|
الْفَصلُ
والوصل |
||||
|
(1)
موَاضِع الْفَصْل |
||||
|
|
||||
|
الأمثلة: |
||||
|
(1)
قال أبو الطيب: |
||||
|
إذَا
قُلتُ شِعْرًا أَصْبَحَ الدهرُ
مُنْشِدَا [1] |
وَمَا
الدَّهرُ إِلا مِن رُوَاةِ قصائدي |
|||
|
(2)
وقال أَبو العلاء: |
||||
|
بَعْضٌ
لِبَعْضٍ وَإِنْ لَمْ يشعروا خَدَمُ [2] |
النَّاسُ
لِلنَّاس مِنْ بَدْوٍ وَحَاضِرَة |
|||
|
(3).
وقال تعالى: |
||||
|
{يُدَبِّرُ
الأمر يُفَصِّلُ الآيات لَعلَّكُمْ بلِقَاءَ رَبِّكُمْ تُوقنُون}. |
||||
|
(4)
و قال أَبو العتاهية. |
||||
|
أَنْتَ
الذي لاَ ينقضي تَعَبُـــهْ |
يا
صاحب الدُّنْيَا الْمُحِبَّ لها |
|||
|
(5)
وقال آخر: |
||||
|
كُـلُّ
امرئ رَهْنٌ بمَا لَــدَيْهِ [3] |
وَإنَّـمَا
الْمَرْءُ بأَصْـغَرَيْـه |
|||
|
(6)و
قال أَبو تمام: |
||||
|
إِنَّ
السَماءَ تُرَجَّى حِينَ تَحْتجِبُ[4] |
لَيْسَ
الْحِجَاب بمُقصٍ عنْكَ لي أَملا |
|||
|
|
||||
|
البحث : |
||||
|
يقصِد
علماء المعاني بكلمة
" الوصْل "
عطفَ
جملة على أخرى
"بالواو" [5]
كقول الأبيوَرْدى يخاطب الدهر: |
||||
|
والحرُّ
مُلْتَهبُ الأحْشاءَ من ظمإ[6] |
العبْدُ
ريَّانُ مِنْ نُعْمى تجودُ بهَا |
|||
|
و
يقصدون بالفصل ترك هذا العطف، كقول
المعرى: |
||||
|
قَلمُ
البليغ بغيْر حـظٍّ مِغْـزَلُ |
لا
تَطْلُبَنَّ بآلة لَكَ حـاجـةً |
|||
|
هذا ولكل من الفصل
والوصل مواطن تدعو إليها الحاجة ويقتضيها المقام، و سنبدأ لك بمواطن الفصل: |
||||
|
تأمل
أَمثلة الطائفة الأولى تجد بين الجملة
الأولى والثانية في كل مثال تآلفاً
تامًّا، فالجملة الثانية في المثال
الأَول، و هي
"إذا قُلتُ شِعْرًا أصْبح
الدهرُ مُنشِدًا " لم تجئ إلا توكيدًا
للأولى، وهى جملة
"و ما
الدهرُ إلا من رواة قصائدي
" فإِن معنى
الجملتين واحد. والجملة الثانية في المثال الثاني
"بعضٌ لبعض وإِن لم يشعرُوا خدمُ "
ما جاءَت إِلا لإِيضاح الأولى
"الناسُ للناس من بدوٍ و حاضرة "
فهي بيان لها، والجملة الثانية في المثال الثالث جزء من معنى الأولى لأَن
تفصيل الآيات بعض |
||||
|
من
تدبير الأمور، فهي بدل منها. ولا شك أنك
لَحَظْتَ أن الجملة الثانية مفصولة عن
الأولى في كل مثال من الأمثلة الثلاثة، و
لا سر لهذا الفصل سوى ما بينهما من تمام
التآلف وكمال الاتحاد [7].
