشد إلى مجامع الأخلاق المطلوبة في النكاح"[240]

فغياب الحياء والخجل مع وجود الجرأة والوقاحة والتهور وكذا سلطة المكانة والمال والجمال لدى المرأة، بالإضافة إلى تواضع اجتماعي على فسح المجال لتهيؤ الفرص بالتقريب بين الجنسين دون شروط أو قيود شرعية وقائية قد يحدث شذوذا سلوكيا لدى المرأة تصبح فيها هي المراودة بالمبادرة والمطاردة.

وهذا الشذوذ في سلوك بعض النساء وبواعثه وخلفياته سنجد في القرآن الكريم وصفا لواقعه وتنبيها على خطورته وأبعاده، وذلك من خلال قصة امرأة العزيز ومراودتها لسيدنا يوسف عليه السلام، والتي ابتدأت فصولها الخاصة بالمراودة وتوابعها عند قول الله تعالى:)وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك. قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون([241].

وعند هذه الآية القطعية الدلالة والثبوت والتي تصف لنا قصة واقعية، يجب علينا الوقوف للتدبر واستخلاص العبر التي قد تؤدي بنا إلى وصلها بموضوع الحجاب أو التبرج وخلفياته، إذ من بين أهم أسباب هذه المراودة هو أن التكشف بين غير المحارم مع الخلوة مؤدي إلى تحريك الرغبة الجنسية لدى الرجل أو المرأة  العاديين، وبالتالي فالتجاذب على هذا المستوى واقع  لا محالة، كما أن ظروف هذا التكشف المكانية والامكانية وكذا الزمانية  قد تؤدي إلى النتائج الحتمية وهي الاندفاع الأعمى نحو الاشباع الغريزي دون تحفظ أو تحرز، اللهم إلا إذا كانت توجد عصمة مانعة من الاستجابة إلى هذا الدافع لأحد طرفي المراودة  بحيث ستصبح المراودة فعلا من طرف واحد وليست من طرفين. كما أن محاولة تطبيق غايتها ستكون بمثابة محاولة اغتصاب الآخر، لكنها إذا كانت صادرة من امرأة في حق رجل فهي اغتصاب قمة في الشذوذ. وهذا هو المستوى الذي حاولت امرأة العزيز أن تصل إليه في مراودتها لسيدنا يوسف عليه السلام، الذي  رفض الاستجابة إليها ابتداء وانتهاء.

فالمرأة وإن كانت قد أنزلت سيدنا يوسف عليه السلام منزلة ابنها أو خادمها في بداية حضوره ببيتها كما يقول الله تعالى :)وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا( الآية.

فإن هذا الاعتبار في كلتا صورتيه إما في منزلة الولد أو الخادم، قد ألغته امرأة العزيز من تصورها وعواطفها بسبب طغيان العنصر الشهوي على عقلها ومشاعرها، ولم تراع تلك الرابطة الرحمية المصطنعة كتعويض وتواضع، ولا مكانتها الاجتماعية التي تفرض عليها أن لا تسلم نفسها أو تنزلها لحد مراودة خادمها الذي حسب عرفها الاجتماعي ينبغي أن لا يعامل إلا على سبيل السخرة والاذلال.

والسبب في إلغاء كل هذه الاعتبارات الموضوعية بحسب التواضع الاجتماعي والاعتياد النفسي عليه هو أن الظروف المؤدية للاثارة المباشرة والحتمية متوفرة، إذ الحجاب والتباعد غير قائم بين امرأة طامعة وشغوفة وبين فتى شاب "كان في غاية الحسن والجمال..."

2) شذوذ التواضع الاجتماعي والتصريح بالمراودة عند المرأة :

فهو محكوم عليه بحسب الواقع الاجتماعي القائم آنذاك أن يمكث في نفس المنزل الذي يتعرض فيه للمراودة، لكن رغم هذا الظرف المغري للإستجابة  فإن الشخص المراود ليس إنسانا عاديا منصرفا في سلوكه نحو نفسه وغرائزه، كما أن جماله ليس جمال شهوة أو جسد محض، وإنما هو جمال نوراني بطهارة باطنية أساسها عمق إيمانه بالله الخالق للانسان وغرائزه، والحافظ لأنبيائه وأوليائه من صرف جمالهم المؤصل للبقاء والارتقاء نحو الجمال المؤصل للفناء والاستهلاك أو الهلاك.

ومن هنا كان وعي سيدنا يوسف بجماله وأصالته قارا وحصينا حيث رد على المراودة له بالرفض المطلق لمبتغاها  بقوله : "مـعـاذ الله"، إذ في هذه الاستعاذة كان يوسف عليه السلام مستبصرا غاية الاستبصار وواعيا بخلفيات مراودة امرأة العزيز له وما سيترتب عنها إذا هو استجاب لها".

فالاستعاذة بالله جعلته من جهة لا يستجيب لمراودة المرأة له عن نفسه، ومن جهة جعلها هي التي تظهر على مسرح المبادرة من طرف واحد لحد أن أشهرت بها شعورا أو بغير شعور. وهنا ظهر الشذوذ في سلوك هذه المرأة من ناحية الحجاب المعنوي الذي أساسه كما قلنا الحياء والخجل، لأنه عوض أن تحتجب المرأة ويظهر الرجل على الساحة في طلب هذا الأمر كسلوك عادي في بيئة لا تلتزم الحياء العام ولا تراعي الضوابط الشرعية في ترسيخه، فقد احتجب الرجل لأنه محفوظ ومعصوم بالله، وظهرت المرأة وتبرجت في حسها ومعناها ومناها، لأنها اخترقت حدود شرع الله. لكنها في تبريرها لتبرجها وافتضاحها داخل بيتها وتسرب أخبارها إلى غيرها أرادت أن ترفع الحجاب كليا من الاشاعة إلى الاذاعة علها تجد العذر لنفسها فيما تلام عليه من مراودتها للرجل المستعصم، وهذا ما أخبر  به القرآن الكريم وفهمناه من قول الله تعالى : )وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين، فلما سمعت بمكرهن أرسلت  إليهن وأعتدت لهن متكئا و آتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن، فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم.! قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكون من الصاغرين([242].

ومسألة الشغف له ارتباط بالحجاب على وجه ما لأنه عبارة عن اختراق لحجاب معنوي استعير له بمصطلح حسي كما يفسره الرازي بأن : "الشغاف فيه وجوه، الأول أن الشغاف جلدة محيطة بالقلب يقال لها غلاف القلب. يقال : شغفت فلانا إذا أصبت شغافه، كما تقول: كبدته أي أصبت كبده. فقوله "شغفها حبا" أي دخل الحب الجلد بالقلب، ومعنى إحاطة ذلك الحب بقلبها هو أن اشتغالها بحبه صار حجابا بينها وبين كل ما سوى هذه المحبة..."[243].

وهذا التفسير صوفي إلى حدما من حيث اعتبار الحجاب المعنوي وعلاقته بالحجاب الحسي من جهة قوة الانشغال أو ضعفه كما سبق وعبرنا  على لسان الصوفية وآرائهم مرارا.

وبما أن الحجاب المعنوي ذا الخلفية الحسية التي تعلقت بها امرأة العزيز  في نظرتها إلى جمال يوسف عليه السلام، قد طغى على وعيها حتى أذاعت عنه بنفسها وأمام الملأ وبعد أن بررت عمليا سبب شغفها به لدى النسوة اللاتي أدركنه من خلال ظواهر كلامها وسلوكاتها، فإنها ستمارس المراودة بلغة التهديد والضغط ـ أي استعمال القوة الغضبية وأدواتها في تحقيق الرغبة الشهوية ـ، وهذه كلها من مظاهر النفس الأمارة بالسوء التي يرى فيها الصوفية أنها تمثل الطابع الحيواني في وظائفها وغاياتها وتشمل الجانب المذموم أو المعلول من أوصاف البعد.

ومن هنا فكان التعارض  شديدا بين رغبة امرأة العزيز وموقف يوسف عليه السلام الذي نفسه من جنس النفس المطمئنة بالايمان بالله على مستوى النبوة والتي تمثل أعلى مستوى في معرفة النفس وأحوالها وظواهرها.

فالنفس الأمارة بالسوء قد تجمع في تحقيق رغبتها بين استعمال غضب الشهوة أو شهوة الغضب. ولهذا كانت شر النفوس سواء لدى الرجال أو النساء، لكنها لهذا الاقتران الشهوي الغضبي قد توجد عند صنف من النساء أكثر من الرجال، مع العلم أن معرفة نفس المرأة لدى الرجل  تتحدد من خلال معرفته بنفسه وليس العكس بالنسبة إلى المرأة ، لأنها كما سبق وقلنا جزء من كل بينما الرجل في الأصل كل لجزء. ولهذا فكما يقول أبو طالب المكي : "أن النساء على أوصاف النفس، من عرف صفات النفس عرف بها أوصاف النساء وقاساهن بالتجربة والخبر عرف بذلك صفات النفس. فمنهن المسولة وهي أدناهن ومنهن الأمارة بالسوء وهي شرهن لا تستر من الأذى ولا تني عن خلق السوء والبذاء، ومنهن بمنزلة النفس اللوامة وهي من صالحي النساء، ومنهن المطمئنة المرضية وهذه هي الصالحة الخيرة الساكنة الراضية".[244]

فامرأة العزيز في مراودتها ليوسف عليه السلام جمعت بين صفات المسولة والأمارة بالسوء التي تمظهرت خصوصا بعدم التستر من الأذى أو التراجع عن خلق السوء والبذاء المنافي للحياء والخجل وفضيلة العفة، لحد أنها قالت أمام الملأ من النسوة فيما يقصه الله عنها: )فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم  ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين([245].

وفي هذه الآية يتأكد باعتراف امرأة العزيز الصريح أن المراودة كانت من طرف واحد، أما الطرف الآخر فقد استعصم، وهذا الوصف بعبارته يتطابق مع أصل العصمة التي تخص الأنبياء والرسل في أقوالهم وسلوكهم ومن أهمها : العصمة في المجالات الشهوية.

وهذا الاعتراف قد تم بصريح العبارة على مستويين: المستوى الأول في حضرة صاحبات سرها ولائماتها في هذا الشأن، واللاتي سيتبرأن من مراودتهن له في حضرة الملك، مما  سيدفعها إلى تكرار اعترافها وذلك على مستوى ثان هو القضائي أو الحكمي الفاصل، كما يقصه علينا القرآن الكريم عن ملك مصر ومساءلته للنساء )قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف  عن نفسه، قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء، قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا روادته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي  كيد الخائنين([246].

وكأن هذا الاعتراف الثاني جاء على سبيل الاستدراك والاستعجال لتفادي شهادة النساء عليها بإقرارها الأول في حضرتهن، مما قد يكون له من الأثر السلبي عليها كعقوبة بدنية أو تنكيل نفسي أكثر مما استوجبته لمبادرتها بالاعتراف على نفسها قبل صدور الحكم من طرف الملك.

بالاضافة إلى هذا فالاعتراف بالمراودة من طرفها سيكون مبرئا بصورة كلية ابتداء وانتهاء لسيدنا يوسف عليه السلام عن أي عمل أو نية سوء، إذ الاقرار سيد الأدلة. وكذلك فيه تصريح ضمني واعتراف أكده الواقع السلوكي لسيدنا يوسف عليه السلام  كبرهان عملي على نبوته وذلك حينما وصفته امرأة العزيز بأنـه "لمن الصادقين"، لأن هذا النعت الأخلاقي من أهم صفات الرسل والأنبياء.

والشهادة لسيدنا  يوسف عليه السلام بهذه الصفة ربما تكون من جهة المعنى الذوقي والبعد الروحي عند التصديق بالأنبياء هي الشافعة لها عند الملك وسبب نجاتها من العقوبة المستحقة إياها بحسب ماكان جاريا به العمل في مجتمعها، وأيضا فستكون هي المزيحة عنها كل تبعات المراودة قبل التصديق بالصديق والتسليم له بطهارته ونبوته لأن "الاسلام يجب ما قبله".

كما أن سيدنا يوسف عليه السلام باستعصامه هذا كان سبب هداية المرأة إلى الصراط المستقيم وعودتها إلى الحقيقة التي ينبغي أن تعتبرهـا أية امرأة تميل نفسها إلى هذا الشذوذ السلوكي. وهذا الاهتداء يظهر على اعتبار أن المتحدثة هنا هي امرأة العزيز حينما يقول الله تعالى حكاية عنها )ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين(.

                ثانـيـا : المكايدة بين الباعث الشهوي والمنصب الاجتماعي .

1/ المحورية الشهوية في المكايدة النسوية :

وعند ربط المراودة بالمكايدة فإننا سنجدهما متكاملتين لتكريس أسوأ الخلفيات المركبة للتبرج الجاهلي.

 لأن الذي يسعى للوصول إلى هدف ما ويرى أنه لا  يتيسر له بالأسلوب البسيط فقد يسعى إلى المكر والخداع والمراوغة للتحصل عليه.

فالكيد يعني المكر والايقاع بالغير خلاف ما يريده ويتمناه، وقد تكرر هذا المصطلح عدة مرات في سورة يوسف خاصة كما أنه يوجد في سور أخرى على معان متقاربة أو مختلفة بحسب السياق الوارد فيه،  لكن في سورة يوسف ستجتمع معانيه على أوجهه المختلفة والمتقاربة معا. وإن كان السعي في الكيد من حيث الجملة واحدا في هدفه ألا وهو الايقاع بالغير أو إهلاكه والمكر به على غير إرادة أو علم له بخطوطه ومخططاته.

فقد ورد مصطلح الكيد في بداية السورة حينما قال سيدنا يعقوب لابنه يوسف عليهما السلام : )يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا، إن الشيطان للانسان عدو مبين([247].

ومعناه هنا كما فسره السيوطي أي : يحتالون في هلاكك حسدا  لعلمهم بتأويلها من أنهم الكواكب والشمس أمك والقمر أبوك[248].

وقال أهل التحقيق فيما أورده الرازي : وهذا  يدل على أنه قد كان  لهم علم بتعبير الرؤيا، وإلا  لم يعلموا من هذه الرؤيا ما يوجب حقدا أو غضبا.

ثم قال : "إن الشيطان للانسان عدو مبين" والسبب في هذا الكلام أنهم لو أقدموا على الكيد لكان ذلك مضافا إلى الشيطان، ونظيره  قول موسى عليه السلام "هذا من عمل الشيطان..."[249].

وبترابط الكيد الانساني بالشيطان يتبين مدى خطورة هذا السلوك المنحرف الذي قد يصدر عن كثير من الرجال والنساء، لكن مما تنبغي الاشارة إليه هو أن كيد الشيطان أضعف من كيد الانسان، لأن الأول كيد على مستوى الخاطر بينما الثاني يتم على مستوى تجسيد الخاطر في الظاهر، وهذا ما يمكن فهمه من خلال مقارنة هذه المستويات الثلاث للكيد وأبعاده.

المستوى الأول وهو قول الله تعالى : )إن كيد الشيطان كان ضعيفا([250] ومعناه كما فسره السيوطي بأن كيده واه لا يقاوم كيد الله بالكافرين، وهذه الحقيقة قد وعاها الصوفية جيدا وهي أن عداوة الشيطان وكيده من الأسباب الداعية إلى زيادة التمسك وترسيخ إيمانهم بالله تعالى والاكثار من ذكره.

وفي هذا المعنى يقول ابن عطاء الله السكندري : "إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده" ويقول أبو العباس المرسي في قول  الله تعالى :)إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا(. فقوم فهموا من هذا الخطاب أنهم أمروا بعداوة الشيطان ، فـشغلهم ذلك عن محبة الحبيب فاشتغلوا بمحبته فكفاهم من دونه. وقال بعض الصوفية "الشيطان منديل هذه الدار يعني يمسح به أقذار النسب وهي نسبة الشرور وأنواع المعاصي والفساد إليه أدبا مع الله عز وجل، وهذا سر إيجاده كما قال الله تعالى : )وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره( وقوله )هذا مـن عمل الشيطان( وأما أن له حولا وقوة يضربها أو ينفع فلا "[251].

ومن هنا فكان اللجوء إلى الله تعالى والاكثار من ذكره أهم مسلك ووسيلة للتحقق العملي التجريـبي من أن كيد الشيطان ضعيف، وإلا فقد يتحول عند الغفلة عن الله إلى محدد للسلوك لدى كثير من الناس بسبب اتباع خطواته والخضوع لوسوساته كما  يقول الصوفي :

                أشكو عدوا كيـده براني  ***  ولا أراه حيثما يـرانــي

                وعندما أنسـاه لا ينساني ***  يا سيدي إن لم تغث سباني

وعن عدم  رؤية الشيطان وتوهم صعوبة مقاومة كيده مع أنه على العكس من ذلك يرى الانسان، فإن الصوفية يجدون الحل سريعا لهذه المشكلة بناء على قاعدة : "إن كنت لا ترى الشيطان من حيث يراك فإن الله يراه من حيث لا يراه".

ومن هنا يبدو سر ضعف وسوسة وكيد الشيطان بالنسبة إلى المقبلين على الله تعالى كما يقول ابن عطاء الله السكندري : "جعله لك عدوا ليحوشك به إليه وحرك عليك النفس ليدوم إقبالك عليه"[252].

