الإِنشاءُ الطلبي (1) الأَمر

الإِنشاءُ الطلبي

 

 

(1) الأَمر

 

الأَمثلة:

(1) من رسالة لعليّ رضي الله عنه بعث بها إِلى ابن عَباس وكان عاملا بمكة: أَما بعدُ فأَقِمْ لِلنَّاس الحج وَذَكِّرْهُمْ بأَيام الله [1]، واجْلِسْ لهُمُ العصْرَيْن [2] فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتىَ، وَعَلِّمِ الجاهلَ، وذَاكر العالِمَ.

(2) وقال تعالى: { وَلْيُوفوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَوَّفوا بالْبَيتِ الْعِتيق}.

(3) وقال: {عليكم أَنْفُسَكُمْ لا يضركم مَنْ ضَلَّ إذا اهـتَدَ يْتُمْ }.

(4) وقال: { وَبِالْوَالِدَيْن إِحْسَاناً }.

(5) وقال أَبو الطيب في مدح سيف الدولة:

وَمِثْلَ سُرَاكَ فَلْيَكُن الطِّلابُ [3]

كذَا فَلْيسْرِ مَنْ طَلَبَ الأعادي  

 

(6) وقال يخاطبه:

فأنت الذي صَيّرتَهُ لي حُسَّداً [4]

أَزل حَسَدَ الحُسَّادِ عنِّى بكَبْتهم  

 

(7) وقال امرؤ القيس:

بسِقْطِ اللّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْمَل

قِفَا نَبكِ مِنْ ذِكْرَى حَبيب وَمَنْزِلِ[5]

 

(8) وقال أَيضاً:

بصُبْحٍ وَمَا الإِصْباحُ منْكَ بأَمْثَل [6]

أَلا أَيُّها اللَّيْلُ الطَّويلُ أَلا انْجَـل

 

(9) وقال البحتري:

كفاني نَدَاكُمْ عَنْ جمِيعِ المطَالِبِ

فَمَنْ شَاءَ فَلْيَبْخَلْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيجُدْ

 

(10) وقال أَبو الطيب:

بَيْنَ طَعْن الْقَنَا يخَفْق البُنــود [7]

عِشْ عَزيزًا أَوْ مُتْ وَأَنتَ كَريمٌ

 

(11) وقال آخر:

وَهَاتُوا كَريماً مَاتَ مِنْ كثْرَةِ البَذل

أروني بخيلا طال عُمْرًا ببُخْـلِهِ

 

(12) و قال غيره:

ولَمْ تستحي فاصْنَعْ ما تشـاء

إذَا لم تَخْشَ عاقِبَةَ الليـالي

(13) وقال تعالى:

{وَكلوا وَاَشْرَبوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اَلخَيْطُ الأبيض مِن الخَيْطِ الأسود مِنَ الْفَجْر}.

 

البحث:

إذا تأملت أَمثلة الطائفة الأولى رأيت كلاًّ منها يشتمل على صيغة يُطْلب بها على وجه التكليف والإلزام حصول شئ لم يكن حاصلاً وقت الطلب. تم إذا أَنعمت النظر رأيت طالب الفعل فيها أعظم و أعلى ممن طُلِب الفعل منه. وهذا هو الأمر الحقيقي وإِذا تأَملت صِيغَتَهُ رأَيتها لا تخرج عن أَربع: هي فعل الأمر  كما في المثال الأول والمضارع المقرون بلام الأمر كما في المثال الثاني ،واسم فعل الأمر كما في المثال الثالث. و المصدر النائب عن فعل الأمر كما في المثال الرابع.

أنظر إذاً إِلى الطائفة الثانية تجد أَن الأمر جميعها لم يستعمل في معناه الحقيقي وهو طلب الفعل من الأَعلَى للأدنى على وجه الإِيجاب والإِلزام، وإِنما يدل على معان أخرى يُدركها السامع من السياق و قرائن الأحوال.

 فأَبو الطيب في المثال الخامس لا يريد تكليفاً ولا يقصد إِلى إِلزام. وإِنما ينصح لمن ينافسون سيف الدولة ويرشدهم إلى  الطريق المثلى في طلب المجد وكسب الرفعة. فالأَمر هنا للنصر و الإِرشاد لا للإِيجاب والإلزام.

وصيغة الأَمر في المثال السادس لا يُراد بها معناها الأصلي، لأن المتنبي يخاطب مليكه، والمليك لا يأمره أَحد من شعبه . وإِنما يراد بها الدعاء، وكذلك كل صيغة للأَمر يُخاطِبُ بها الأَدنى من هو أَعلى منه منزلة وشأناً.