ولذا يقال إن بين الجملتين كمال
الاتصال. |
||||
|
تأمل
مثالي الطائفة الثانية تجد الأمر على
العكس، فإن بين الجملة الأول والثانية في
كل مثال منتهى التباين و غايةَ الابتعاد،
فإنهما في المثال الرابع مختلفان خبرًا
وإنشاء. و هذا جلي واضح. أما في المثال
الخامس فأنه لا مناسبة بينهما مطلقا إذ
لا رابطة في المعنى بين قوله:
" و إِنما
المرءُ بأصغريه " و قوله:
"كل امرئ رهن بما لديه "، وهنا تجد الجملة
الثانية في كل من المثالين مفصولة عن
الأولى، ولا سر لذلك الا كمالُ
التباين و شدةُ التباعد[8]،
ولذلك يقال في هذا الموضع إن بين
الجملتين كمال الانقطاع. |
||||
|
انظر
إلى المثال الأخير تر أن الجملة الثانية
فيه قوية الرابطة بالجملة الأولى،
لأنها جواب عن سؤال نشأ من الأولى،
فكأن أبا تمام بعد أن نطق بالشطر الأول
توهم أن سائلا
سأله، كيف لا
يحولُ حجاب الأمير بينك وبين تحقيق
آمالك؟ فأجاب:
" إن السماء ترجى حين تحتَجب " فأنت
ترى أن الجملة الثانية مفصولة عن الأولى،
ولا سر لهذا الفصل إلا قوة الرابطة بين
الجملتين، فإن الجواب شديد الارتباط
والاتصال بالسؤال فأشبهت الحالُ هنا من
بعض الوجوه حال كمال الاتصال التى
تقَدمت، و لذلك يقال
إن بين الجملتين شبه كمال الاتصال. |
||||
|
|
||||
|
القواعد: |
||||
|
(62)
الوصل عَطفُ جُملةٍ عَلَى أخْرَى
بالواو، والفصل تَرْكُ هذا العطف، ولكلّ
مِنَ الفَصْل والوصل مَوَاضِعُ خاصة. |
||||
|
(63)
يَجبُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْن في ثَلاَثَةِ مَواضعَ: |
||||
|
(أ)
أَنْ يَكونَ بَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ
تَامًّ، وذلك بأنْ تَكونَ المجمْلَةُ
الثانيةُ تَوْكِيدًا لِلأولى، أَوْ
بَيَاناً لها، أوْ بَدَلاً مِنْهَا،
وَيُقَالُ حِينَئِذ إن بَيْنَ
الجملَتَين كَمَالَ الاتِّصَال. |
||||
|
(ب)أن
يَكونَ بَيْنَهُمَا تَبَايُن تَام، و
ذلكَ بأنْ تَخَتلفَا خَبَرًا وإنشاءً،
أوْ بألا تَكونَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَة
مَا، وَيُقَالُ حِينَئِذ إن بَيْنَ
الجمْلَتَيْن كَمَالَ الاِنْقِطَاع. |
||||
|
(جـ)
أَنْ تَكونَ الثَّانَيةُ جوابا عَنْ
سُؤالٍ يُفْهَم مِنَ الأولى، وَيُقَالُ
حِينَئِذٍ إِنَّ بَيْنَ الجمْلَتَيْن
شِبْهَ كَمَال الاتِّصَال[9]. |
||||
|
[1]
يقول:
إن الدهر من جملة شعري، وذلك لأن ألسنة
الناس جميعا تتناقله في كل وقت فكأن الدهر إنسان
ينشد قصائدي و يرويها. |
|
[2]
البدو
: النادية، و الحاضرة: ضد البادية وهي المدن والقرى والريف، يقال: فلان من أهل الحاضرة وفلان من أهل البادية، ومعنى البيت إن الناس
لا بد لهم من التعاون فلا يتهيأ لإنسان أن
يستقل في هذه الحياة بشؤون نفسه. |
|
[3]
الأصغران:
القلب واللسان، ورهن بما لديه: يجازي بما
عمل. |
|
[4]
المراد
بالحجاب احتجاب الممدوح عن قصاده، ومقص:
مبعد، وتحتجب: تختفي تحت الغيوم. |
|
[5]
إنما
قصر علماء المعاني عنايتهم في هذا الباب
على البحث في عطف الجمل " بالواو " دون
بقية حروف العطف، لأنها هي الإرادة التي
تخفي الحاجة إليها، و يحتاج العطف بها إلى
لطف في الفهم و دقة في الإدراك، إذ إنها لا تدل إلا على مطلق الجمع والاشتراك
أما غيرها من حروف العطف فتفيد معاني زائدة، كالترتيب مع التعقيب في الفاء،
والترتيب مع التراخي في ثم، وهلم جرا و
من أجل ذلك سهل إدراك مواطنها. |
|
[6]
الريان
: ضد الظمآن ، و النعمى : النعمة. |
|
[7]
لان
الجملة الثانية هنا إما أن تكون بمعنى
الأولى أو بمنزلة الجزء منها كما رأيت، و هذا
يقتضي ترك العطف لأن الشيء لا يعطف على نفسه،
و الجزء لا يعطف على كله. |
|
[8]
إنما
وجب ترك العطف هنا لأن العطف يكون للجميع
بين الشيئين والربط بينهما. ولا يكون ذلك
في المعنيين إذا كان بينهما غاية التباين. |
|
[9]
ذهب
بعض المتأخرين من علماء المعاني إلى زيادة
موضعين للفصل على المواضع التي ذكرناها و
لكن هذين الموضعين عند التأمل يمكن ردهما
إلى الوضع الثالث. |