أما المستوى الثاني، فهو يتمثل في كيد الانسان لأخيه الانسان وذلك على سبيل التغاضب والتحاسد والتعادي، وهو يأخذ صورا متنوعة من المكر والخداع للإيقاع بالمكيد له، ولهذا جاء في صيغة مفعول مطلق  لا يتحدد في سلوك معين ولا من أجل سبب واحد يكون مدعاة مقيدة للكيد. ولهذا فهو قد لا يرتبط بالمراودة ارتباطا ضروريا في هذا المقام، وإنما  هو تعبير عن مرض نفسي وسلوكي يمتزج فيه المعنوي بالمادي، إذ يكون محركه إما الحسد في العلم أو الجاه أو المكانة أو السلطة والمال... إلخ.

ونجد هذا الاطلاق في الكيد الانساني العام من خلال قول الله تعالى : )فيكيدوا لك كيدا(، )فكيدوني جميعا ولا تنظرون(، )إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا(.

ومن هنا فالرجال والنساء سواء في هذا الموضوع طالما أن النفس مريضة والهوى متبع والحسد موجود، بل ربما يكون الرجال أعظم كيدا في هذا الاطلاق والتعميم في صوره، لأنهم أقدر على ركوب المخاطر والفتك والمغامرة والمقامرة والسطو وما إلى ذلك مما تعجز النساء عن القيام به أو الاقدام عليه، لأنوثتهن وضعفهن بالنسبة إلى الرجال في أغلب الأحوال.

ونصل إلى المستوى الثالث من المكايدة وتحديد أصحاب الريادة فيها، فنجده يعرف خصوصية في تحديد الكيد وتقييد وصفه مع اعتباره في نفس الوقت جنسا تدخل تحته أنواع من الكيد لا يعرف منها إلا ظواهرها أو بعضا منها، كما يمكن فهمه من خلال قول الله تعالى حكاية عن الشاهد من أهل امرأة العزيز )فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم([253].

وتتأكد هذه الخصوصية أيضا في تكرار مصطلح الكيد الخاص  بالنساء وخطره على الرجل بنسبته إلى اللاتي تحدثن في موضوع يوسف وامرأة العزيز، واعتباره كيدا جماعيا قد تتواطأ عليه أكثر من امرأة حينما يتعلق الأمر بالموضوع الشهوي وذلك في الآيات الآتية : )قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين، فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن، إنه هو السميع العليم(، )وقال الملك ائتوني ب فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم(

إن التركيز على مصطلح الكيد وفي  هذا الموضوع بالذات، له دلالات وإشارات تؤكد خصوصيته  لدى النساء اللواتي يفتقدن فضيلة العفة وضوابط الصلاح، قد نجد لدى المفسرين مفاهيم حوله من بينها ما ذهب إليه الرازي الذي يأخذ كثيرا من آرائه وتفسيراته، خاصة حينما يتعلق الأمر بحكم سلوكي وأخلاقي من الصوفية، فيقول في معنى الآية)إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم(:

"فإن قيل : إنه تعالى لما خلق الانسان ضعيفا فكيف وصف كيد المرأة بالعظم وأيضا فكيد الرجال قد يزيد على كيد النساء، والجواب عن الأول أن خلقة الانسان بالنسبة إلى  خلقة الملائكة والسموات والكواكب خلقة ضعيفـة،  وكيد النسوان بالنسبة إلى كيد البشر عظيم ولا منافاة بين القولين، وأيضا فالنساء لهن في هذا الباب  من المكر والحيل ما لا يكون للرجال ولأن كيدهن في هذا الباب يورث من العار ما لا يورثه كيد الرجال"، وهذا ما يفسر أيضا وصف القرآن لهذا النوع من الكيد بكيد الخائنين.

والصوفية وعيا منهم بخطورة هذا الكيد وآثاره السلبية على سلوكهم وسمعتهم إن وقع في شراكه أحدهم عن غفلة منه، أو ترك لبعض الاحتياطات في معاملة النساء الأجنبيات، فإنهم دائما كانوا يوصون بالابتعاد عن مواطن الشبهات خوفا من الافتضاح، كما يقول أبو القاسم القشيري : "ومن  شأن  المريد من طريق سالكي هذا المذهب ترك  قبول رفق النسوان فكيف التعرض لاستجلاب ذلك، وعلى هذا شيوخهم وبذلك نفذت وصاياهم، ومن استصغر هذا فعن قريب يلقى ما يفتضح فيه"[254].

ويقول الشعراني : "ومن آدابهم البعد عن مواطن التهم، وليس من طريقهم مؤاخاة النسوان والأحداث ولا مكالمتهم لغير ضرورة، وما قال بإباحة النظر إلى المستحسنات التي نهى الشارع عنها إلا قوم فجار خرجوا عن الطريق ولبسوا على العامة بلبس الزي، حتى ظن من لا معرفة له بميزان الشريعة أنهم من الأولياء مع أنهم أفسق الفاسقين... وهو على جانب عظيم من الكسل والفتور عن الخير وكل من رأى زيهم الذي لبسوه وتقصير ثيابهم وصف شواربهم وتصغير عمائمهم وإرخاء عذبتهم تمشيخا لا اتباعا للسنة اعتقدهم ظاهرا..."[255]

ويعرض الغزالي صورا لهذا التمنع لدى الصوفية عن الاستجابة لمراودة بعض النساء والابتعاد عن الوقوع في شرك كيدهن وذلك بالاعتبار بقصة سيدنا يوسف وامتناعه من زليخا مع القدرة ومع رغبتها، فكان إماما لكل من وفق لمجاهدة الشيطان في هذه الشهوة، ومن بين هذه الصور يقول الغزالي :

 "روي أن سليمان بن يسار كان من أحسن الناس وجها فدخلت عليه امرأة فسألته نفسه فامتنع عليها وخرج هاربا من منزله وتركها فيه، قال سليمان : فرأيت تلك الليلة في المنام يوسف عليه السلام وكأني أقول له أنت يوسف،  قال : نعم أنا يوسف الذي هممت وأنت سليمان الذي لم تهم أشار إلى قوله تعالى : )ولقد همت به وهم بها لولا أن رآى برهان ربه(.

وعنه أيضا ماهو أعجب من هذا، وذلك أنه خرج من المدينة حاجا ومعه رفيق له حتى نزل بالأبواء، فقام رفيقه وأخذ السفرة وانطلق إلى السوق ليبتاع شيئا وجلس سليمان في الخيمة، وكان من أجمل الناس وجها وأورعهم، فبصرت به أعرابية من قلة الجبل وانحدرت إليه حتى وقفت بين يديه وعليها البرقع والقفازان فأسفرت عن وجه لها كأنه فلقة قمر، وقالت : أهنئني. فظن أنها تريد طعاما فقام إلى فضلة السفرة ليعطيها فقالت : لست أريد هذا إنما أريد ما يكون من الرجل إلى أهله، فقال جهزك إلي إبليس، ثم وضع رأسه بين ركبتيه وأخذ في النحيب فلم يزل يبكي ، فلما رأت منه ذلك سدلت البرقع عن وجهها وانصرفت راجعة حتى بلغت أهلها. وجاء رفيقه فرآه وقد انتفخت عيناه من البكاء وانقطع حلقه فقال : ما يبكيك؟ قال خير ذكرت صبيتي، قال : لا والله إلا أن لك قصة إنما عهدك بصبيتك منذ ثلاث أو نحوها، فلم يزل به حتى أخبره خبر الأعرابية فوضع رفيقه السفرة وجعل يبكي بكاء شديدا، فقال سليمان : وأنت ما يبكيك ؟ قال أنا أحق بالبكاء منك لأني اخشى أن لو كنت مكانك لما صبرت عنها فلم يزالا يبكيان، فلما انتهى سليمان إلى  مكة فسعى وطاف ثم أتى الحجر الأسود فاحتبى بثوبه  فأخذته عينه فنام، وإذا رجل وسيم طوال له شارة حسنة ورائحة طيبة، فقال له سليمان : رحمك الله من أنت ؟ قال له : أنا يوسف، قال : يوسف الصديق؟ قال :  نعم، قال إن في شأنك وشأن امرأة العزيز لعجبا. فقال له يوسف : شأنك وشأن صاحبة الأبواء أعجب "[256].

وهذه القصة تجمع بين المراودة والمكايدة وتؤكدها كأسوء خلفيات للتبرج والسفور، إذ أن إسفار المرأة عن وجهها وفي خلوة مع رجل أجنبي مع ما سبقه من مراقبة وترصد لحد التجرؤ على المبادرة واغتصاب مكان الآخر بالحضور فيه من غير سبب معلوم أو مطلوب لم يكن إجراء عاديا وسليما  أو لضرورة، وإنما كان لغاية سيئة عبرت عنها كناية ثم أكدتها صراحة.

غيرأن حال المرأة في هذه القصة يختلف عن حال امرأة العزيز في مراودتها وكيدها لسيدنا يوسف عليه السلام لأنها لم تجمع بين سلطة الجمال والمال، وكذا سلطة المكانة الاجتماعية وإصدار الأوامر لحد إدخال الآخر إلى السجن أو تعذيبه إذا لم ينفذها، ولهذا فالأعرابية لم تتجرأ على الهم بسليمان بن يسار من هذا الباب حتى يهم بها على أي وجه كان، وإن كان بإمكانها أن تفعل ذلك تحت تأثير غرور سلطة الجمال، لكن امتناعه عن الاستجابة لها جعلها تفقد ثقتها في جمالها وتأثيره على شهوة الآخر وبالتالي تنصرف دون تخطي عتبة المراودة والمكايدة باللسان والسفور إلى حد التطاول بالجسد على سبيل الاكراه في تحقيق الرغبة الشهوية، لأنها قد تتوقع في الغالب حسب ما يقتضيه الرفض في هذه الحالة ردا عنيفا معاكسا لغايتها وهو الإيلام بالضرب أو الصرف بالدفع والزجر وما إلى ذلك.

لكن حال سيدنا يوسف عليه السلام قد عرف موقفا وظرفا أشد من موقف وظرف الأعرابية مع سليمان بن يسار، لأنه لما همت به امرأة العزيز وهم بها كان هو المنصرف وكانت هي الملاحقة له، وهذا أصعب موقف وحال كان عليه سيدنا يوسف عند مجابهتها وتحديه لها بمعارضة إلحاحها في تحقيق مبتغاها السيء رغم سلطتها الاجتماعية وقوتها في إصدار الأوامر وتنفيذها  كما تقتضيه في الغالب علاقة العبد مع سيده أو سيدته، بالاضافة إلى توظيفها لسلاح الجمال والتزين والسفور وافتعال الخلوة.

ولهذا فقوله لسليمان بن يسار حسب رؤياه "شأنك وشأن صاحبة الأبواء أعجب" كان بمثابة تربية له وتزكية لسلوكه ومستواه، إذ يمكن تفسيره بأنه أعجب بالنسبة لمن هم في مقامك من الصلاح والولاية، وليس بالنسبة إلى من هم في مقام النبوة والرسالة لأنهم أهل العصمة من جهة ولأنهم "أشد الناس بلاء" .

                2 /خاصية الايمان في صرف الهم الشهوي بالغضبي :

وعند قول الله تعالى : )ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه(  نقف لنستخلص المعنى اللائق بكلمة "هم بها"، خاصة وهو الموضوع الذي شغل حيزا مهما في نقاش العلماء والمفسرين، وفهم لدى البعض فهما ناقصا يعبر عن نقص وعيهم بمعنى النبوة وخصوصيتها في معالجة مثل هذه المشاكل والابتلاءات.

لكن الذي  سيكون في نظرنا أكثر المعاني ترجيحا لكلمة "هم بها" هو ما نجده من التوافق  والتقارب الذي تواطأ عليه بعض الفقهاء والمتكلمين والصوفية في آن واحد لتفسيرها.

فمن بين الفقهاء نجد مثلا ابن حزم يقول في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" : "وأما قوله   )همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه(  فليس كما ظن من لم يمعن النظر حتى قال من المتأخرين من قال أنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة، ومعاذ الله من هذا أن يظن برجل من صالحي المسلمين او مستوريهم فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم..، لكن معنى الآية لايعدو أحد وجهين : إما أنه هم بالايقاع بها وضربها كما قال تعالى: )وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه.( وكما يقول القائل، لقد هممت بك. لكنه عليه السلام امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها، وعلم أن الفرار أجدى عليه وأظهـر لبراءتـه على ما ظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بأمر قد القميص.

والوجه الثاني : أن الكلام تم عند قوله :"ولقد همت به"، ثم ابتدأ تعالى خبرا آخر فقال )وهم بها لولا أن رأى برهان ربه(. وهذا ظاهرالآية بلاتكلف تأويل وبهذا نقول"[257].

أما الرازي كمفسر ومتكلم فيقول عن المقام الثاني في الكلام على هذه الآية "سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنـا نقول : إن قوله "وهم بها" لايمكن حمله على ظاهره لأن تعليق الهم بذات المرأة محال. لأن الهم من جنس القصد، والقصد لايتعلق بالذوات الباقية، فثبت أنه لابد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم وذلك الفعل غير مذكور –فهم- أي المنازعين في هذا التفسير – زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة بها، ونحن نضمر شيئا آخر يغاير ماذكروه. وبيانه من وجوه : الأول : المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح، لأن الهم هو القصد، فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به. فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة والتنعم والتمتع، واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقال : هممت بفلان : أي بضربه ودفعه.

فإن قالوا فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله : "لولا أن رأى برهان ربه" فائدة قلنا : بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين : الأول أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا  للنفس عن الهلاك. والثاني : أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه، فربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام، وكان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الخائن، ولو كان ثوبه ممزقا من خلف لكانت المرأة هي الخائنة. فالله أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هربا عنها حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية"[258].

أما محيي الدين بن عربي الصوفي فيحكي في "الفتوحات المكية" على شكل محاورة بينه وسيدنا يوسف عليه السلام : "فقلت له : فالاشتراك في إخبار الله عنك إذ قال : "ولقد همت به وهم بها" ولم يعين فيماذا يدل في اللسان على أحدية المعنى فقال : ولهذا قـلت للملك على لسان رسوله أن يسأل النسوة وشأن الأمر، فما ذكرت المرأة إلا أنها راودته عن نفسه وما ذكرت أنه راودها فزال ما كان يتوهم من ذلك، ولما لم يسم الله في التعبير عن ذلك أمر ولا عين في ذلك  حالا،  فقلت لابد من الاشتراك في اللسان قال : صدقت، فإنها همت بي لتقهرني على ما تريده مني وهممت أنا بها لأقهرها في الدفع عن ذلك ، فالاشتراك وقع في طلب القهر مني ومنها ولهذا قال "ولقد همت به" يعني في عين ما هم بها وليس إلا القهر فيما يريد كل واحد من صاحبه .دليل ذلك قولها "الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه" وما جاء في السورة قط أنه راودها عن نفسها،فأراه الله البرهان عند إرادته  القهر  في دفعها عنه فيما تريده منه ، فكان البرهان الذي رآه أن يدفع عن نفسه بالقول اللين كما قال لموسى وهارون : )فقولا له قولا لينا( أي لا تعنف عليها وتسبها، فإنها امرأة موصوفة بالضعف على كل حال"[259].

فالهم الصادر عن المرأة حسب تفسير ابن عربي كان  محاولة لقهر سيدنا يوسف عليه السلام بالاكراه البدني على المستوى الشهوي، وهذا في الحقيقة  يعبر عن جهلها الفادح بشخصية سيدنا يوسف وبغريزته الفطرية وبالتالي جهلها بسر جماله ذي الأصل النوراني الإيماني وليس الشهواني الحيواني، إذ أنها كانت تظن أن المحدد للاستجابة الشهوية وحتميتها هو مجرد التبرج أو الاثارة بالمراودة والمطاردة.

فالاستجابة من هذا النوع بهيمية إلى حدما إذا كانت خالية من أية ضوابط أو اعتبارات معنوية مستندة على القواعد الشرعية. ولهذا فكان رفض الاستجابة من طرف سيدنا يوسف عليه السلام وهمه بضرب تلك المرأة بحسب التفسير السابق عبارة عن قهره للباعث الحيواني بالباعث الملكي النوراني الذي يجعل من كل حركة أو سكنة أو سلوك تسبيحا لله تعالى، كما سيكون في تصوره أو اعتقاده أن كل استجابة انسانية من جهة الباعث الحيواني المحض دون الاعتبار الروحي والعرفاني فيه هو حط من كرامة الانسان وانصراف عن المقام الأعلى نحو ما هو أسفل وداني، وبالتالي استبدال الجهل بالعلم، وهذا ما سيؤكده سيدنا يوسف حينما فضل السجن البدني بالإيلام والتعذيب على أن يسجن ببدنه في رحى اللذة والشهوة القاتلة للروح والسالبة لنورانية الايمان والصديقية، وهو ما نجده يرد به حينما خير بين السجن أو الاستجابة لرغبة المرأة المدمرة فقال : )رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا  تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين([260].