وإذا تدبرت المثال السابع وجدت امرأَ القيس يتخيَّل صاحين يستوقفهما ويستبكيهما جرياً على عادة الشعراء، إذ يتخيل أحدهم أَن له رفيقين يصطحبانه في غدُوِّهِ ورواحه، فيوجه إليهما الخطاب، و يفضي إليهما بسره و مكنون صدره، بصيغة الأمر إِذا صدرت من رفيق لرفيقه أو من ندَّ لِنِدِّه لم يُرد بها الإيجاب والإلزام. وإنما يراد بها محض الالتماس.

و امرؤ القيس في المثال الثامن لم يأمر الليل ولم يكلفه شيئاً، لأن الليل لا يسمع ولا يطيع، وإنما أرسل صيغة الأَمر وأَراد بها التمني.

وإذا تدبرت الأمثلة الباقية و تعرفت سياقها وأحطْت مما يكنَفها من قرائن الأحوال  أَدركت أَن صيغ الأمر فيها لم تأت للدلالة على المعنى الأصلي: وانما جاءت لتفيد التخيير، والتسوية، والتعجيز، والتهديد والإِباحة على الترتيب.

 

القواعد:

(37) الأمر طَلَبُ الْفِعْل على وجْهِ الاِسْتِعْلاء.

(38) لِلأَمْر أَرْبَعُ صِيَغ: فِعْلُ الأمر، والْمُضَارعُ المقرونُ بلام الأَمْر واسمُ فِعْل الأَمْر، والمَصْدرُ النَّائِبُ عَنْ فِعْل الأَمْر.

(39) قَدْ تَخْرُجُ صِيغ الأَمْر عَنْ مَعْناها الأصلي إِلى مَعانِ أُخْرَى تُسْتفاد مِنْ سِياق الكلام، كالإِرشَادِ، والدّعاءِ، والالْتماس، و التمني، والتَّخْيير والتَّسْوية و التَّعْجيزِ، والتَّهْديدِ، والإِباحةِ.

 

نموذج

لبيان صيغ الأمر وتعيين المراد من كل صيغة فيما يأتي:

(1) قال تعالى خطاباً ليحيى عليه السلام: {خُذِ الكِتَابَ بقُوه }.

(2) قال الأرجاني:

يَوما و إن كُنْتَ مِنْ أهل المشورات

شاور سِواكَ إذَا نابتـكَ نائِبَـــة

(3) وقال أبو العتاهية:

وارْغَبْ بنَفسِكَ عن رَدَى اللذات[8]

واخفِضْ جناحكَ إِن مُنِحْت إمَارة

 وقال  أبؤ العلاء:

ويَا نَفْس جدِّي إن دهْرَكِ هازلُ [9]

فيا موت زُرْ إِنَّ الحَياةَ ذَمِـيـمة

(5) وقال آخر:

أَرَى ما تَريْن أَو بخِيلاً مُخَـلَّدا[10]

أريني جَواداً ماتَ هَزْلاً لعـــلني

 قال خالد بن صفْوَان [11] ينصح ابنه:

دع مِنْ أعمال السر ما لا يَصْلحُ لكَ في العلانيَةِ.

(7) و  قـال بشار بن بُرد:

مُقَارفُ ذَنْب مَرَّةً و مُجانبُه[12]

فَعِش واحداً أو صِلْ أخَاكَ فإنَهُ

(8) و قال تعالى:

{قُل تَتمَتًعوا فإن مَصِيرَكُم إلى النار }.

(9) و قال أبو الطيب يخاطب سيف الدولة:

وَلاَ تُعْطِيَنَّ الناسَ ما أنا قائلُ [13]

أَخَا الجود أعط النَّاسَ ما أنت مالِكٌ

(10) و قال قطري بن الفُجَاءَة [14] يخاطب نفسه :

فَما نَيْلُ الخْلود بمـستَـطاعِ

فَصبْرًا في مجال المـوْتِ صـــبرًا

 

الإجابة

  المعنى المراد صيغة الأمر الرقم المعنى المراد صيغة الأمر الرقم
التعجيز أريني 5 المعنى الحقيقي للأمر خذ الكتاب 1
الإرشاد دع من أعمال السر 6 الإرشاد شاور سواك 2
التخير فعش واحداً أو صل أخاك 7 " واخفض جناحك 3
المعنى الحقيقي للأمر قل 8 " وارغب بنفسك  
تمتعو
دعاء أعط الناس 9 التمني زر 4
المعنى الحقيقي للأمر صبراً 10 " جدي  

 

تمرينات

 

