|
5- "عرس المجد" لعمر أبي ريشة |
|
|
1-
عمر أبو ريشة شاعر سوري معاصر ولد بمنبج
موطن أبي فراس والبحتري ونشأ بحلب وبها
درس دراسته الأولى ثم انتقل إلى بيروت
حيث أتم دراسته الثانوية بالجامعة
الأمريكية، ثم أرسله والده إلى مانشستر
بانجلترا لدراسة صناعة النسيج أو
الكيمياء الصناعية لكن صناعة الأدب
غلبت عليه فاهتم بدراسة الأدب
الإنجليزي أكثر من اهتمامه بصناعة
النسيج. ومن انجلترا سافر إلى فرنسا تم
عاد إلى حلب سنة 1350 هـ وفي عام 1368 هـ
انتخب عضوا مراسلاً للمجمع العلمي
بدمشق، ثم وزيرا مفوضاْ بالبرازيل سنة
1370 هـ ثم نقل إلى الأرجنتين فالهند. |
|
|
ولقد
عاصر الشاعر الاستعمار الفرنسي الذي
اشتدت قبضته على سوريا فكان ذلك سببًا
في اتجاه الشعراء بعامة وأبي ريشةَ
بخاصة إلى الشعر الوطني الذي يهاجمون
فيه الاستعمار ويبثون فيه آلام الأمة
وآمالها. |
|
|
وقد
قويت الروح الإِسلامية عند أبي ريشة حين
كان في انجلترا الأمر الذي جعله قوي
الصلة بمسجدها وروادها من المسلمين،
ولم يقف حبه للإِسلام عند هذا الحد بل
اتجه إلى كثير من أمجاد الإِسلام
واتخذها موضوعات لشعره كسيرة المصطفى
صلى الله عليه وسلمَ ومكة المكرمة،
والقدس الشريف، وغير ذلك مما يتجلى فيه
الروح الإِسلامي عند أبي ريشةَ، ولم يقف
اهتمامه بأحداث الإِسلام عند القصائد
بل كان له من المسرحيات ما يدل على هذه
الروح، مثل مسرحية [الإمام علي] ومسرحية
[الحسين] ومسرحية [تاج محل] ونحوها، ومن
مؤلفاته أيضا [الملاحم البطولية في
التاريخ الإِسلامي] وعدد أبياتها 12000
بيت، ويذكر (سامي الكيالي) أنها لم تتم
ولوكملت لكانت أعظم ملحمة في العربية،
وفي الواقع أنها أكثر من ملحمة ففيها: |
|
|
1-
ملحمة [محمد] عليه الصلاة والسلام. |
|
|
2-
ملحمة [خالد] |
|
|
3-
ملحمة [بطل اليرموك] |
|
|
وله
تسعة دواوين أحدها بالإنجليزية وله تسع
مسرحيات وهذا يعنى أن أبا ريشة غزير
الإنتاج. |
|
|
ويبدو
أن الشاعر كان يستخف بفحول الشعراء ويرى
أن خيالهم قد كبا دون الفكرة الشعرية،
ولذا فهو لم يستفد منهم شيئاً سوى اللغة
يقول أبو ريشة: " أحببت في أول نشأتي
شعر البحتري وأبي تمام وشوقي وأضرابهم
لأن أساتذتي سامحهم اللّه- كانوا يغرقون
في امتداحهم ولا يشحذون لساني إلا
بشعرهم فكم رقصت طربا عند سماعي: |
|
|
أحَلَّ
سَفْكَ دَمِي في الأشْهُرِ الحُرُمِ |
رِيم
عَلَى الْقَاعِ بَيْنَ الْبَانِ
وَالْعَلَمِ |
|
وإني
وإن استفدت شيئاً من هؤلاء فإنما استفدت
اللغة والتركيب أما الفكرة الشعرية فقد
كبا دونها خيالهم الكسيح " أما أحب
الشعراء إليه فـ [بو] و[بودلير]. سامحك
الله يا أبا ريشة إنك لو أتيت لنا بأفضل
مما أتى به شوقي والبحتري أو على الأقل
بمثل ما أتيا به لأقنعتنا بصدق قولك،
أما وقد كبا يراعك دون شعرهم فإنه ليس من
حقك أن تقول هذا القول. ثم أي لغة
استفادها من يقول: |
|
|
ولم
ينادِ المجدُ هذا جبان |
لم
تَرتَشِفْ دمْعيِ شِفاهُ الهَوان |
|
وعلى
أي حال فإن لموضوعات الشاعر شفاعة ونعني
تلك الموضوعات الإسلامية التي أشرنا
إليها سلفاً. |
|
|
2-
قصيدته [عرس المجد] |
|
|
نظم
أبو ريشة هذه القصيدة في حلب وألقيت في
حفل أقيم هناك احتفالا بجلاء الفرنسيين
عن سوريا عام 1366 هـ. |
|
|
وكأنما
رسم الشاعر في صدرها صورة للاحتلال
الفرنسي في قوته وشراسته، ثم في ضعفه