وإذا كان مقام النبوة يستعلي على مثل هذه المراودة وما يصحبها من مكايدات ويتحداها بالقهر المضاد لغاياتها وخلفياتها، فإن مقام الخصوصية بالنسبة إلى من هم أقرب إلى الأنبياء كالأولياء الصديقين والصالحين ومن في درجتهم من المقربين قد  يمكن لهم أن يقهروا مراودة ومكايدة النساء بضبط البواعث الشهوية في أنفسهم والتمنع من الاستجابة لهن. وهذا الامكان قد بشر به النبي صلى الله عليه وسلم واعتبر المحققين له من السبعة الخواص الذين يظلهم الله في ظله ومن بينهم "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها، فقال إني أخاف الله"[261].

وهذا الحديث يبين الامكانين على أعلى مستوى للتباعد بين الموقفين وهو إمكان الامتناع عن الاستجابة للاغراء الشهوي رغم قوة السلاح الموظف فيه، وهو قوة المنصب والجمال. والامكان الثاني وهو الاستجابة من طرف بعض النساء إلى إغراء نفس القوة المؤدية إلى الطغيان وفقدان صفتي الحياء  والخجل  وكل أركان فضيلة العفة.

فالمنصب يحتمل معاني مختلفة كلها تؤول إلى أن تصبح سلطة، إما على مستوى الاكراه المعنوي بالاستلاب الذهني الخيالي والعاطفي الغريزي، وإما على مستوى الاكراه البدني عن طريق الإيلام الجسدي والتهديد بالسجن والمضايقة للحرية وكذا الاتعاب بالمطاردة والمكايدة... إلخ.

وكلا وجهي السلطة النسوية قد تدخل تحتها مكايدات بحسب مستويات موافقة أو مخالفة المكيد له في مرادهن. وهذا الصنف من النساء هو الذي يمكن اعتبـار دخولهن في حكم أهل الفتنة كما ورد في الحديث النبوي الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء"[262].

فتخصيص بعض النساء كوصف بالكيد العظيم مصدره هو الضرب بكل ما أوتينه من قوة مكتسبة على أوتار الشهوة لاثارة الرجل، بينما يتأرجح مستوى هذه المكايدة بين حيل الاستعطاف والاستدراج للإيقاع في الشراك أو الكمائن الشهوية وذلك في حالة غياب قوة المنصب أو حتى الجمال، وبين ممارسة الضغط بالتهديد وتوظيف القوة الغضبية لاخضاع الآخر إلى الاستجابة الشهوية.

أما في الحالة الأولى فتكون مراودة ومكايدة المرأة بمثابة تعبير عن الضعف أو النقص  الذي تعاني منه كواقع جسدي اتجاه الرجل، إذ أن ضعف قوتها يؤثر على ضعف مبادرتها بالإفصاح عن مبتغاها مما يضطرها إلى استعمال الحيل والمكائد للوصول إليه.

وعلى العكس من ذلك فالرجل وإن كان بدوره يمارس الكيد في هذا الباب إلا أنه يبقى قاصرا عن ملاحقة مستوى المرأة وذلك لاستغنائه في كثير من الأحيان عن ممارسة مثل هذه الأساليب في مطاردته للمرأة الضعيفة على كل حال كما عبر بذلك ابن عربي فيما سبق، لأنه بحسب اغتراره بقوته الجسدية أو مركزه الاجتماعي كدافع ثانوي بالنسبة إليه قد تكون قوته وجراءته على المبادرة ومعاكسة المرأة هي الدافع له لأن  يصل في بعض الأحيان إلى درجة المعاكسة الحمارية أو الكلبية بالإفصاح والإفتضاح.

ومن خلال هذه التحاليل  التي يشهد لها واقع كثير من النساء والرجال فإن المرأة تبقى وإن كانت ضعيفة من جهة الجسد أقوى من الرجل إذا اجتمعت لديها عناصر القوة الاجتماعية  المعبر عنها في الحديث بالمنصب، ولهذا فامرأة العزيز لولا اغترارها بهاتين السلطتين لما تجرأت على مراودة سيدنا يوسف إلى حد الهم به وتهديده بالسجن إن هو لم يستجب لرغباتها.

ومن هنا فسلطة المرأة التي لا تحتكم إلى الضوابط الشرعية المحددة لمستوياتها وظروف تطبيقها قد تصبح وبالا على المجتمع، وخاصة من هذا الجانب الشهوي الذي تتلازم في تحقيقه المراودة والمكايدة بالنسبة إلى النساء اللواتي لا يلتزمن بالاسلام وأحكامه. وهذا ما يمكن فهمه من خلال قول النبي صلى الله عليه وسلم "لن يفلح قوم ولوا عليهم امرأة".[263]

وهذا ليس ناتجا عن عدم كفاءتها في إدارة شؤون الدولة أو الاقليم فقط سـبق وبينا سببه، وكذلك لما تتميز به من ضعف في ممارسة قوتها الغضبية فتعوضه بالمراودة والمكايدة الشهوية، وذلك في حالة عدم انضباطها بالأحكام الشرعية وضعف إيمانها بالله تعالى الذي هو الأصل في فهمها لمعنى الحجاب وسبب فرضه عليها، وأيضا في حالة ضعف ضبط الرجل لها من جهة أنه أقوى منها جسدا وسلطة ومرآتها التي  بواسطتها تصلح نفسها وتحدد أسلوب وطراز لباسها.

لكنها ما أن تفقد هذا الضابط العقدي والشرعي المتمثل في اعترافها بقوامة الرجل عليها من جهة سلطة البيت وسلطة الدولة حتى تصبح المبادرة في المراودة مع إضافة سلطة المكايدة، مما يعني الاختراق والاحتراق. وهذا ما يلاحظ على مجتمعات في عصرنا أصبحت المرأة فيها صاحبة المبادرة والريادة السياسية، بل أصبح الرجل هو المسخر في حماية هذه المظاهر المشينة لعرضه ونسبه والمهددة لأسرته ومجتمعه، وهو ما سبق وحذر من ظهوره رسول الله صلى الله عليه وسلم  حينما قال : "صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"[264].

وورود الصنفين معا في هذا الحديث على سبيل الذم إشارة -والله أعلم- إلى غياب سلطة الرجال أو تواطؤهم مع هذه الظواهر بحماية الكاسيات العاريات والتعرض بالضرب  أو الزجر لمن يعترضهن أو يعارضهن على سبيل النهي عن المنكر باليد أو اللسان.

وفي حالة طغيان هذا التواطؤ الجماعي على التبرج المدعم بسلطة المناصب سواء عند النساء أو الرجال فإنه ستترتب عنه مركبات متداخلة ومن أبرزها مركب التغاير والديوثية.


المبحث الثاني : مركب التغاير والديوثية .

أولا : خلفيات الغرور والتغاير.

وهذه الخلفية لها مقدمة ونتيجة، فمقدمتها حالة نفسية ومرض أخلاقي داخلي عبرنا عنه بالغرور وما يندرج في صفه من الرذائل كالعجب والكبر والرياء وحب الظهور والرياسة والحسد.

أما نتيجتها فهي حالة سلوكية  ظاهرية عبرنا عنها بالتغاير الذي يتمظهر على صورة منافسة غير محمودة، وتصعيد للغيرة في غير محلها قد تؤدي إلى عكس غايتها وهي : الوقوع في شرك التبرج بدافع المعاندة والمنافسة والرد بالمثل، إلى أن تتورط المرأة في دوامة التحاسد والتباغض لحد خلع الحجاب حسا أو معنى، كما يقول الغزالي عن الحسد بأنه "قد يعظم  في الشخص ويـقوى قوة لا يقدر معها على الاخفاء والمجاملة، بل ينتهك حجاب المجاملة وتظهر العداوة بالمكاشفة"[265].

1/ التبرج بالغرور والتسـويف المستقبلي :

والغرور باعتباره مقدمة للتغاير وخلفية للتبرج قد يكون على مستوى الأعمال  والآمال  والجمال.

أما الغرور بالأعمال فهو ناتج عن رؤية النفس وحظوظها عند القيام بالطاعات وتطبيق الشعائر  الدينية، وهذا النوع من الغرور يتداخل مع موضوع العجب ويرتبط به بشدة، قد يصل مستواه إلى حد الإدلال بالعمل، والذي عرفه المحاسبي بأنه الرجاء الذي زايله الخوف. بحيث أن بعض النساء بمزاولتهن وقيامهن ببعض الأعمال الدينية الظاهرية قد يشبنها بصور من العجب النفسي والاستشعار بأنهن موفيات ما عليهن من واجبات على أكمل وجه وأحسنه، فيغترن بهذا الموقف النفسي لحد أن يهملن القيام بالوظائف الأخرى الواجبة عليهن، إما استسهالا أو رجاء وتمنيا في غير محله، وهو المنهي عنه شرعا كما في قول الله تعالى: )فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولايغرنكم بالله الغرور(، )ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني(. وقول النبي صلى الله عليه وسلم : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله"[266].

وعن الإدلال بالعمل والإغترار به لحد الوقوع في التبرج من هذا الباب يورد المحاسبي قصة عن امرأة من المهاجرات قالت وهي عند عائشة رضي الله عنها : بايعت  رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أشرك ولا أسرق ولا أزني ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان أفتريه  بين يدي ورجلي ولا أعصيه في معروف، فوفيت لربي عز وجل ووفى لي، فوالله لا يعذبني ربي.

فأتيت في النوم فقيل لها أنت المتألية على الله ألا يعذبك؟ فكيف بقولك فيما لا يعنيك، ومنعك ما لا يعنيك؟" .

وفي حديث آخر "أنه أتاها ملك فقال لها كلامك تزجين وزينتك تبدين، وخيرك تكدين، وجارك تؤذين وزوجك تعصين"،  ثم وضع أصابعه الخمس على وجهها فقال : خمس بخمس ولو زدت لزدناك.

قال: فأصبحت وأثر الأصابع في وجهها..."[267].

وهذه القصة قد أوردها ابن قيم الجوزية في كتاب "الروح" رواية عن الحارث بن أسد المحاسبي وأصبغ وخلف بن القاسم وجماعة عن سعيد بن مسلمة بصيغة  "كلا إنك تتبرجين، وزينتك تبدين..."[268].

وقد تضمنت إحدى أهم الخلفيات وراء تبرج كثير من النساء رغم ادعائهن الالتزام بالعمل الشرعي الظاهري، لكن إغفالهن للمراقبة الباطنية أدى بهن إلى الوقوع في هذا الخطأ والمتمثل في الاغترار ببعض الأعمال على حساب الأخرى من باب العجب والغرور.

أما الغرور بالآمال فهو قريب من الغرور بالأعمال إلا أنه لا يستند عليها ابتداء وإنما يرتكز على مبدأ التسويف  أو توقع التغيير المستقبلي على سبيل التأجيل في تطبيق الأحكام الشرعية، وهو غرور  صادر في أكثر الأحيان من عوام المسلمين وعصاتهم، ويعرفه المحاسبي بأنه "خدعة من النفس والعدو، يذكرون -أي المغرورين- الرجاء والجود والكرم يطيبون بذلك أنفسهم فيزدادون بذلك جرأة على الذنوب،  فيقيمون على معاصي الله يظنون أن ذلك رجاء منهم..."[269].

ويقول الغزالي عن الفرق بين الرجاء والأمنية "أن  الرجاء يكون على أصل، مثاله من زرع زرعا واجتهد وجمع بيدرا ثم  يقول : أرجو أن يحصل لي منه مائة قفيز فذلك منه رجاء، وآخر لا يزرع زرعا ولا  يعمل يوما  عملا فذهب ونام وأغفل سنته فإذا جاء وقت البيادر يقول: أرجو أن يحصل لي منه مائة قفيز فيقال له من أين لك هذا الرجاء وإنما ذلك أمنية بلا أصل؟ فكذلك العبد إذا اجتهد في عبادة الله وانتهى عن معصية الله تعالى يقول : أرجو أن يتقبل الله مني هذا اليسير  ويتم هذا التقصير ويعظم هذا الثواب ويعفو عن الزلل وأحسن الظـن فهذا منه رجاء. وأمـا إذا غفل عن ذلك وترك الطاعات وارتكب المعاصي، ولم يبال بسخط الله تعالى ولا رضاه ولا وعده ووعيده، ثم أخد يقول : أرجو من الله الجنة والنجاة من النار فذلك منه أمنية لاحاصل تحتها سماها رجاء وحسن ظن وذلك  منه خطأ وضلال. وقد نظم المعنى القائل :

                ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبس[270].

وهذا النوع من التمني والاغترار به قد يكون أحد خلفيات التبرج لدى كثير من النساء اللاتي يأملن أن  يتغير حالهن في المستقبل دون عقد العزم على ذلك بجدية وصدق نية، وذلك بتأجيل الالتزام بالحجاب بعد أن يسـتـنـفذن شبابهن ونظارتهن مع علمهن بوجوبه شرعا، إذ من أهم أسبابه وغاياته هو الحد من الاثارة الشهوية في الرجال حتى لا يقعوا في المحظور، كما أن المطلوب شرعا هو السرعة في الامتثال بالحجاب كما عبر عن ذلك عمليا نساء المهاجرين والأنصار وبناتهم وأخواتهم... عند نزول الآية الخاصة به.

وإذا لم يتم الاسراع بالعمل الشرعي والطاعات بالنسبة إلى المؤمنين والمؤمنات وخاصة في موضوع الحجاب، فإن نتيجة التباطؤ ستكون هي فتح باب الحيل والمخادعات من الشيطان الرجيم، لأنه إذا وجد لدى العبد إصرار على عمل الطاعات من باب إيمانه بها فإنه يلجأ بعد أن يعجز في تشكيكه بأصلها ومشروعيتها إلى الضرب على أوتار الأماني والتسويف، كالتغرير بتأجيل العمل بها في المستقبل بعد استنفاذ مرحلة الشباب، وإيهامه بأنها مرحلة اللهو واللغو ينبغي استغلالها ثم التفرغ بالكلية في النهاية إلى العبادة والاستقامة باعتبارها مرحلة الكهولة والشيخوخة. ومن هذا التوهم يتسلسل التأجيل إلى حين لدى كثير من الناس حتى يلقوا الله عز وجل وهم على  إصرارهم بالمعصية من باب التسويف، يقول الله سبحانه وتعالى عن خلفيته ودور الشيطان فيه: )يعدهم ويمـنـيـهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا(.

والتسويف في باب الحجاب قد يضيع على النساء حظهن في الثواب وأجرهن في مجاهدة الهوى والنفس والشيطان، خاصة إذا وصل  بهن غرور الآمال إلى سن الشيخوخة أو ما قرب منها، بحيث تصبح المراة عندها لا إثارة شهوية فيها، إذ الحجاب في هذه المرحلة لم يعد واجبا بالقوة كما هو على النساء الشابات المثيرات للرجال بالتبرج، لأن الباعث الجسدي للتشهي وتحريك الغرائز الجنسية قد أصبح ضغطه ضعيفا بل شبه معدوم، وفي هذه المرحلة جوز الشرع للمرأة المسنة أن تكشف بعضا من جسدها غير الجانب الخاص بمحدداتها الأنثوية وإن كان الامتناع عن التكشف هو الأفضل، وذلك في قول الله تعالى :)والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم([271].

قال المفسرون : القواعد هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر ولا مطمع  لهن في الأزواج...

والمراد قعودهن عن حال الزوج وذلك لا يكون إلا إذا بلغن في السن بحيث لا يرغب فيهن الرجال.

والمراد بالثياب ها هنا الجلباب والبرد والقناع الذي فوق الخمار. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ: أن يضعن جلابيبهن، وعن السدي عن شيوخه "أن يضعن خمرهن" رؤوسهن، وعن بعضهم أنه قرأ :  أن يضعن ثيابهن. وإنما خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب، ولذلك قال "وأن يستعففن خير لهن" وإنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة وذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن يضعن ذلك كما يلزم مثله في الشابة"[272].

وإذا كانت القواعد من النساء بحكم واقعهن النفسي والجسدي قد تتخلصن من الغرور المؤدي إلى التبرج كخلفية، فإنه على العكس من ذلك قد يقع لدى غيرهن من النساء الشابات في كثير من حالاتهن غرور جسدي يتمحور كله حول الغرور بالجمال وما يتبعه من الزينة والحلي، وهو أدعى إلى حب الظهور والتبرج عند الغافلات عن إيمانهن والمعجبات بأنفسهن، إذ الجمال يكون من أهم الأسباب إلى الكبر والعجب مما يترتب عنه في النهاية التحاسد والتغاير. فكما يقول الغزالي عن صورة عجب الانسان بجماله وكبره "أن يعجب ببدنه في جماله وهيئته وصحته  وقوته وتناسب أشكاله وحسن صوته وبالجملة تفصيل خلقته فيلتفت إلى جمال نفسه وينسى أنه نعمة من الله تعالى،  وهو بعرضة الزوال في كل حال وعلاجه ما ذكرناه في الكبر بالجمال وهو التفكر في أقذار باطنه وفي أول أمره وآخره وفي الوجوه الجميلة والأبـدان الناعمة أنها  كيف تمزقت في التراب وأنتنت في القبور حتى استقذرتها الطباع"[273].