(1) لم كانت صيغ الأمر في الأمثلة الآتية تفيد الإِرشاد، و الالتماس،والتعجيز، و التمني، والدعاء على الترتيب؟:

ولاَ يغُرُّكَ مِنْهم ثَغْر مُبْتَسمِ

(1) وكُنْ على حَذرِ للنَّاس تَسْتُرُه

أوْ أعِيدا إليَّ عهد الشبابِ

(2)يا خليلي خلِّياني ومـا بي

 و عِمى صبَاحاً دار عَبلَةَ و اسلمي [15]

(3) يا دارِ عبْلَةَ بالجواء تكلمي

(2)لم كانت صيغ الأمر في الأمثلة الآتية تفيد الدعاءَ والتعجيز، والتسوية، على الترتيب؟:

(1) اسْلَمْ يزيدُ فَما في الدين من أوَدٍ            إذا سلمت و ما في المُلكِ منْ خَلل [16]

(2) أرني الذي عاشَرْتَهُ فَوَجدْتَه                 مُتَغاضِياً لَكَ عَنْ أقَلىِّ عثار

(3) اصبروا أوْ لا تصبروا. 

(3) بين صيغ  الأمر و ما يراد بها في ما يأتي:

(1) نَصح أحدُ الخلفاء عاملاً له فقال: 

تَمسك بحبل القرآن واستنصحه، وأحِلَّ حلالَه و حرِّم حرامه.

(2)وقال حكيم لابنه:

يا بُنَيَّ اسْتَعِذْ باللهِ من شِرَار النَّاس، وكنْ مِنْ خِيارهِمْ على حَذَر.

(3) يا بُني زاحِم العلماء برُكْبَتَيك وأنْصتْ إليهم بأذنيْكَ، فإن القلبَ يحْيا بنور العلم كما تحي الأرض الميْتَةُ بمطر السماء.

(4) و قال أبو الطيب يخاطب سيف الدولة:

بشعري أتَاكَ المادحـون مُردّدَا [17]

 أجزني إذا أنشِدت َشِعْرًا فـإنما

أنا الطائر المحكي والأخر الصدى [18]

 ودع كلَّ صوّتٍ غَيْر صوتي فإنني

(5) قال البحتري:

صرْف الحوادث والزّمان الأنْكا

فاسْلَم سَلامةَ عِرْضِكَ الموفُورِ منْ

(6) و قال أبو نواس:

منُّكَ المَعْرُوف مَـنْ كـدَره [19]

فامـض لا تمنُنْ علىَّ يــدًا

(7)و قال الصِّمة بن عبد الله:

وقلً لِنجد عَندنا أن يُودَّعـا [20]

قِفَا وَ دِّعا و من حَلَّ بالحِـمَى

(8) قال تعالى:

{يا مَعْشَر الجنِّ والإنْس إن استطعتم أن تَنْفُذوا مِنْ أقْطار السماواتِ والأرض فانْفُذُوا لا تَنْفُذوا إلأ بسُلْطان}.

 (9) وقال أبو الطيب:

رأيتُكَ تُصْفِى الوُد منْ لَيْس  جازِيا [21]

أقِلَّ اشتياقا أيها القَلْبُ رُبَّمــا

(10) قال مهيار الديلمــى:

أمينِ الغيْبِ أو عش الوحـــادِ

و عِــش إما  قرينَ أخِ وفي

(11) و قال المعرى:

نَ  قَلِيلَ العزَاءَ بالإسْـــعـادِ [22]

أبَنَاتِ الهَدِيل أسعدن أو عـد

نَّ  اللواتي تُحسِنَّ حفظ الـوِدَاد [23]

إِيـهِ لله دركـُّنَّ فـأنـتـ

(4) (1) هات أمثلة لصيغ الأمر الأربع، بحيث يكون المعنى الحقيقي للأمر هو المراد في كل صيغة.

(2) هات مثالين لصيغة الأمر المفيد التخيير. 

(3) ""  "   "    " التهديد

(4) "" "  "  "  التعجيز.

(5) اِلعَبْ واهجُر قراءةَ الدرْس.

قد يكون الأمر في الجملتين السابقتين للتوبيخ أَو للإرشاد، أو للتهديد. فبين حال المخاطب في كل حال من الأحوال الثلاث.

(6) اسبح في البحر

قد يكون الأمر في الجملة السابقة للدعاء، أو للالتماس، أو للتعجيز، أو للإرشاد، فبين حال المخاطب في كل من الأحوال الأربعة 

(7) حول الجمل الخبرية إلى جمل إنشائية أمرية واستوف جميع صيغ الأمر:

أنت تبكر في عملك. يخرج علي إلى الرياض. تصبر نفسي على الشدائد. يأخذ البطل سيفه. يثبت هشام في مكانه. يترك محمد المزاح.