وانهزامه خضوعا وانقيادا للبطولات التي
ضحت بالأنفس كي لا يقر للاستعمار قرار. |
|
|
وأبو
ريشة حين يفخر يلتقي في فخره: الإسلامُ
بالعروبة؟ ويمتد وطنه فيتجاوز سوريا
إلى القدس وغيرهما من بلاد الإسلام، فمن
حديث عن الشام إلى حديث عن العرب الذين
انبثوا من الجزيرة ينشرون العدل
والسلام في ظلال الإِسلام، إلى حديث عن
القدس وما أصابها من ويلات، وكان ذلك
قبل قيام دولة إسرائيل التي قامت بعد
جلاء الفرنسيين بعام وأشهر، وهو يرجع ما
أصاب جل بلاد العرب من ويلات الاستعمار
إلى ذلك الضعف الذي منُوا به قبل العصر
الحديث. لكنه لا يكاد يسمو في فخره إلى
الثريا في قوله: |
|
|
عَن
جَنَاحَيْها غُبَارَ التَعَبِ |
كَمْ
لَنَا مِنْ مَيْسلُوْنٍ نَفَضَتْ |
|
حتى
يتدنى إلى الثرى في البيتين بعده: |
|
|
وَكَبَتْ
أفَراَسُنَا في مَلْعَبِ |
كَم
نَبَت أسْيَافُنا في مَلْعَبٍ |
|
لِنضَالِ
عَاثِرٍ مُصْطَخِبِ |
مِنْ
نِضَال عَاثِر مصطَخِبٍ |
|
فالذي
يفخر لا تكون الهزيمة عنده موضع فخار
إلا إذا استطاع أن يخرج بها مخرجا أخر
وهذا ما لم يفعله أبو ريشة فهي كبوة لا
تستطيع جلبة الألفاظ سترها. |
|
|
على
أن القصيدة عامرة بروح الفرحة
والابتهاج بذلك النصر الذي حققه
السوريون دون أن يستعينوا على طرد
الأجنبي بأجنبي. |
|
|
والقصيدة
سهلة ميسورة دانية المعاني واضحة
الأفكار، لولا ما يشويها من دلائل الضعف
اللغوي كاستعمال كلمة [ذنابا] بدلا من [زبانا]
في قوله: |
|
|
لَمْ
تُلامِسْهَا [ذُنَابَي] عَقْرَبِ |
أيْنَ
في القُدْسِ ضُلُوع غَضَةٌ |
|
أو
ضعف الصورة الأدبية الناتج عن الأبعاد
في الخيال الذي جعل للسحاب ضلوعا يدفن
فيها العاصف: |
|
|
دَفَنَتْهُ
في ضُلوعِ السُّحُبِ |
كُلًمَا
انْقَضَ عَلَيْهَا عَاصِف |
|
وهذا
جزء من صدر القصيدة: |
|
|
فِي
مَغَانِيْنَا ذُيُولَ الشُهُبِ |
يَا
عَرُوسَ الَمجْدِ تِيْهي وَاسْحَبيْ |
|
لَمْ
تُعَطَرْ بِدِمَا حُر أبِي |
لَنْ
تَرىْ حَفْنَةَ رَمْلٍ فَوْقَها |
|
وَهَوَى
دُوْنَ بُلُوغ الأرَبِ |
دَرَجَ
البَغْيُ عَلَيْها حِقْبَةً |
|
لَينَ
النابِ، كَليْلَ المخْلَبِ |
وَارْتَمى
كِبْرُ اللَيَاليْ دوْنَها |
|
عَارِضَيْهِ،
قَبْضَةُ اُلمنْتَصِب |
لا
يَمُوتُ الْحَقُّ، مَهْمَا لَطَمَتْ |
|
وَتَهَادَى
مَوْكِباً في مَوْكِبِ |
مِنْ
هُنَا شَقً الُهدَى أكْمَامَهُ |
|
وَانْتَشَتْ
مِنْ عبْقِه اُلمنْسَكِب |
وَأَتى
الذُنْيا فَرَفًتْ طَرَباً |
|
عَرفَتْهَا
في فَتَاهَا العَرَبي |
وَتَغنَتْ
بِالمُروءَاتِ الًتي |
|
فَأعَذَتْهُ
لأِفق أرْحَبِ |
أصْيَدٌ
ضَاقَتْ بِهِ صَحْراؤه |
|
حَافِرُ
اُلمهْرِ جَبيْنَ الكَوكَبِ |
هَبً
لِلْفَتْحِ فَأدمَى تَحْتَهُ |
|
غَيْهَبِ
الذلَ وَذُلَ الْغَيْهَبِ |
وَأمَانِيْه
انْتفِاضُ الأرْضِ مِنْ |
|
كُل
جَفْنٍ بِالثًرى مُخْتَضِبِ |
وَانْطِلاَقُ
النّوْرِ حَتّى يَرْتَوِيْ |
|
شَرَفُ
الَمسْعَى وَنُبل اَلمَطْلَبِ |
حُلُم
وَلَى وَلَمْ يُجْرَحْ بِهِ |
|
بَعْدَمَا
طَالَ جَوَى اُلمغْتِرِبِ |
يَا
عروْسَ اْلمَجْدِ طَالَ اُلملْتَقَى |
|
وَغَفَتْ
عَنْ كَيْدِ دَهْرِ قُلَبِ |
سَكِرتْ
أجْيالُنَا في زَهْوِهَا |
|
مُثْقَلَات
بِقُيوُدِ الأَجْنَبي |
وَصَحَوْنَا
فَإِذَا أعْنَاقُنا |
|
زَفْرَةٍ
مِنْ صَدْرِكِ اُلمكْتَئِبِ |
فَدعَوْنَاكِ
فَلَمْ نَسْمَعْ سِوَى |