وهذا العجب  بالجمال والاغترار به قد يسبب لدى كثير من النساء التصنع في إظهاره والحفاظ على استقراره حيث لا استقرار له، وذلك بتنويع الأصباغ في الوجه وصرف الأموال الباهضة والأوقات الثمينة في سبك البشرة ودلكها لحد الظهور بمظهر الدمية البراقة، كما نجد لدى أبي طالب المكي في كتابه "قوت القلوب" وصية بعض العرب لبنيه جمع فيها صورا متنوعة  لبعض مظاهر السلوك النسوي المعتل ومن بينها التكلف في إظهار الجمال حيث يقول : "لا تنكحوا من النساء ستة : أنانة ولا منانـة ولا حنانة ولا حداقة ولا براقة ولا شداقة، تفسير ذلك : الأنانة وهي التي تعصب رأسها كثيرا وتكثر الأنين والتوجع والتشكي، والمنانة التي تمن على زوجها تقول فعلت بك وفعلت فـأنا أفعل، والحنانة تكون على وجهين : تكون ذات ولد من غيره فهي تحن إليه، وقد تكون ذات زوج قبله فيحن قلبها إليه، وقوله حداقة هي التي تومىء بحدقتها فـتشتري كل شيء وتطالب زوجها بما تشتهيه من كل شيء، وقد تلحظ الرجال كثيرا كما يلاحظ بعض الرجال النساء، والبراقة تحتمل تأويلين : أحدهما أن تكون غضوبا في الطعام فتبرق لقلته أو لسوء خلقها، ولا تكاد البراقة للمأكول أن تأكل إلا وحدها لشرهها، وتكون أيضا تستقل نصيبها من كل شيء وهذه لغة يمانية نعرفها فأشبه عندهم يقال : برقت المرأة وبرق الصبي الطعام إذا غضب عليه، والوجه الثاني من البراقة أن تكون من البريق، أن تكثر صقال وجهها وإخضابه فتتصنع في بروقه أبدا، وأما الشداقة فهي التي تشدق بكثرة الكلام وتكون ذربة اللسان مفوهة في النطق"[274].

وحينما يصبح جل هم المرأة هو جمالها وزينتها فإنها ستجد نفسها أمام مزاحمات لها في نفس ما تعجب به وتتكبر، ومن هنا فإنها ستغار من جهة على من تريد أن تستأثر بنظرته إليها ومن جهة تغار على نفسها وجمالها من أن يزاحم في ظهوره، بل إنها تود لو أنها حازت الجمال من كل أوجهه لتوهمها باستحقاقها الذاتي له على سبيل العجب كما يقول الغزالي : "والمرأة الحسناء الفقيرة ترى الحلي والجواهر على الذميمة القبيحة فتعجب وتقول :كيف  يحرم مثل هذا الجمال من الزينة ويخصص مثل ذلك القبح، ولا تدري المغرورة أن الجمال محسوب عليها من رزقها وأنها لو خيرت بين الجمال وبين القبيح مع الغنى لآثرت الجمال..."[275].

وهذا النوع من العجب والغرور بالجمال قد يأخذ صورة التحاسد والتنافس غير المحمود، إذا هو اقتصر على مجرد الاعتبار الشهوي  سواء كان جسديا أو معنويا. كما يقول المحاسبي عن التحاسد بصفة عامة أنه : "يبعث عليه الرياء وغيره، فأما ما كان من الرياء فحسدا ونفاسة أن  يدرك غيره من المنزلة أكثر مما يدرك، ومن حمد الناس أكثر مما يدرك من الحمد، فيحب أن تزول عنهم النعم لئلا يعلوه بها أحد فيكون دونهم عند إخوانهم وغيرهم. وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأبي أمية : لا أبقاني الله وإياك إلى زمان يتغاير فيه على العلم كما يتغاير على النساء"[276].

2/ التبرج بالتغاير والمزايدة الشاذة :

والتغاير بهذا المصطلح قد يعني التحاسد وقد يعني الغيرة المضادة على وجه الاعتبار النفسي المحض، وهو على وزن تفاعل ـ أي فعل من فاعلين ـ قد يكون بين أكثر من شخصين، ولهذا فقد يأخذ من حيث مظهره صورة جماعية على مستوى السلوك والممارسة.

فالتغاير يكون من جنس التفاخر والمباهاة، ولهذا فقد يحصل لدى الرجال كما لدى النساء إلا أنه عندهن يكون أكثر حضورا، خاصة إذا تعلق الأمر بالاعتبار الجسدي والجمالي والتفاخر به.

وكما يكون التغاير بين الرجال والنساء فقد يكون التغاير بين النساء على الرجال، إذ التغاير المبني على التحاسد والمباهاة والتفاخر سيأخذ مسارا شاذا عكس ما تقتضيه الغيرة الحقة من الاستئثار بالمغار عليه وحجبه عن مشاركة غيره فيه بخصوصيته.

وهذا الشذوذ في الغيرة لدى النساء خاصة قد يكون سببه إما الجهل المركب أو المراودة والمكايدة لأنهن يتنافسن ويتحاسدن بإبراز مفاتنهن ضدا على بعض المراودات والمكايدات بالتبرج، أو ضدا على الجهل  الغالب على كثير من النساء الأخريات بالحكم الشرعي الناهي عن التبرج، فيقعن بهذه المنافسة المدفوعة من باب الغيرة النفسية في تصعيد ظاهرة التبرج، بحيث أنه حينما ترى امرأة متزوجة غيرها متبرجة فقد تلجأ من باب الغيرة غير السوية أو الشاذة إلى العمل بتقليدها قصد صرف انتباه زوجها إليها عنها، وذلك بإبداء كل ما يمكنه أن يثير زوجها والحيلولة دون تأثره بمنظر امرأة كاسية عارية أو متبرجة لحد الاثارة الشهوية. وهذا التبرج الذي تلجأ إليه المرأة من هذه الخلفية يكون في خارج البيت خاصة، لأنه إذا كان داخل البيت فقد يكون عملا محمودا وغيرة حقيقية وسليمة، لأنها بذلك تكون قد كفت زوجها النظر إلى غيرها، ومع ذلك فقد يبقى التفات زوجها إلى غيرها رهينا بمستوى إيمانه وتقواه، وبالتزامه الضوابط الشرعية المحافظة على استقرار خياله كما هو الشأن في مسألة غض البصر ومعالجة استدراك نظرة الفجأة واللجوء إلى زوجته  في حالة وقوع امرأة في نفسه كما مر بنا في الأحاديث  الخاصة بهذه العلاجات.

أما إذا كان الزوج غير ذي تقوى أو ذي علم بالأحكام الشرعية المداوية للنفوس المريضة، فإن الزوجة باللجوء إلى هذا التغاير غير المحمود شرعا تكون بمثابة الذي يصب الزيت على النار، وذلك إما أن  تثير غيرة زوجها عليها على سبيل الغضب والتأنيب والشك والريبة... إلخ، وإما أن تزيل غيرة زوجها عليها بسبب تنبيهه إلى مقارنة جمالها بجمال غيرها، مما يدفعه أكثر من الاستزادة في النظر إلى غيرها لحد الانصراف عن تقديرها واحترامها في جمالها وأخلاقها والبرودة في محبته لها.

وإذا بردت المحبة بردت الغيرة وكان النشوز والاعراض من الزوج في كثير من الأحيان، لأن المرأة تكون قد استنفذت جاذبيتها لزوجها في زحمة الخارج المتبرج فلم يعد يرى فيها ما يستأثر به في الداخل، على عكس المرأة المحتجبة التي لم تعرض جسدها للمزايدة والمنافسة فبقيت في نظر زوجها كجوهرة مكنونة.

ومما يشيع كثرة التغاير بالتبرج عند النساء هو ظاهرة الحضور لديهن بكثافة وبتردد في الشوارع وقطاعات الإدارة والعمـل الذي قد يعرف اختلاطا وتقاربا بين الجنسين لحد التهامس والتلامس.

ولهذا فإذا كانت الوظيفة أو العمل يقتضيان وجود الرجل والمرأة جنبا إلى جنب، فإنه سيكون من الضروري الالتزام بالحجاب الشرعي وضوابطه من مراقبة والتزام بمتطلبات العمل دون تجاوز حدودها أو الانتقال إلى التدخل في الشؤون الشخصية للموظفين أو العاملين فيما بينهم، وخاصة فيما بين الرجال والنساء من غير ذوي المحارم.

ولكن الملاحظ على أغلب الموظفين والموظفات أو العمال والعاملات بشتى المهن والقطاعات في عصرنا هو عدم التقيد بحدود العمل وموضوعيته، وإنما قد ينتقل الخطاب والحوار بينهم إلى استخبارات واستفسارات عن أحوال شخصية وأسرار داخلية سواء من طرف بعض الرجال أو بعض النساء على حد سواء، مما يؤدي بهم في كثير من الأحيان إلى التغلغل في قضايا خاصة ربما قد تطال الأسرار الجنسية بين الزوجين وهو ما نهى  الشرع عن إفشائه كما مر بنا.

والـتغاير لهذه الأسباب قد يوجد لدى كثير من النساء المتزوجات اللاتي يسعين إلى الحفاظ على مكانتهن في نفوس أزواجهن مما يدفعهن إلى مواجهة التبرج  بالتبرج، لكن عملهن وتغايرهن هذا يعتبر غير سليم لأنه تصعيدي في باب العري وإثارة الشهوات ليس للزوج فقط وإنما للأجانب، مما ستصبح معه المرأة مقصدا للمراودة الرجولية وربما للمكايدة النسوية على سبيل التحاسد المتسلسل والتغاير غير المحمود، لحد العمل على الايقاع ببعضهن البعض في شرك الخطيئة والاستدراج نحوها.

وقد يوجد التغاير من هذا النوع أيضا عند غير المتزوجات وذلك بالعمل على إثارة الرجل الأجـنبي بالنظر إلى محاسنهن وزينتهن ابتداء، قصد الإغراء بقبول التزوج بهن من باب الجمال ومظاهر الجسد، وهذا النوع لا يدخل في حكم مركب المراودة والمكايدة نحو الغاية غير المشروعة، ومع ذلك فوسيلته غير مشروعة ولا محمودة، لأن فيه فتحا لباب الفساد ينبغي منعه والتحذير منه سدا للذريعة، إذ سيصبح التبرج كوسيلة غير مشروعة محلا للمزايدة والتفنن غير المقيد في مسايرة ما يسمى عند الغربيين بالمودة، وهو ما لوحظ "من أن أطرزة النساء تتغير تغيرا سريعا عند مقارنتها بأطرزة الرجال"[277].

فأكثر ما يمارس هذا التبرج من هذه الخلفية في الشوارع الخاصة بالتنزه والشواطئ، وكذا في الأعراس والمناسبات التي قد تعرف لدى كثير من المجتمعات اختلاطا بين الرجال والنساء إلى حد ما، لكن النتيجة قد تكون عكسية وهي أن الذي يريد أن يتزوج على أساس العفاف والغيرة قد لا يستسيغ امرأة عرضت جسدها للمزايدة العلنية والمساومة العامة مما يعني قبول المشاركة في الخصوصية التي تحبب الرجل نحو امرأة ما.

كما أن من نتائج هذا التبرج فشو التحاسد بين النساء والوقوع في مركبات الجهل بحكمه وآثاره إلى حد العري الكلي أو شبهه، وهو ما يحدث في كثير من الشواطئ التي أصبحت وكأنها مملوءة بالبهائم البر-مائية.

أما الذي يريد أن يلتقط زوجته من سوق المزايدة في التبرج والمراودة فهو إما ذو عقلية من جنس المتغايرات في باب الإستعراض الجسدي، وإما أنه صديم الجمال وخضراء الدمن وهي "المرأة الحسناء في المنبت السوء"، وإما أنه ديوث لا غيرة له، وهذه أسوأ خلفية لتشجيع التبرج وإقراره في المجتمع الفاسد.


 

                ثانيا : الديوثية بين خلفيات الغفلة والقصد الجماعي .

                1 / التبرج بالديوثية بين شذوذ الرجل والمرأة :

يعرف الديوث بالقنزع "وهو الذي لا غيرة له على أهله"[278].

وقد ورد ذمه في الحديث النبوي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يدخلون الجنة : العاق لوالديه والديوث ورجلة النساء"[279]، وفي حديث آخر عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث"[280].

والملاحظ من خلال الحديثين وجود ترابط موضوعي بين الرجل والمرأة في موضوع الديوثية والترجل، لأن كلا الحالتين شذوذ نفسي وسلوكي يمس أصل وكمال التكوين لكلا الجنسين ويهدر خصوصيتهما، إذ الرجل لا يمكن له أن يصبح امراة في بعض سلوكه، والمرأة كذلك لا تتحول إلى رجل بمجرد تقليده، وكل محاولة من طرف لاختراق خصوصية الآخر قد تؤدي إلى شذوذ لا مفر منه وعقوق للأصل الذي كان عليه تكوينهما، وهذا ما يمكن من خلاله تفسير ورود عقوق الوالدين بجانب هذا الشذوذ النفسي والجنسي بالنسبة إلى بعض الرجال والنساء، لأن الوالدين بولادتهما قد أعطيا شقيقين لكنهما مختلفين اختلافا عرضيا، مما يقتضي اختلافهما في النوع واتحادهما في الجنس. والأجناس التي يتحدان فيها من بينها : الغيرة في الحالة السليمة وحكمها المدح والاستحباب والوجوب، وعلى العكس من ذلك الديوثية وعدم الغيرة على الخصوصية، وحكمها الذم والكراهية والتحريم. وعند هذا الاتحاد في المدح أو الذم على مستوى الأجناس كانت "النساء شقائق الرجال في الأحكام" كما ورد في الحديث النبوي الشريف حيث يفسر معناه ابن عربي في هذه الأبيات :

                               إن النساء شقائق الذكــران *** في عالم الأرواح والأبــدان

                               والحكم متحد الوجود عليهما *** وهو المعبر عنه بالانســان

                               وتفرقا عنه بأمر عـــارض*** فصل الاناث به من الذكـران

                               من رتبة الاجماع يحكم فيهـا *** بحقيقة التوحيد في الأعيـان

                               وإذا نظرت إلى السماء وأرضها *** فرقت بينهـما بلا فرقــان

                               انظر إلى الاحسان عينا واحدا *** وظهوره بالحكم عن إحسان[281].

ومن خلال هذه المعاني والتفسيرات يفهم أن المرأة المترجلة في حكم الديوث والديوث في حكم المرأة المترجلة، وحينما يتحدان في هذا الحكم بفعل واقعهما النفسي وسلوكهما فإنه لن يكون في المجتمع رجل وامرأة سليمين، وإنما هو طغيان الوحدة الشذوذية التي تعني العقوق الكلي لأصل التكوين الانساني وغياب الغيرة علىالخصوصية الذاتية، وإذا لم يغر الشخص على ذاته فكيف يغار على غيره؟.

فالديوثية على عكس الغيرة تعرف بأنها عدم كراهية مشاركة الغير، وهي إما على سبيل الغفلة أو القصد، وقد تتشخص في بعض النساء كما في بعض الرجال ولكن في صور مختلفة.

إذ فيما يخص ديوثية النساء فلها صورتان على أقل تقدير وهما :

إما عدم الغيرة على النفس والجسد من طرف بعض النساء، وهذا يدخل فيه التبرج المقصود بخلفياته وتوابعه، وإما عدم غيرة المرأة على بعلها لضعف حبها أو جهلها بغريزته، وذلك بتعريضه بنفسها للخلوة أو التقارب مع صويحباتها من المتبرجات على سبيل التعارف والصداقة الوهمية أو التفتح والتقدم المزعوم مما يترتب عنه أسوأ الهموم.

لكن أخطر ديوثية مهدرة لخصوصية المرأة هي الناتجة عن عدم غيرتها على نفسها، والتي قد تكون الأصل والمقدمة لسائر الديوثيات الأخريات، ربما تنتقل عدواها على سبيل التحاسد والتغاير غير المحمود إلى الرجال أنفسهم.

والأصل في هذه الديوثية وأشكالها هو ضعف الإيمان لدى بعض النساء، إذ المرأة كما يقول الغزالي : "إن كانت ضعيفة الدين في صيانة نفسها وفرجها أزرت بزوجها وسودت بين الناس وجهه وشوشت بالغيرة قلبه وتنغص بذلك عيشه، فإن سلك سبيل الحمية والغيرة لم يزل في بلاء ومحنة وإن سلك سبيل التساهل كان متهاونا بدينه وعرضه، ومنسوبا إلى قلة الحمية والأنفة، وإذا كانت مع الفساد جميلة كان بلاؤها أشد، إذ يشق على الزوج مفارقتها فلا يصبر عنها ولا يصبر عليها، ويكون كالذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا رسول الله إن لي إمرأة لا ترد يـد لامس. قال : طلقها، فقال : إني أحبها، قال : أمسكها" وإنما أمره بإمساكها خوفا عليه بأنه إذا طلقها اتبعها نفسه وفسد هو أيضا معها، فرآى في دوام نكاحه من دفع الفساد عنه مع ضيق قلبه أولى"[282].