(8) اشرح ما يأتي وبين ما راعك من بلاغته وحسن تأديته المعنى:

كان أبو مسلم[24] يقول لقوّاده: "أشعروا قلوبكم الجراءة فإنها من أسباب الظفر، وأكثروا ذكر الضغائن فإنها تبعث على الإقدام، والزموا الطائفة فإنها حصن المحارب". 

 

 

 

 

 

 

 


[1]  يريد أيام الله التي عاقب فيها الماضين على سوء أعمالهم.

[2]  يريد بالعصرين الغداة و العشي من باب التغليب.

[3]  السري السير ليلا.

[4]  كبته : أذله يقول أنت صيرتهم حاسدين لي بما أفضت علي من نعمتك فاصرف شر حسدهم عني بإذلالهم.

[5]  قفا: أمر للاثنين بالوقوف. الذكرى  التذكر و سقط اللوى و الدخول و حومل مواضع يقول لرفيقه  قفا و أعيناني بالبكاء لتذكر حبيب فارقته و منزل خرجت منه و هذا المنزل بين هذه المواضع.

[6]  الانجلاء الانكشاف والأمثل الأفضل .أني أقاس من همومي نهارا ما أقاسيه ليلا.

[7]  خفق البنود: اضطرابها  و البنود  جمع بند و هو العلم الكبير.

[8]  المراد بخفض الجناح التواضع، و الردى: الهلاك.

[9]  يفضل الموت على الحياة و يأمر نفسه أن تأخذ في طريق الجد لأن الدهر غير جاد.

[10]  الهزل بالضم و بالفتح: الضيق و الفقر.

[11]  كان من فصحاء العرب و المشهورين و كان يجالس عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك، وله معها أخبار، ولد ونشأ بالبصرة، وكان أيسر أهلها مالا، توفي سنة 115هـ.

[12]  مقارف الذنب: مرتكبه يقول  إذا أردت الا يزل معك صديق فعش منفردا و ذلك مستحيل  أما إذا أردت أن تعيش مع الناس فسامح إخوانك و صلهم على ما بهم من عيوب.

[13]  يقول أعط الناس أموالك و لا تعطهم شعري. أي لا تحوجني إلى مدح غيرك.

[14]  هو أحد رؤوس الخوارج فارس مذكور و شاعر الإسلامي المشهور سلموا عليه بالخلافة ثلاث عشرة سنة.

[15]  البيت لعنترة بن شداد، وعبلة: اسم امرأة، و الجواء: واد في ديار بني عبس، و عمي صباحا: انعمي، يقول للدار: أخبريني عن اهلك انعم الله حالك و سلمك من البلى.

[16]  الأود: العوج و الخلل الفساد في الأمر.

[17]  أجزني: كافئني،  يقول: إذا أنشدك شعرا فاجعل جائزته لي لأن الذي أنشدته هو شعري أتاك به المادحون يرددونه عليك و المعنى انهم يسلخون معاني أشعاري و يقتبسون ألفاظي و يمدحونك.

[18]  المعنى: لا يقال غير شعري فان الشعر هو الأصل و غيره حكاية له كالصدى الذي يحكي صوت الصائح.

[19]  لا تمنن: لا تمتن، واليد: النعمة، يقول: لا تمتن على بما أسديت إلى من النعم فان المنة تهدم الصنيعة.

[20]  الحمى: موضع فيه ماء و كلأ يمنع الناس منه، و النجد: كل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، يقول: يا خليلي قفا حتى تودعا نجدا و من سكن حماه والتوديع قليل عندي على النجد فإنه جدير بأكثر من ذلك.

[21]  أقل فعل الأمر من الإقلال، و تصفيتخلص، يقول لقلبه: لا تشتق إلى من فارقته فانك تخلص الود لمن لا يجزيك عليه بود مثله.

[22]  الهديل: الذكر من الحمام أو صوته أو هو اسم الفرخ من عهد نوح كما تزعم العرب.

[23]  إيه اسم فعل الأمر، و معناه طلب الزيادة من حديث أو عمل.

[24]  هو عبد الرحمن بن مسلم القائم بالدعوة العباسية، وأحد كبار القادة، كان فصيحا في العربية والفارسية، عالما بالأمور مقداما داهية حازما يروي الشعر ويقوله، وبلغ في عمره القصير منزلة عظماء العالم، وقد قتله المنصور لما رأى منه طمعا في الملك سنة 137هـ.