وهذا الحديث إن كان قد ضعفه بعض المحدثين فإنه وإن لم يصح وروده على مستوى اليقين وقطعية الثبوت، إلا أن الحكم فيه قابل للتعليل والتحليل فيما ذهب إلى ذلك الغزالي كما رأينا. وقد يمكن إضافة بعض التحليلات في تحديد واقع الديوثية الذاتية عند هذه المرأة ووضعها بين مطرقة الغيرة وسندان المحبة.

بحيث أن الشخص الذي اشتكى من زوجته وشذوذ سلوكها كان دافعه هو محبتها، والمحبة تتنافى مع التسليم بملامسة الغير للحريم أو حتى لمن يحب قبل الزواج، لأنها أصل الغيرة، والغيرة تعني كراهية مشاركة الغير، فكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم للرجل بتطليق زوجته التي لا ترد يد لامس هو التطبيق الصحيح  للقاعدة العامة للغيرة، وذلك أن الغيور لا يطيق أن  يرى غيره يشاركه في خصوصية محبوبه على سبيل التكرار واللامبالاة به.

فترك المجال للملامسة عند هذه المرأة دليل غياب الاحتجاب أو بالأحرى غياب شروطه ولوازمه لديها، وهي غض البصر والامتناع عن إثارة السمع والشم، وعن الاختلاط لحد التلامس والتهامس.

وبما أن هذا الشخص كان يحب زوجته فإنه لم يستطع مفارقتها رغم أنها لا تغار على نفسها، ومنافاة حالها لحال الغيرة عند زوجها. وقد يكون السبب في هذا هو أن المحبة أشمل من الغيرة، لأنها جنس تحته أنواع وهي الأصل كما أن الغيرة هي الفرع من حيث التجدر النفسي، فرغم عدم استجابة المحبوب لغيرة محبوبه إلا أن هذا الأخير يتشبث به على مضض مع تمن لديه بتحقق كمال محبته في محبوبه، وهو مبادلته له في غيرته والامتناع عن ملامسة غيره، ومن هذه المفاهيم وما قرب من معناها يمكن والله أعلم -إن صحت الرواية- تفسير نقل النبي صلى الله عليه وسلم حكمه بأمره الرجل المشتكي بطلاق زوجته إلى اعتبار القاعدة الأشمل وهي قاعدة المحبة، رجاء أن يكون هذان الحكمان بشقيهما المتعارضين تخييرا للزوج بحسب تحمله النفسي  لكلا الحلين، ووضعا موضوعيا للمرأة أمام الأمرين كلاهما في مصلحتها من حيث المآل والغاية.

الأول : تهديد وترهيب، والثاني : تحبيب وترغيب. وبوضع المرأة بين هذين المتناقضين من حيث الظاهر قد يرتفع النقيض لديها ويزول بحسب وعيها بالأمرين معا، فهي تخشى الطلاق لأنه ليس في صالحها إذا تحقق، وتعي جيدا أن حب زوجها لها هو الموقف لإنجازه، فيجتمع عنصرا الخوف والرجاء في تحديد علاقتها بزوجها، وبالتالي في إصلاح سلوكها بوعيها بغيرة زوجها ومقتضياتها مما يعدلها عن حالها الشاذ، فتمتنع من لامسها وتحتجب بطواعية وبحكم وعلم.

كما أن الحكم لو اقتصر على الأمر بتطليقها فقط مع وجود محبة الزوج لها، لكان ذلك بمثابة نزع الروح جملة واحدة وهو ما أشار إليه الغزالي في تحليله، وهذا قد يكون فيه حرج للزوج المحب ربما لا يجد له مقاومة ولا تسكينا، لأن الحب الذي يدخل يسيرا ومع العشرة والزمن لا يخرج إلا عسيرا، فيقع الزوج حينئذ في صراع داخلي بين اقتضاء الحكم الشرعي واقتضاء الغريزة والميل النفسي نحو زوجته، والذي لا يملك فيه الانسان إرادته حينما يتعلق الأمر بالحب، كما عبر عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك" الحديث...

لكن حينما وضع الشخص بين الخيارين فهنا قد تتدافع غريزة الحب الجنسي مع الحكم الشرعي ومقتضيـات الغيرة، فينتهي الأمر بالتدريج إما إلى تغليب الحكم الشرعي على الحب الجنسي الغريزي بقوة الغيرة والتي هي أصلا شرعية، وإما إلى عدول المرأة عن حالها الشاذ المخالف للحكم الشرعي، فتمنع الرجال من ملامستها، وبهذا يصبح الحب سليما وتصبح الغيرة كاملة، لأن الكل خاضع لشرع الله ولأن الله أغير من عبده.

ويمكن إضافة معنى آخر، وذلك حسب القاعدة التي فهمها الصوفية من الغيرة وهي اقتضاؤها للتغيير -أي تغيير المنكر- وذلك باليد واللسان والقلب وهذا أضعف الايمان كما ورد في الحديث الشريف.

وبما أن الزوج الغيور مستبقي على زوجته رغم علتها،  فإن غيرته ستدفعه بحكم قوامته وعشرته لها إلى تغيير سلوكها المنافي للغيرة، إما باللسان عن طريق الوعظ أو الهجر الذي هو وعظ صامت وتنبيه نفسي، وإما باليد وهو إما منع من ترك المجال للملامسة، أو تهديد بالإيلام على سبيل الترهيب والتأديب لحد الضرب غير المبرح، كما نصت على ذلك الآية الخاصة بنشوز الزوجة واستعصائها على بعلها في قول الله تعالى : )واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا(.

وبهذا قد ترتدع المرأة عن سلوكها المخالف للشرع والمناقض للحب وغيرة الزوج عليها، فتكتمل الغيرة والحب في ظل الحجاب واطمئنان الحياة الزوجية السليمة.

2/ التبرج بديوثية الرجل وفساد وعيه :

أما ديوثية الرجال فهي أسوأ حالا من ديوثية النساء، لأن فقدان الرجل  للغيرة سواء على أهله أو بلده أو أمته قد يؤدي إلى فقدها لدى المرأة على نفسها وعليه في آن واحد، وبالتالي قد تصبح المرأة وسيلة لشيوع الديوثية وترتفع الصيانة عنها، وتتمظهر بعدة صور منها ذات الباعث عن الغفلة والجهل ومنها ذات الباعث المقصود والمخطط له.

فالديوثية المؤسسة على سبيل الغفلة والجهل قد تكون تلك التي تصدر من بعض الرجال في إلزام زوجاتهم بالتبرج على سبيل المنافسة والتفاخر بالتحصل على أجمل امرأة في الحي أو المدينة أو حتى الوطن، كمن يعرض زوجته أو بنته أو أخته لكي تساهم في مباراة ملكة الجمال، التي تجري بها العادة في مجتمعات متخلفة سلوكيا وفاقدة لأبسط مظاهر الغيرة والصيانة لنسائها.

وقد يلجأ بعض الرجال إلى اصطحاب زوجاتهم في الحفلات الرسمية المختلطة قصدا، إما على أمل اكتساب الحظوة في حزب سياسي أو في مؤسسة مهنية وشركة تجــارية... إلخ، وهذا الاصطحاب قد يسمونه زعما وتغريرا : مجاملة (أو بروتوكولا ) بدعوى ضرورة التعرف على زوجة كل شخص ينتمي إلى هذه المؤسسة أو تلك، وذلك بإحضارها في أبهى حلة تليق بمقام الحضور ومقتضيات الحفل من رقص وغناء وإنارة ملونة، لأنها فترة الصفقات ولكن على حساب الأعراض والزوجات بالتلامس والتهامس المختلط، قد يتم في النهاية نشر لقطاته في التلفزات والمجلات.

واستحضار النساء وتزيينهن لهذا القصد يعتبر من أسوأ نماذج الديوثية، والتي تعبر عن فقد للايمان أصل الحجاب ومصدر الغيرة، وذلك مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق"، والمذاء كما فسره القرطبي هو "أن يجمع الرجل بين النساء والرجال ثم يخليهم يماذي بعضهم بعضا ، مأخوذ من المذي"[283].

وهذا النوع من الديوثية القصدية له صورتان، إما ديوثية ثعلبية، وإما ديوثية كلبية، وكلاهما له نفس النتائج السلبية المدمرة للمجتمع الانساني إن هي عمت في كل أوساطه وافتقدت الغيرة بصورة جماعية.

فالديوثية الثعلبية قد تكون قصد الاصطياد بطعم التغرير الذي يمارسه الزوج المنافق عقديا وعاطفيا في حق زوجته المغرورة بجمالها أو المغرر بها، وذلك للحصول على مناصب أو صفقات تجارية أو ترخيص إداري لمؤسسة غير قانونية أو غـير مشروعة...

ويدخل في حكم هذا التغرير اتخاذ المرأة العارية أو المتجملة كوسيلة للإشهار التجاري والسياحي كما هو ملاحظ على أجهزة الاعلام العالمية.

وقد اصطلحنا عليها بالديوثية الثعلبية لأنها تتطابق مع قصة الغراب صاحب الجبنة وعدوه الثعلب المحتال، إذ أنه ما أن غرر بالغراب من باب مدح ووصف وجهه وصوته بالجمال حتى اندفع تحت تأثير العجب والغرور إلى إبراز هذه الخصوصية المنسوبة إليه زعما من طرف الثعلب، فكانت نتيجته أنه فقد سر قوته الذي هو جبنته واستغلها الثعلب بسهولة مستـفيدا من غباء وغرور الغراب، ولم يجن بعدها سوى الجوع والندم. وهذا عينه ما يحدث لدى بعض النساء اللواتي يجارين من يزعمون أنهم أزواجهن أو حتى محارمهن في اقتفائهن هذا المسلك النتن، إذ ما أن تستنفذ المرأة جاذبيتها وجمالها بل وظيفتها كوسيطة تجارية وسياسية، حتى ترمى في الشارع للكلاب تنتهب ما تبقى من خصوصيتها في الإثارة الشهوية لا غير.

أما الديوثية الكلبية فهي تلك التي يمكن وصفها بالديوثية الجماعية، أي التواطؤ الجماعي في بلد أو إقليم ما على الفساد وتبادل الزوجات أو الأخوات والبنات، من خلال استعراضهن متبرجات في حفلات خاصة بالتفحش وهتك الأعراض بالقصد، وأكثر ما توجد هذه الصور في المجتمعات الغربية وخاصة في أوروبا وأمريكا ،وكذا لدى غالبية المجتمعات غير الاسلامية.

وهذا النوع من الديوثية  يتسم بالتداول الجنسي والتناوب على انتهاك الأعراض بالتراضي والتغاضي شبيه  بالحالة التي يكون عليها الكلاب في ممارساتهم ولقاءاتهم الخاصة بهم، وهي تشبه ما كان يمارس لدى طائفة من الزنادقة والباطنية ذات الجذور المجوسية تدعى "بالبابكية" نسبة إلى بابك الخرمي، وكان خروجه في بعض الجبال بناحية أذربيجان في أيام المعتصم بالله  الذي استولى عليهم فصلب زعيمهم بابك، وقد بقي منهم حتى القرن الخامس الهجري كما يقول الغزالي : "جماعة يقال إن لهم ليلة يجتمع فيها رجالهم ونساؤهم ويطفئون سرجهم وشموعهم ثم يتناهبون النساء فيثب كل رجل إلى امرأة فيظفر بها، ويزعمون أن من استولى على امرأة استحلها بالاصطياد  فإن الصيد من أطيب  المباحات..."[284].

وهذا النوع من الديوثية أصبح لدى كثير من المجتمعات الغربية ودولها وسيلة لاشاعة الفاحشة في العالم عن طريق الأطباق الهوائية وعرض صور متحركة لمثل هذه الممارسات قصد تعميمها وفتح المجال لما يسمى بالاباحية الجنسية، وهو ما سعي إلى تكريسه من خلال مؤتمر بكيـن سنة 1995 الخاص بالمرأة، وما سبقه من مؤتمر القاهرة حيث عرف كلا المؤتمرين جدلا حادا حول عدة بنود من توصياتهما تصب أغلبها نحو فتح المجال للاباحية الجنسية وتكريس الديوثية الجماعية في المجتمع الانساني عموما، والتي من مظاهرها ومقدماتها إزاحة الحجاب عن المرأة وفتح المجال للتلامس والتهامس مما يترتب عنه الاختراق والاحتراق.

والديوثية الكلبية المؤسسة على التنظير والتحفيز الرسمي قد نادى باتباعها قبل هذا العصر بعض أساطين الفكر الغربي في الماضي، وعلى رأسهم أفلاطون الذي يعتبر نموذجهم في المثالية، وهذا ما يفسر لنا لماذا يسير الغرب الآن في هذه المتاهات الجنونية من الإباحية الجنسية  سبق وعرضنا لبعض مظاهرها، ولابأس من إضافة بعض الصور الأخرى لأصولها عندهم، باعتبارها إحدى أسوأ الخلفيات الرسمية للتبرج والإختلاط العشوائي  ، فيقول أفلاطون على شكل محاورة وتنظير لجمهوريته : "فإذا تجاوز الرجل او المرأة سن الانجاب للدولة فأرى أن تترك للرجال حرية الاختلاط بمن يشاؤون من النساء فيما عدا بناته وأمه أو جدته، وتترك للنساء نفس الحرية مع استثناء الأبناء والآباء والأحفاد والأجداد، ولكنا إذ نترك لهم تلك الحرية ينبغي أن ننبههم إلى أن يحرصوا كل الحرص على ألا ينجبوا للدولـة أي طفل، فإذا لم تفلح احتياطاتهم فليضعوا في أذهانهم أن يتخلصوا منه لأن الدولة لن تستطيع أن تربي طفلا كهذا!!!.

- تلك تدابير حكيمة، ولكن على أي نحو يميزون آباءهم وبناتهم وغيرهم من الأقارب الذين ذكرتهم؟ لن يستطيعوا تمييزهم قط، وإنما ينبغي أن ينظر الرجل منذ الوقت الذي يبدأ فيه زواجه إلى كل الأطفال الذين يولدون في الشهر السابع أو العاشر الذكور منهم على أنهم أبناؤه والإناث على أنهم بناته، وعلى هؤلاء الأطفال أن يدعوه بالأب، وعليه أن يعد أبناء هؤلاء أحفادا كما يعدونه هم جدا لهم وامرأته جدة لهم، كذلك ينبغي أن ينظروا إلى الأطفال الذين يولدون في الـفترة التي ينجب فيها آباؤهم وأمهاتهم على أنهم أشقاء وشقيقات لهم، وبهذا يمتنعون فيما بينهم كما ذكرت عن كل اختلاط جنسي، ومع ذلك فإن القانون يسمح بزواج الأخ من الأخت إذا شاء الاقتراع ذلك وإذا ما أيدته نبوءة دولف!!!.

- هذا عين الصواب!.

- على هذا النحو أو ما يشابهه سيكون شيوع النساء والأطفال بين الحراس في الدولة، وعلينا الآن أن نثبت في حوارنا إن كانت هذه الطريقة ستتفق مع بقية أركان دستورنا وتمثل أسمى قواعده أليس كذلك؟

- بلـى!"[285].

بهذا المسخ الفكري والكهن الشيطاني الخبيث نظر أفلاطون لجمهوريته الكلبية مؤسسا بذلك ديوثية الدولة وحكامها والمدرسة ومؤطريها والفن ومخرجيه!.

وعلى هذا التنظير بنى الأوروبيون دعائم مجتمعاتهم وكرسوه في غياهب ظلمات أرجاسهم وأوهامهم إلى أن جاء عصرنا المسمى زعما بالتقني والعلمي ، فسعوا إلى بث ديوثيتهم عبر وسائل الاتصال السمعية البصرية في أغلب بقاع الأرض، وظهر تطبيقها لديهم على المستوى السياسي والسياحي والتعليمي والفني بشقيه المسرحي والسينمائي، والرياضي المتمثل بالعري شبه الكلي في مباريات ما يسمى بالالعاب الأولمبية نسبة إلى ما كان يجري به العمل عند اليونان في الماضي ، وهكذا حتى وصل تأثيرها إلى مجتمعات كان بعضها يعتبر قمة في العفة والغيرة فأصبحت تقلدها في أغلب صورها وعلى رأسها التقليد في الاختلاط المخطط والتبرج المغنج.   

ومن خلال هذه الصور النظرية الموروثة لدى الغربيين والمشخصة في الصور التلفزية والسينمائية وغيرها، تعرى الانسان الغربي ومن في صفه من الديوثيين الذين اختاروا أسوأ صور للحيوان ليقتدوا بها وهي الديوثية الكلبية التي تجمع بين عدم الغيرة والخنوثة والميل إلى التشبه بالنساء ، وبين الغضب والاذاية للحصول على الشهوة في غير محلها والشذوذ في توظيفها. ولقد كان الأولى بهؤلاء المرضى بداء الديوثية من حيث اعتبار انفسهم يدخلون في جنس الحيوان     -حسب تعريف  أرسطو- وهو "أن الانسان حيوان ناطق" أن يقتدوا بالظواهر الايجابية لدى بعض الأنعام كالجمل مثلا، والذي يوصف بالغيرة والتستر عند إرادة حاجته من أنثاه رغم أنه حقود كما يوصف من جهة أخرى، أو بالأسد الذي قد يستنكف أن يباشر أو يعاشر اللبوءة التي تكون تحت سلطته وفي دائرة منطقته التي يستأسد فيها حينما يشعر أو يحس بأنها قد تداولها غيره، وذلك غيرة منه وحفاظا على كرامته وأسبقيته حسب قانونه كحيوان رئيس في الغابة، للاسئثار بخصوصية أنثاه وتفرده بمباشرتها دون سواه كما هو ملاحظ في دراسة سلوك الحيوان من جنسه، بل إن الحمار رغم بلادته وغلبة شهوته عليه لحد الافتضاح يعد من أشد الحيوانات غيرة على أنثاه، بحيث قد يقوم بإجراءات عملية للحيلولة دون أن  يشاركه فيها غيره جـنسيا[286].

وإذا كان الحيوان يتمتع بفضيلة الغيرة في بعض أصنافه فإن غيابها عند الانسان قد تجعله أحسن منه وتفقده خصوصيته التي كرمه الله بها على سائر الحيوانات، والانسان كما يقول الغزالي: "على رتبة بين البهائم والملائكة، فإن الانسان من حيث يتغذى وينسل فـنبات ومن حيث يحس ويتحرك بالاختيار فحيوان ، ومن حيث صورته وقامته فكالصورة المنقوشة على الحائط، وإنما خاصيته معرفة حقائق الأشياء. فمن استعمل جميع أعضائه وقواه على وجه الاستعانة بها على العلم والعمل فقد تشبه بالملائكة، فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ملكا وربانيا كما أخبر الله تعالى عن صواحبات يوسف عليه السلام  بقوله: )ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم(. ومن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام، فقد انحط إلى حضيض أفق البهائم فيصير إما غمرا كثور او متكبرا كنمر أو ذا روغان كثعلب أو يجمع ذلك كله كشيطان مريد…"[287]  "…فالخنزير يدعو بالشره إلى الفحشاء والمنكر والسبع يدعو بالغضب إلى  الظلم والإيذاء والشيطان لا يزال يهيج شهوة الخنزير وغيظ السبع  ويغري أحدهما بالآخر ويحسن لهما ما هما مجبولان عليه، والحكيم الذي هو مثال العقل مأمور بأن يدفع كيد الشيطان ومكره بأن يكشف عن تلبيسه ببصيرته النافذة ونوره المشرق الواضح، وأن يكسر شره هذا الخنزير بتسليط الكلب عليه، إذ بالغضب يكسر سورة الشهوة ويدفع ضراوة الكلب بتسليط الخنزير عليه ويجعل الكلب مقهورا تحت سياسته، فإن فعل ذلك وقدر عليه اعتدل الأمر وظهر العدل في مملكة البدن وجرى الكل على الصراط المستقيم، وإن عجز عن قهرها قهروه واستخدموه، فلا يزال في استنباط الحيل وتدقيق الفكر ليشبع الخنزير ويرضي الكلب..."[288].

وحينما لا يحافظ الانسان على خصوصيته ويهوي على رأسه في غياهب الحيوانية بصورها السلبية من جانبها الشهوي والغضبي، فإنه قد لا يغار على جنسه ولا على نوعه، ولا يغار على دينه ولا على وطنه، إذ سيكشف عورات بيته ويعري جسم زوجته وبنته وكل محارمه، وسيكشف أسرار أمته ووطنه لأعدائه. بحيث سيصبح عضوا فاسدا في كل سلوكه ووبالا على مجتمعه، حتى لقد يمكن أن ينطبق عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم "اقتلوا من لا غيرة له" وذلك على سبيل الردع والمنع من استفحال هذا الشذوذ، لأنه إذا لم يتم  وقف زحفه فإنه سيفسد ما تبقى في الأرض من العفة والفضيلة والغيرة الحافظة لنقاء وسلامة الأنساب والحياء وما يصونه بالحجاب.

يقول الله تعالى : ) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، وإذا قيل له اتـق الله أخدته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد، و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد، يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم([289]. صدق الله العظيم وهو يتولى الصالحات والصالحين.

   الــخـاتـمــة :

    ******** 

                هيهات ما تسدل الأستار والكــلل*** إلا لأمر عظـيـم كلـه جـــلل

                لو أن ما سترت يبدو لأعيـنــنا *** لــما بـدت نحل فينا ولا مـلل

                ولا بدا عرض في طــيه مـرض*** ولا دواء ولا طــب ولاعـــلل

                ولا جديد تكون الـنفس تلبســه *** ولا الـتوسط مـنه لا ولا الـثمل

                إن الستور ترى في العين صورتها*** وليــس يدركهـا في ذلـكم ملل

                وأعين الكون خلف الستر ناظـرة *** والحجب تبصر ما لا تبصر المقل[290].

 

ليس لهذا الموضوع من خاتمة سوى تذكير جملي بما مر بنا من تأكيد علمي على ضرورة حجاب المرأة، وسرد موضوعي وواقعي لسلبيات التبرج بخلفياته المتنوعة، مع وصف مركز لعلاجاته بحسب مستوياته الانتقالية من جهل وتجاهل إلى شذوذ سلوكي ونفسي… إلخ.

وهذه السلبيات جلها قد سبقت دراستها بجانب خلفيات التبرج لأنها من جنسها ويمكن إجمالها على سبيل الحصر والسبر في صورتين هما : سلبية في الاعتبار والتصور وسلبية  في الشعور والتأثر.

1/ فسلبية الاعتبار والتصور قد تتأسس على وهم العادة وسلطة الجماعة كما سبق وبينا، بحيث أصبح التبرج والسفور في الوعي الجماعي لكثير من الناس هو القاعدة والحجاب هو الاستثناء، ومن ثم أسقط وهم الاثارة على المحتجبات بدل المتبرجات، إذ قد يزعم البعض أن المحتجبات أكثر إثارة للانتباه من المتبرجات السافرات، وهذا وهم وقع فيه رواد الدعاية للتبرج أو المتعودون عليه في مجتمعات غلب عليها العري والسفور وغياب الخمار والجلباب، لأن  المحتجبات أصبحن فيها بمثابة النقطة البيضاء في السبورة السوداء، ومن هنا فتكون النقطة أكثر إثارة للانتباه لتميز لونها عن لون اللوحة الغالب والمبتذل، إذ الغالب الأسود في السبورة لا قيمة له علميا ومعرفيا، لأنه مطية ووسيلة للاستعمال والاستهلاك، أما النقطة البيضاء فهي دليل  بداية العلم وطريق إلى المعرفة الصحيحة وحجب للسواد من التبرج والظهور بغير فائدة.

وتميز المحتجبات في مجتمع المتبرجات بطبيعة الحال يسلط الضوء عليهن للمقارنة بينهن وغيرهن أو تتبع عثراتهن ليتخذها ذوو النفوس المريضة ذريعة إلى المناداة بخلع الحجاب وتبرير التبرج، وذلك بدعوى إسقاطية تتلخص في أن بعض المحتجبات لا يلتزمن الآداب الاسلامية من حياء وحشمة ووقار، أو أنه ربما قد تظهر على بعضهن أعمال مخالفة للشريعة الاسلامية  شكلا ومضمونا.

وهذا إن كان قد يصدر في بعض الأحيان من بعض المحتجبات كمظهر شاذ لهن        ـ والشاذ لا يقاس عليه ـ فهو إما أن يكون  مقصودا وموجها من طرف بعض أعداء الأمة الاسلامية والمستهترين بالفسق والرذيلة لتشويه صورة المرأة المسلمة المحتجبة، أو أنه يكون صادرا عن بعض المحتجبات الموسميات اللاتي لم تحتجبن بدافـع الايمان وطاعة الله ورسوله، أو أنه يكون نتيجة الجهل بقواعد الشرع الضابط  للحجاب وأخلاقياته.

وكل هذه الاحتمالات واردة وملاحظة إلا أنها لا تؤثر على إيجابية الحجاب في كل حال، ومثال المحتجبات عموما وما يطرأ على بعضهن من عثرات وتشويه مقصود ضدا على الحجاب كأصل في لباس المرأة، مثال اللبن الصافي النقي الذي قد تقع عليه من خارجه نقطة سوداء يريد أصحابها أن يصرفوا بالايهام النفسي شارب اللبن وطالبه عن اقتنائه والاستفادة من قيمته الغذائية والجمالية، وهذا التوهم يتنافى مع الفكر السليم والوعي الصحيح بالواقع ومقتضياته الموضوعية سبق وبينا موقف الفكر الاسلامي من مثل هذه المزاعم الوهمية الانعكاسية، كمثال الذي يعاف من العسل لوجودها في محجمة الحجام، أو الذي يخاف من الشريط المبرقش لأن أفعى في شكله قد لسعته مرة، وهذا وهم لاحقيقة له على العموم، ودليل على نقص الوعي ومرض النفس، والمريض لا يعتمد على إقراره إلا بعد التأكد من صحة نفسه وأفكاره.

وينبغي إضافة نقطة في هذه السلبية النفسية الاعتبارية وهو أن الاثارة وإن كانت حاصلة بسبب التميز بالقلة فإنها قد تكون إثارة انتباه لا إثارة شهوة. وهنا فرق كبير بين الاثارتين، إذ التبرج هو إثارة شهوة مؤداه الفاحشة أما إثارة الانتباه فمؤداه الاعتبار واستخلاص الأفكار مع المقارنة الموضوعية ـ إن كان المثار سليم النفس ـ بين أخلاقيات المحتجبة وسلوك ومظاهر المتبرجات، مما يترتب عنه في النهاية اعتبار الوقار السليم بعموم فائدة اللبن رغم ما يراد به عمدا من تلويث عرضي وخارجي، لأن الأصل في اللبن الصلاح والاصلاح، فإذن هو أولى بالحرص عليه والاستفادة من عناصره.

2/ أما سلبية الشعور والتأثر : فتكون إما سلبية بين الزوجين أو عند الرجل والمرأة بصفة عامة كل على حدة.

فالسلبية بين الزوجين قد تتمظهر بقلق الزوج من جهة وقلق الزوجة من جهة أخرى، مع أن السبب في ذلك واحد. لأن الزوج إذا كانت زوجته متبرجة و يزعم الغيرة عليها فإنه سيلاحظ الأعين لا محالة ترمق زوجته حيثما رحل بها وارتحل، لأنها في نظر الأجنبي عنها بتبرجها عبارة عن شهوة متحركة ومحركة، ربما قد يصل الأمر إلى مراودتها أو مغازلتها بالاشارة أو النظرة وهي بجانب زوجها، قد يشعر بذلك إن كان نبيها وفطنا أو لا يشعر إن كان بليدا أو ديوثا، وفي حالة شعوره وبحكم غيرته فسيكون في قلق لابد منه وسيحتار بين أمرين: إما أن يمنع زوجته من الخروج مع أنه لا يحبذ لها الحجاب أو لا يلزمها به خضوعا للعادة السوداء أو جهلا بالحكم الشرعي أو تجاهلا له، وفي كلتا الحالتين لا يستطيع القيام بشيء.

أما قلق الزوجة فيتمثل في أنها لا تستطيع أن تمنع أعين المتبرجات من ملاحظة  زوجها بجانبها، لأن التي لا تحجب جسدها عن أجنبي منها لا تحجب عينيها عنه ولا عيني زوجها عن غيرها، إذ الأصل في الحجاب والاستئذان هو غض البصر ومنعه من الامتداد إلى أقصى الحدود، لأنها إذا منعت زوجها من ملاحظة غيرها فسيمنعها من تبرجها، وهي لا تستغني عنه في وهمها، وفي كلتا الحالتين لا تستطيع تغيير شيء.

أما السلبية الخاصة بكل جنس على حدة فتظهر عند الرجل باضطراب خيالي وانشغال ذهني تافه وتائه في وديان الشهوات وتعدد الصور التي لا تكاد تنضبط واحدة منها، ربما قد يؤدي به الحال إلى خلل في التركيز الذهني والتأثر العاطفي وفشل جنسي في الحياة الزوجية، لأن طاقته النفسية والعاطفية قد أهدرها في الشارع، وفي مشاهد الخلاعة عن طريق التلفزة والسينما وغيرهما، وهذا ما تنبه له المفكرون المسلمون بدقة وملاحظة واقعية كما يقول أبو طالب المكي: "وقد سئل بعض العلماء عن القراء يكثرون الأكل ويكثرون الجماع وتعجبهم الحلاوة، فقال: لأنه يطول جوعهم ويتعذر عليهم موجود الطعام، فإذا وجدوا استكثروا منه.

أما الحلاوة فإنهم تركوا شرب الخمر وكثرة لذات النفوس فاجتمعت لذتهم في الحلاوة فهم يأكلونها، وأما الجماع فإنهم غضوا أبصارهم في الظاهر فضيقوا على قلوبهم في الخواطر، فاتسعوا في النكاح فأكثروا منه لما ضيقوا على جوارحهم عن الانتشار في الأبصار"[291].

وقد تظهر السلبية عند المرأة في شعورها بالنقص وعدم  ثقتها بأنوثتها عند عدم مبالاة الزوج بها أو من تريد أن تثير نظره بتبرجها، إذ أن المتبرجات مثلها يوجدن بكثرة و البصر لدى غالبية الرجال ممدود إلى أقصى حدود، وليس الإلتفات إلى متبرجة أولى من الإلتفات إلى الأخرى لأن الشهوة واحدة وعمياء عن التمييز عند تحركها، وما بين الإلتفات والإعراض قد تشعر المرأة بأنها غير ذات جدوى ولا قيمة وأن سلاحها المثير أصبح مبتذلا، وبالتالي فهي عبارة عن بضاعة تعرض للمساومة والمزايدة في سوق الشهوة والاثارة. ومن هنا قد تنزلق كثير من النساء المتبرجات في دوامة التحاسد والتغاير والمراودة والمكايدة، والسقوط في براثن الرذيلة والوقاحة، مما يعني في النهاية : الاختراق والاحتراق والتصادم والتـآثم.

وهذه السلبيات قد يترتب عنها عند كلا الجنسين برود عاطفي ونفاق وكذب في التعبير عن إخلاص المودة والمشاعر، وخاصة لدى الرجل الذي يكون أكثر مزاولة للمراوغة في تعبيره وتمثيله، لأن بصره ممدود إلى أبعد الحدود والاجساد المعراة معروضة أمامه بغير قيود، فكيف  سيكون صادقا وهو في تشويشه وانغماسه الشهوي هذا إذا قال لمخطوبته أو زوجته أنها المرأة الوحيدة التي يميل إليها قلبه وتملأ فضاء عينيه؟.

وإلى جانب هذا البرود والنفاق العاطفي قد تطغى ظاهرة العزوف عن الزواج لدى كثير من الشبان، سواء من جهة المؤمنين بقضية الحجاب والملتزمين بحكمه، أو المناصرين للتبرج المروجين لشيوعه، إذ الأولـون يرفضون أن  يلتقطوا زوجاتهم من قارعة الطريق كبضاعة معروضة للمزايدة، وأما الآخرون فيجدون في المتبرجات بغيتهم السيئة في تصريف واستفراغ شهواتهم ما دمن لم يردن يد لامس ولا يمنعن لسان هامس، ولا يصرفن عن أجسادهن بصر يائس.

وبهذا الاستعراض الجسدي المقصود تكون المرأة المتبرجة قد اغتصبت الرجل نفسيا وشعوريا قبل أن يغتصـبها جسديا وسلوكيا، وصرفت الرجل عن أن يطلب معاشرتها في زواج شرعي وسوي إلى أن يريد مباضعتها في علاقة بهيمية متسيبة وشاذة، بحيث قد أصبحت المرأة في كثير من المجتمعات الحديثة مبتذلة لأنها لم تعد ذات سر وجاذبية خاصة بالنسبة إلى الرجل مما أدى ببعض الفاسدين والمسرفين في الفسق واتباع الشهوات إلى ممارسة الشذوذ الجنسي الخبيث، الشيء الذي ترتب عن إفراطه وشيوعه في بعض المجتمعات الفاسدة ظهور أفتك مرض عرفته البشرية في عصر التنظير والتحليل ـ كما يزعم البعض ـ  وهذا المرض هو فقدان المناعة المكتسبة (أو السيدا - الايدز) ناهيك عن باقي الأمراض الزهرية الأخرى كنتيجة للتسيب والفوضى في تواصل الرجل والمرأة وعلاقته البهيمية المحضة بها وخاصة في عصرنا الحالي.

ومن مقدمات هذا الشذوذ وأعراضه بروز ظاهرة الزهد في حب النساء نتيجة التداول العشوائي للمرأة في كثير من المجتمعات الفاسدة  وحيث لا تربط بين النساء والرجال  رابطة شرعية تضبط التواصل بينهم على قواعد سليمة ولغاية شريفة، وكذلك حينما لم يستطع البعض أن يميز بين الرجل  والمرأة على مستوى الوظيفة الاجتماعية والسلوك الأسري واللباس، فتم الخلط بينهما في كل المرافق وتشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء عقوقا، فحدث الشذوذ في الفكر والغريزة والسلوك، كما يقول ابن عربي "واعلموا أن الشيوخ إنما حذروا من أخذ الإرفاق من النساء ومن صحبة الأحداث لما ذكرنا من الميل الطبيعي، فلا ينبغي للمريد أن يأخد رفقا من النساء حتى يرجع هو في نفسه امرأة"[292].

وهذا الذي حصل للكثير ممن انغمسوا في مرافقة النساء على غير قاعدة وضابط شرعي، فإما أن ميلهم الشهوي أصبح شاذا نحو الرجل أو أنهم أصبحوا مخنثين على شكل نساء وأشباه الرجال، فلا رجال ولا نساء!!!.

وهذا التحول كله ليس في صالح المرأة ولا الرجل معا، ويتحمل كلا الجنسين مسؤولية سلبياته وهو نتيجة لتبرجها جاءت على عكس ما كانت تتوخاه من كسب الرجل لصالحها، إذ أنها إما كسبته جسدا بلا قلب ولا حب و غيرة أو جسدا بلا شهوة ولا صحة ميل، فحدث بسبب التبرج طرفا الرذيلة الذميمان وهما إما التفريط أو الإفراط.

إن هذا التحذير من رفقة النساء بلا قيود (في الفكر الاسلامي) مؤسس على نصوص قرآنية وحديثية خاصة بحجاب المرأة السليم في بعده الروحي والسلوكي والاجتماعي، وهذا الحجاب بضوابطه المانعة من التبرج بخلفياته ليس معناه نبذ المرأة أو سجنها في لباسها وبيتها، أو الحط من قيمتها إلى جانب الرجل، وإنما المقصد صيانتها من العبث والشذوذ والمعاكسة، وبالتالي حفظ كرامتها من أن تداس تحت أقدام الشهوات البهيمية المتسيبة، وإعطاءها حظها من الحب اللائق بها مما خصها الله به، لأن لها في الاسلام قيمتها ودورها الرئيسي في كمال الرجل معرفيا وسلوكيا. فكمال الرجل يتم بتكميل المرأة وكمال المرأة بتكميل الرجل، ومن هنا كما يقول ابن عربي : "من عرف قدر النساء لم يزهد في حبهن بل من كمال العارف حبهن، فإنه ميراث نبوي وحب إلهي، فإنه قال صلى الله عليه وسلم : "حبب إلي" فلم ينسب حبه فيهن إلا إلى الله تعالى فتدبر هذا الفصل تر عجبا"[293].

ومن كمال المحبة حفظها بالغيرة المعتدلة، وهي كراهية مشاركة الغير، بمعنى طلب الوحدة في المحبوب جسدا وروحا، ميلا ورغبة عملا وسلوكا، وهي ذات أصل شرعي وارتباط بالايمان وعقيدة التوحيد، لأن الغيرة نعت إلهي كما ورد في الحديث الشريف عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه"[294].

فالمرأة مرتبطة بالرجل ارتباطا نفسيا وروحيا، وهي مع ذلك متميزة عنه شكلا ووظيفيا، وظاهرا وغريزيا جنسيا، وللحفاظ على هذا التميز السليم عمليا ينبغي أن تحجب خاصيتها عن خاصيته ولا تكشفها إلا لمن هي مكملة لذاته وقرة عين وجوده.

وبهذا التكامل الزوجي المتماثل والمتحد من جهة والمتمايز بالشكل من جهة أخرى، يكون وجود الزوجين -الرجل والمرأة- المتفرعين عن نفس واحدة دليلا على وحدانية الله تعالى وتنزيهه تنزيها مطلقا بنفي المثلية كيفما كان نوعها عن ذاته وصفاته وأفعاله، حيث لا مثيل له ولا نظير ولا شبيه.

                              

يقول الله تعالى :

)فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ،ليس كمثله شيء وهو السميع البصير([295].

 

                                                                                                                   صدق الله العظيم.


** قائمة المصادر والمراجع **

***************

 

‍1) القرآن الكريم.

‌2) الحديث النبوي.

                المصادر التراثية بحسب ترتيبها في البحث.

3) ابن عربي، الفتوحات المكية دار صادر بيروت.

4) الغزالي، المنقذ من الضلال مكتبة الجندي مصر.

5) الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد مكتبة الجندي .

6) ابن تيمية: حجاب المرأة ولباسها في الصلاة تحقيق محمد ناصر الدين الألباني ط 2  المكتب الاسلامي.

7) الغزالي، الرسالة اللدنية مجموع رسائل الامام الغزالي دار الكتب العلمية بيروت ط 1406-1986.

8) ابن عباد النفزي: شرح الحكم مكتبة أحمد بن نبهان وأولاده.

9) الغزالي، منهاج العابدين مكتبة الجندي.

10) أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية دار الكتاب العربي بيروت.

11) الغزالي، ميزان العمل دار الكتب العلمية بيروت لبنان ط ‌1  1409هـ-1989م.

12) ابن عطاء الله السكندري، لطائف المنن تحقيق عبد الحليم محمود مطبعة حسان مصر.

13) الغزالي، معارج القدس في مدارج معرفة النفس دار الآفاق الجديدة.

14) ابن عربي الحاتمي، تفسير القرآن الكريم تحقيق مصطفى غالب دار الأندلس بيروت.

15) ابن عربي، الوصايا دار الايمان بيروت دمشق.

16) ابن حزم، طوق الحمامة في الألفة والألاف بتحقيق الطاهر أحمد مكي دار المعارف الطبعة الثانية.

17) الغزالي، إحياء علوم الدين، مطبعة محمد علي صبيح وأولاده.

18) الغزالي، الأربعين في أصول الدين دار الآفاق الجديدة.

19) حارث بن أسد المحاسبي، آداب النفوس دار الجيل بيروت ط 1984.

20) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن دار الكتاب العربي للطباعة والنشر 1387-1967.

21) الرازي، التفسير الكبير المطبعة البهية المصرية.

22) ابن كثير، مختصر تفسير ابن كثير اختصار وتحقيق محمد علي  الصابوني دار القرآن الكريم بيروت.

23) السهر وردي، عوارف المعارف دار الكتاب العربي بيروت لبنان 1960.

24) ابن تيمية، مجموع فتاوي ج 34 من الظهـار إلى قتال أهل البغي مكتبة المعارف الرباط.

25) ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق مطبعة محمد علي صبيح وأولاده 1388-1958.

26) ابو الحسن الماوردي، أدب الدنيا والدين تصحيح محمد محمد محيسن ط 1.

27) أبو الحسن التسولي، البهجة في شرح التحفة دار الفكر بيروت.

28) داود بن عمر الأنطاكي، تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب المكتبة الثقافية بيروت.

29) ابن خلدون، المقدمة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

30) ابن قيم الجوزية، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان دار الكتب العلمية بيروت ط 1   1402-1985.

31) الخطيب القزويني، الايضاح في علوم البلاغة دار الكتب العلمية بيروت ط 1 1405-1985.

32) الغزالي، جواهر القرآن، منشورات دار الآفاق الجديدة.

33) الغزالي، إلجام العوام عن علم الكلام دار  الكتاب العربي بيروت.

34) أبو الحسن الماوردي، أعلام النبوة دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

35) عبد القادر الجيلاني، الغنية لطالبي طريق الحق دار الفكر بيروت.

36) أبو عمر بن عبد البر النمري، بهجة المجالس وأنس المجالس دار الجيل للطباعة مصر.

37) الحارث بن أسد المحاسبي، شرف العقل وماهيته تحقيق مصطفى عبد القادر عطا دار الكتب العلمية بيروت لبنان.

38) أبو طالب المكي، قوت القلوب دار الرشاد الحديثة.

39) ابن رشد، مقدمات، مطبعة السعادة مصر.

40) الغزالي، فضائح الباطنية تحقيق عبد الرحمن بدوي مؤسسة  دار الكتب الثقافية الكويت حولي.

41) العسقلاني، فتح الـباري شرح صحيح البخاري دار الكتب العلمية بيروت.

42) جلال الدين السيوطي والمحلى، تفسير الجلالين المكتبة الشعبية مصر.

43) عبد الوهاب الشعراني، الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية تحقيق طه عبد الباقي سرور، السيد محمد عيد الشافعي، مكتبة المعارف بيروت.

44) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.

45) المحاسبي، الرعاية لحقوق الله تحقيق عبد القادر أحمد عطا دار الكتب العلمية بيروت 1405-1985.

46) ابن قيم الجوزية، الروح دار الكتب العلمية بيروت.

                قـائمــة المـراجـع العربيــة الحديثــة :

47) محمد رشيد رضا، حقوق النساء في الاسلام نداء للجنس اللطيف ط 2  1405-1985 مكتبة التراث الاسلامية القاهرة.

48) زكي مبارك، الأخلاق عند الغزالي.

49) صبري القباني، حياتنا الجنسية دار العلم للملايين بيروت ط 22 - 1978.

50) أنور فؤاد أبي خزام، معجم المصطلحات الصوفية حجاب مكتبة لبنان ط 1 -1993 ناشرون.

51) سيد سابق، فقه السنة دار البيان الكويت.

52) محمد محيي الدين عبد الحميد، الأحوال الشخصية في الشريعة الاسلامية المكتبة التجارية مصر.

53) جميل صليبا، علم النفس دار الكتاب اللبناني بيروت ط 3.

54) حاتم الكعبي، التغيير الاجتماعي وحركات المودة دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت.

                قائمة المراجع المترجمة إلى العربية :

55) روجيه غارودي، الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها دار عام ألفين باريس ط الأولى 1992.

56) ألان إسحاق، فاليري بيت، الفيزياء ترجمة محمد دبس مكتبة الثقافة العلمية الميسرة معهد الانماء العربي.

57) أفلاطون، جمهورية أفلاطون  ترجمة فؤاد زكريا الهيئة المصرية العامة للكتاب 1974 .

58) سيجمند فرويد، الكف والعرض والقلق ترجمة محمد عثمان نجاتي دار الشروق ط 3  1403هـ –1983م.

59) هـ . ج أيزنك، الحقيقة والوهم في علم النفس ترجمة قدري حفني، رؤوف نظمي دار المعارف بمصر.

60) بول شوشار، فيزيولوجية الوجدان ترجمة الدكتور خليل الجر سلسلة ماذا أعرف 41- المنشورات العربية المطبعة البولسية، جونية.

61) فاليري ليبين، مذهب التحليل النفسي وفلسفة الفرويدية الجديدة دار الفارابي بيروت ط 1 -1981.


 


1  ابن عربي  : الفتوحات المكية. دار صادر بيروت، ج 2 ص 259  

2 روجيه غارودي : الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها دار عام ألفي باريس ط الأولى 1992 ص 104

3  الغزالي : المنقذ من الضلال مكتبة الجندي ص : 32

[4] الغزالي  : المنقذ من الضلال، ص : 34

[5]  الغزالي : الاقتصاد في الإعتقاد مكتبة الجندي، ص : 143 .

[6] سـورة الأحـزاب، آية 32 ، 33

[7] سـورة الأحـزاب آية 53

[8]  سورة الأحزاب آية 59

[9] سورة النور آية 31

[10] رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان

[11] أخرجه الترمذي في السنن

[12] محمد رشيد رضا : حقوق النساء في الاسلام نداء للجنس اللطيف، مكتبة التراث الاسلامي، القاهرة ط 2  1405 هـ 1985م ص 132

[13] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامـي، ط 2. 1393هـ  ص14-15.

[14] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة ص 35

[15] محمد رشيد رضا، حقوق النساء في الاسلام ص 133-134 .

[16] محمد رشيد رضا، حقوق النساء في الاسلام ص 136.

[17] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة ص 46.

[18] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة ص : 49-51 .

[19] الغزالي، الرسالة اللدنية، مجموع رسائل الامام الغزالي، دار الكتب العلمية بيروت 1406-1986 ص : 98 .

[20] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة ص : 34 .

[21] محمد رشيد رضا، حقوق النساء في الإسلام ص 137.

[22] ابن عربي الحاتمي الفتوحات المكية دار صادر، بيروت، ج1، ص408.

[23] نـفسه، ص : 408

[24] ابن عباد : شرح الحكم : مكتبة أحمد بن نبهان وأولاده، ج 1 ص : 29 .

[25]  الغزالي : منهاج العابديـن، مكتبة الجندي، ص : 77-78.

[26] أبو القاسم القشيري : الرسالة القشيرية، دار الكتاب العربي بيروت، ص : 115

[27] ابن عربي : الفتوحات المكية ج 2، ص : 244 .

[28] نفس المرجع، ج 2، ص : 245 .

[29] الغزالي : ميزان العمل  دار الكتب العلمية، بيروت لبنان ط 1، 1409 هـ / 1989 م، ص 114.

[30] رواه أبو داود والنسائي.

[31] الغزالي، إحياء علوم الدين ج2، ص 42.

32 ابن عربي الفتـوحات المكية ج 2، ص 358.

[33] ابن عطاء الله  السكندري، لطائف المنن، تحقيق عبد الحليم محمود، مطبعة حسان مصر، ص 96

34 ابن عطاء  الله السكندري : لطائف المنن ص : 104-106.

[35] سـورة الأحزاب آية 59

[36] ابن العربي الفتوحات المكية، ج 2، ص 501.

[37] القشيري : الرسالة القشيرية، ص 37

[38] زكي مبارك : الأخلاق عند الغزالي، ص : 75.

[39] الغزالي : معارج القدس في مدارج معرفة النفس دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص 6.

40 سورة الأنبياء آيـة 30.

[41]  سورة النسـاء آية 1.

[42] ابن عربي الحاتمي تفسير القرآن الكريم، تحقيق مصطفى غالب  دار  الأندلس بيروت ج 1 ص : 247 .

[43] أبو طالب  المكي : قوت القلوب ج2، ص : 247 .

44 ابن عربي : الوصايا دار  الايمان بيروت دمشق ص : 25 .

[45] صبري القباني، حياتنا الجنسية، دار العلم للملايين بيروت ط 22  - 1978، ص : 253

[46]رواه أحمد والنسائي وأصحاب السنن.

[47] ألان إسحاق فاليري بيت : الفيزياء  : ترجمة محمد دبس، مكتبة الثقافة العلمية الميسرة، معهد الإنماء العربي، ص : 38

[48] متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بهذا اللفظ.

[49] ابن حزم : طوق الحمامة في الألفة والألاف، تحقيق الطاهر أحمد مكي، دار المعارف، ط2، ص 146

[50] سورة النور آية 1 .

[51] الغزالي : إحياء علوم الدين ج 3، ص : 36.

[52] الغزالي : الاربعين في أصول الدين دار الآفاق الجديدة،  ص : 171 .

[53]حارث بن أسد المحاسبي :  آداب النفوس دار الجيل بيروت ط 1984 ص : 126 .

[54] أفلاطون : جمهورية أفلاطون ترجمة فؤاد زكريا الهيئة المصرية العامة للكتاب 1974 ص : 347 .

[55] سجمند فرويد : الكف والعرض والقلق ترجمة محمد عثمان نجاتي دار الشروق ط 3  1403 هـ 1983م

[56] ألان إسحق – فاليري بيت: الفيزياء ص 40

[57] الغزالي : إحياء علوم الدين ج 3، ص :91.

[58] ابن عربي : الفتوحات المكية ح 2، ص : 293

[59] ابن عربي : الفتوحات المكية ج 2 ص : 193 

[60] الغزالي : الأربعين في أصول الدين دار الآفاق الجديدة بيروت ص : 190

[61] الغزالي، أحياء علوم الدين ج 3 ص 86

[62] الغزالي، الأربعين في أصول الدينص : 225.

[63] الغزالي، معارج القدس فـي مدارج معرفة النفس  ص : 82

[64] الغزالي : ميزان العمل ص : 54

[65] أنور فؤاد أبي خزام : معجم المصطلحات الصوفية : حجاب  مكتبة لبنان ناشرون ط 1  1993 ص

[66] سورة الأعراف آية 26 - 27

[67] سورة المطففين، آية : 15

1  ابن عربي  : الفتوحات المكية. دار صادر بيروت، ج 2 ص 259  

2 روجيه غارودي : الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها دار عام ألفي باريس ط الأولى 1992 ص 104

3  الغزالي : المنقذ من الضلال مكتبة الجندي ص : 32

[71] الغزالي  : المنقذ من الضلال، ص : 34

[72]  الغزالي : الاقتصاد في الإعتقاد مكتبة الجندي، ص : 143 .

[73] سـورة الأحـزاب، آية 32 ، 33

[74] سـورة الأحـزاب آية 53

[75]  سورة الأحزاب آية 59

[76] سورة النور آية 31

[77] رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان

[78] أخرجه الترمذي في السنن

[79] محمد رشيد رضا : حقوق النساء في الاسلام نداء للجنس اللطيف، مكتبة التراث الاسلامي، القاهرة ط 2  1405 هـ 1985م ص 132

[80] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامـي، ط 2. 1393هـ  ص14-15.

[81] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة ص 35

[82] محمد رشيد رضا، حقوق النساء في الاسلام ص 133-134 .

[83] محمد رشيد رضا، حقوق النساء في الاسلام ص 136.

[84] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة ص 46.

[85] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة ص : 49-51 .

[86] الغزالي، الرسالة اللدنية، مجموع رسائل الامام الغزالي، دار الكتب العلمية بيروت 1406-1986 ص : 98 .

[87] ابن تيمية، حجاب المرأة ولباسها في الصلاة ص : 34 .

[88] محمد رشيد رضا، حقوق النساء في الإسلام ص 137.

[89] ابن عربي الحاتمي الفتوحات المكية دار صادر، بيروت، ج1، ص408.

[90] نـفسه، ص : 408

[91] ابن عباد : شرح الحكم : مكتبة أحمد بن نبهان وأولاده، ج 1 ص : 29 .

[92]  الغزالي : منهاج العابديـن، مكتبة الجندي، ص : 77-78.

[93] أبو القاسم القشيري : الرسالة القشيرية، دار الكتاب العربي بيروت، ص : 115

[94] ابن عربي : الفتوحات المكية ج 2، ص : 244 .

[95] نفس المرجع، ج 2، ص : 245 .

[96] الغزالي : ميزان العمل  دار الكتب العلمية، بيروت لبنان ط 1، 1409 هـ / 1989 م، ص 114.

[97] رواه أبو داود والنسائي.

[98] الغزالي، إحياء علوم الدين ج2، ص 42.

32 ابن عربي الفتـوحات المكية ج 2، ص 358.

[100] ابن عطاء الله  السكندري، لطائف المنن، تحقيق عبد الحليم محمود، مطبعة حسان مصر، ص 96

34 ابن عطاء  الله السكندري : لطائف المنن ص : 104-106.

[102] سـورة الأحزاب آية 59

[103] ابن العربي الفتوحات المكية، ج 2، ص 501.

[104] القشيري : الرسالة القشيرية، ص 37

[105] زكي مبارك : الأخلاق عند الغزالي، ص : 75.

[106] الغزالي : معارج القدس في مدارج معرفة النفس دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص 6.

40 سورة الأنبياء آيـة 30.

[108]  سورة النسـاء آية 1.

[109] ابن عربي الحاتمي تفسير القرآن الكريم، تحقيق مصطفى غالب  دار  الأندلس بيروت ج 1 ص : 247 .

[110] أبو طالب  المكي : قوت القلوب ج2، ص : 247 .

44 ابن عربي : الوصايا دار  الايمان بيروت دمشق ص : 25 .

[112] صبري القباني، حياتنا الجنسية، دار العلم للملايين بيروت ط 22  - 1978، ص : 253

[113]رواه أحمد والنسائي وأصحاب السنن.

[114] ألان إسحاق فاليري بيت : الفيزياء  : ترجمة محمد دبس، مكتبة الثقافة العلمية الميسرة، معهد الإنماء العربي، ص : 38

[115] متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بهذا اللفظ.

[116] ابن حزم : طوق الحمامة في الألفة والألاف، تحقيق الطاهر أحمد مكي، دار المعارف، ط2، ص 146

[117] سورة النور آية 1 .

[118] الغزالي : إحياء علوم الدين ج 3، ص : 36.

[119] الغزالي : الاربعين في أصول الدين دار الآفاق الجديدة،  ص : 171 .

[120]حارث بن أسد المحاسبي :  آداب النفوس دار الجيل بيروت ط 1984 ص : 126 .

[121] أفلاطون : جمهورية أفلاطون ترجمة فؤاد زكريا الهيئة المصرية العامة للكتاب 1974 ص : 347 .

[122] سجمند فرويد : الكف والعرض والقلق ترجمة محمد عثمان نجاتي دار الشروق ط 3  1403 هـ 1983م

[123] ألان إسحق – فاليري بيت: الفيزياء ص 40

[124] الغزالي : إحياء علوم الدين ج 3، ص :91.

[125] ابن عربي : الفتوحات المكية ح 2، ص : 293

[126] ابن عربي : الفتوحات المكية ج 2 ص : 193 

[127] الغزالي : الأربعين في أصول الدين دار الآفاق الجديدة بيروت ص : 190

[128] الغزالي، أحياء علوم الدين ج 3 ص 86

[129] الغزالي، الأربعين في أصول الدينص : 225.

[130] الغزالي، معارج القدس فـي مدارج معرفة النفس  ص : 82

[131] الغزالي : ميزان العمل ص : 54

[132] أنور فؤاد أبي خزام : معجم المصطلحات الصوفية : حجاب  مكتبة لبنان ناشرون ط 1  1993 ص

[133] سورة الأعراف آية 26 - 27

[134] سورة المطففين، آية : 15

[135] القرطبي : الجامع لأحكام القرآن  : دار الكتاب العربي للطباعة والنشر 1387-1967. ط 3 المجلد 6 ج 12، ص : 309

[136] الرازي : التفسير الكبير ج 24 ص : 34 .

[137] سيد سابق : فقه السنة دار البيان الكويت ج 2 ص : 180.

[138] الغزالي : الرسالة اللدنية مجموعة رسائل الغزالي، دار الكتب العلمية بيروت. ص : 90

[139] الغزالي الرسالة اللدنية، ص : 96

[140] سورة الأحزاب آية 33.

[141] ابن كثير : مختصر تفسير ابن كثير اختصار وتحقيق محمد علي الصابوني دار القرآن الكريم بيروت ج 3 ص : 94.

8 رواه البخاري.

[143] أخرجه ابن ابي حاتم وأبو داود

[144] سيجمند فرويد، الكف والعرض والـقلق : ترجمة محمد عثمان نجاتي، ص : 16

11 ابن عـربي، الفتوحات المكية، ج 3، ص : 256

12  السهروردي، عوارف المعارف دار الكتاب العربي. بيـروت لبنان 1960، ص : 175 ـ 176

[147] الغزالي، إحياء علوم الديـن، ج : 3، ص : 62 ـ 63

[148] رواه أحمد وأبو داود والحاكم وقال صحيح على  شرط مسلم .

15 رواه البخاري في كتابي التفسير والجنائز عن أبي هريرة.

[150] الغزالي : إحياء علوم الدين ج 3  ص : 64.

[151] سورة العنكبوت: آية 45.

[152] ابن تيمية، مجموع فتاوى، مكتبة المعارف، الرباط، ج 34 من الظهار إلى قتال أهل البغي ص 129

[153] ابن تيمية، مجموع فتاوى ج 34 من الظهار إلى قتال أهل البغي، ص130

[154] فرويد : الكف والعرض والقلق ص : 68.

21 هـ . ج أيزنك : الحقيقة والوهم في علم النفس، دار  المعارف بمصر ترجمة قدري حفنـي، رؤوف نظمي ص : 116 .

[156] ابن مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، مطبعة محمد على صبيح وأولاده 1378هـ / 1958، ص : 58 ..

23 ابو الحسن الماوردي،  أدب الدنيا والدين ، ط 1 تصحيح محمد محمد محيسن، ص : ‍168 .                                    

[158]  الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج 3، ص : 62

[159] سورة  مريم آيـة 59.

26 ابن عربي، الفتوحات المكية، ج 2، ص : 191

27 الغزالي، إحياء علوم الدين، ج : 1، ص : 16

28 الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 1، ص : 19.

29 الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، ص : 20 

30 الغزالي، ميزان العمل، ص : 130 

31 أبو الحسن التسولي : البهجة في شرح التحفة. دار الفكر. بيروت. ج1 ص 322

32 الغزالي : إحياء علوم الدين. ج 1 ص 21

33 داود بن عمر الأنطاكي : تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب ، المكتبة الثقافية بيروت الجزء الأول ص : 5 .

[168] محمد محيي الدين عبد الحميد،  الأحوال الشخصية في الشريعة  الاسلامية، المكتبة التجارية مصر، ص : 371

35 الأنطاكي : تذكرة أولي الألباب ج 1  ص : 8 .

[170] الغزالي : إحياء علوم الدين ج 3  ص : 69.

[171] ابن خلدون : المقدمة، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ص : 327

38 الغزالي، ميزان العمل، ص : 15  ـ وفي كتاب الأربعين في أصول الدين ص: 141

زعم المنجم والطبيب كلاهما  ***  لا تحشر الأموات قلت إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر *** إن صح قولي فالخسار عليكما

39 ابن قيم الجوزية : فوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان ،دار  الكتب العلمية، بيروت ط 1-1402-1982،ص : 188.

[174] الخطيب القزويني : الايضاح في علوم البلاغة ،دار الكتب العلمية بيروت ط 1  1405-1985، ص : 253-254.

[175] الغزالي، جواهر القرآن، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص : 28

42 الغزالي،  إحياء علوم الدين ج 3،ص : 3

43 ابن عربي، الفتوحات المكية،  ج 3، ص : 532.

[178] سورة آل عمران، آية 14.

[179] رواه البخاري : باب حجبت النار  بالشهوات.

[180] أخرجه أبو داود والترمذي.

[181] الغزال : المنقذ من الضلال، مكتبة الجندي، ص : 5 .

48 الحارث بن أسد المحاسبي : شرف العقل وماهيته ، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا ،  دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان 1960 ط 1 . ص : 58

[183] السهر وردي : عوارف المعارف دار الكتاب العربي بيروت لبنان، ص : 252

[184] جميل صليبا، علم النفس، دار  الكتاب اللبناني، بيروت، ط 3، ص : 647

51 بول شوشار، فيزيولوجية  الوجدان، ترجمة الدكتور خليل الجر، سلسلة ماذا أعرف41 المنشورات العربية، المطبعة البولسية جونية، ص : 89 .

52 بول شوشار : فيزيولوجية الوجدان ص :91 .

[187] نفس المرجع، ص : 15

[188] جميل صليبا : علم النفس ص : 643

[189] المحاسبي : آداب النفوس، ص : 126 .

56 الغزالي : إلجام العوام عن علم الكلام دار الكتاب العربي بيروت ص : 77.

[191] سيجمند فرويد : الكف والعرض والقلق ص : 53

[192] سيجمند فرويد، الكف والعرض والقلق، ص : 60

59  الغزالي :إحياء علوم الدين، ج 3، ص : 48

60 الغزالي، الإقتصاد في الإعتقاد، ص : 70 ـ 71.

[195] أبو الحسن الماوردي : أعلام النبوة،  دار الكتب العلمية بيروت لبنان،  ص : 42

62 ابن عربي : الفتوحات المكية  ج 3 ، ص : 503

63 ابن عربي، الفتوحات المكية، ج 3، ص : 508

[198]  ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة،        ص :38.

[199] ابن حزم الأندلسي طوق الحمامة ص :164.

66 الغزالي : إحياء علوم الدين ج 2 ص : 43 .

67رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري

68 أخرجه مسلم ورواه أبو داود والترمذي والنسائي أيضا

[203] رواه مسلم عن جابر

[204] عبد القادر الجيلاني، الغنية لطالبي طريق الحق، دار الفكر بيروت ج 1 ص : 46 .

[205]  أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وأبو داود والترمذي في سننيهما عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا

72 السهر وردي، عوارف  المعارف ص : 172-173 .

73 سورة الزخرف آية 22 .

[208] فاليري ليبين : مذهب التحليل النفسي وفلسفة الفرويدية الجديدة دار الفارابي بيروت الطبعة الأولى 1981، ص : 92-93

75 سورة الأعراف آية 172-173 .

76 سورة الأنعـام آية 153

[211] حاتم الكعبي: التغيير الإجتماعي، وحركات المودة، دار الحداثة للطباعة والنشر والتوزيع، ص 29-31.

[212] حاتم الكعبي: التغيير الإجتماعي وحركات المودة، ص : 29 ـ 31

[213] سورة الأنعام، آية 115 - 119.

[214] سورة المائدة، آية 102

81 أبو  عمر بن عبد البر: بهجة المجالس وأنس المجالس دار الجيل للطباعة مصر ج1 ص 558 .

82 حاتم الكعبي، المودة وحركات التغيير الاجتماعي، ص : 31 .

[217] الغزالي، إحياء علوم الدين ج 3 ص: 88.

84رواه البخاري : كتاب النكاح.

[219] ابن حزم : طوق الحمامة في الألفة والألاف،  ص : 164

[220] الغزالي : إحياء علوم الدين ج 3، ص : 111

[221] محمد رشيد رضا : حقوق النساء في الاسلام ص : 132

88 القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، م 6 ج 12، ص : 224

[223]  أبو  طالب المكي، قوت القلوب، دار الرشاد الحديثة، ج 2، ص : 260

90 أبو طالب المكي : قوت القلوب ج2 ص : 261.

[225] الغزالي، إحياء علوم الدين، ج 3، ص : 88

[226] ابن رشد: مقدمات ابن رشد مطبعة السعادة. مصر. ج 1 ص 134.

[227]سورة التوبة آية 81 .

[228] الصابوني، مختصر ابن كثير  ج 2، ص : 600.

[229] القرطبي : الجامع لأحكام القرآن المجلد السادس ج 12 ص :  223 .

[230] الغزالي : إحياء علوم الدين ج3، ص : 58.

[231] الغزالي : فضائح الباطنية ، تحقيق عبد الرحمن بدوي مؤسسة دار الكتب الثقافية الكويت حولي، ص : 14.

[232] رواه البخاري في كتاب النكاح

[233] العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية بيروت ج 9، ص :  415

[234] الغزالي، إحياء علوم الدين ج 3 ص 51.

[235] سورة النسـاء، آية 26 – 28

2 ابن كثير، مختصر ابن كثير، تحقيق محمد الصابوني، م 2، ص : 245

[237] الغزالي، ميزان العمل دار الكتب العلمية بيروت لبنان ص 87

[238] ابن عربي الفتوحات المكية ج 1 ص 339

[239] رواه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

[240] الغزالي، إحياء علوم الدين ج 2  ص 35.

[241] سورة يوسف آية 23.

[242] سورة يوسف آية 31-32.

[243] الرازي التفسير الكبير، المطبعة الباهية المصرية، ج 18، ص 126

[244] أبو طالب الـمكي ، قوت القلوب ، ج 2، ص : 244

[245] سورة يوسف، آية : 32

[246] سورة يوسف، آية 51-52

[247] سورة يوسف، آية 5

[248] جلال الدين السيوطي :و المحلى، تفسير الجلالين، المكتبة الشعرية، مصر، ص 193.

[249] الرازي : التفسير الكبير، ج 18، ص 89.

[250] سورة النساء، جزء من آية 76

[251] ابن عباد النفزي، شرح الحكم  ج 2، ص : 59.

[252] ابن عباد النفزي، شرح الحكم ج 2، ص 60.

[253] سورة يوسف، آية 28.

[254] أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية دار الكتاب العربي بيروت، ص : 186

[255] عبد الوهاب الشعراني، الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، مكتبة المعارف بيروت، ج 2، ص : 191

[256]  الغزالي، إحياء علوم الدين ج 3 ص 90.

[257] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت م 3، ج 4، ص : 14

[258] الرازي، التفسير الكبير ط1 ج 18

[259] ابن عربي، الفتوحات المكية، ج 3، ص : 348

[260] سورة يوسف آية 33

[261] جزء من حديث رواه البخاري في كتاب الحدود عن أبي هريرة

[262] متفق عليه من حديث أسامة بن زيد

[263] رواه البخاري، كتاب المغازي.

[264] رواه مسلم عن أبي هريرة

[265] الغزالي، إحياء علوم الدين ج 3 ص 168.

[266] رواه الترمذي وابن ماجه من حديث شداد ابن أوس

[267] المحاسبي، الرعاية لحقوق الله، دار الكتب العلمية بيروت 1409 - 1985، ص : 344

[268]  ابن قيم الجوزية، الروح، دار الكتب العلمية بيروت، ص : 189

[269] المحاسبي، الرعاية لحقوق الله، دار الكتب العلمية بيروت 1409 - 1985، ص 433

[270] الغزالي : منهاج العابدين، ص 185

[271] سورة النور، آية : 58.

[272] الرازي : التفسير الكبير، ج 24 ص 34

[273] الغزالي، إحياء علوم االدين ج 3، ص : 320

[274] أبو طالب المكي : قوت القلوب ج 2، ص 255.

[275] الغزالي : إحياء علوم الدين ج 3 ص 319

[276] المحاسبي : الرعاية لحقوق الله، ص 226

[277] حاتم الكعبي، التغيير الاجتماعي وحركات المودة ص 29

[278] الصابوني : مختصر ابن كثير، نقلا عن الصحاح للجوهري ج 2، ص : 583

[279] رواه النسائي والحاكم وقال صحيح الاسناد

[280] رواه أحمد

[281] ابن عربي : الفتوحات المكية، ج 3، ص 7-8

[282] الغزالي، إحياء علوم الدين ج 2،  ص : 34

[283] القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ج 12 ، ص : 227

[284] الغزالي، فضائح الباطنية، تحقيق عبد الرحمن بدوي، مؤسسة دار الكتب الثقافية الكويت حولي ص : 15

[285] أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ص : 362

[286] داود بن عمر الأنطاكي، تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب، ج 1، ص : 129.

[287] الغزالي، إحياء علوم الدين ج 3 ص 8

[288] الغزالي، إحياء علوم الدين ج 3 ص 9

[289] سورة البقرة آية 203 - 207 .

[290] ابن عربي: الفتوحات المكية ج 3، ص: 257

[291] أبو طالب المكي، قوت القلوب ج 2، ص: 241.

[292] ابن عربي، الفتوحات المكية، ج 2، ص: 192

[293] ابن عربي، الفتوحات المكية، ج 2، ص: 190

[294] رواه مسلم

[295] سورة الشورى، آية 9