تفسير سورة الزخرف الأيات من 1 إلى 14

تفسير سورة الزخرف

الأيات من 1 إلى 14

 

              

                           الآية 1 - 8                                                                             الآية 8 - 14

 

 إلى أعلى

 

 

شرح الكلمـات:

الآية شرحها

{ حم }

: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب {حـم} ويقرأ: حَامِيمْ.

{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ }

: أي والقرآن الموضح لطريق الهدى وسبيل السلام.

{ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِّيا}

: أي جعلنـاه قرآنـا بلسـان العرب، يقرأ بلسانهم ويفهم به.

{لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }

: أي رجاء أن تعقلوا أيها العرب ما تؤمرون به وما تنهون عنه.

{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا}

: أي في اللوح المحفوظ- كتاب المقادير- كلِّها عندنا.

{ لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ }

: أي لذو علو وشأن على الكتب قبله لا يوصل إلى مستواه في علوه ورفعته {حكيم } أي ذو حكمة بالغة عالية لا يرام مثلها.

{أَفَنَضْرِبُ عَنكُم الذِّكْرَ صَفْحاً}

: أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحا: أي لا ننزل القرآن بأمركم ونهيكم ووعدكم ووعيدكم.

{أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ }

: لأن كنتم قوماً مسرفين متجاوزين الحد في الشرك  والكفر؟ كلا لا نفعل.

{ وَكَمْ أَرْسَلْنَـا مِن نَّبِيٍّ فِي الأوَّلِينَ }

: أي وكثيراً من الأنبياء أرسلناهم في القرون الأولى من الأمم الماضية.

{فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً}

: أي فأنزلنا عذابنا بأشدهم قوة وبطشا من قومك فأهلكناهم.

{ وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ }

: أي ومضى في الآيات القرآنية صفة هلاك الأولين.

 

معنى الآيـات:

{حـم } اللّه أعلم بمراده به،{والكتاب المبين } [1] أي والقرآن الموضح لكل ما ينجى من عذاب الله ويكسب جنته ورضاه، وهذا قسم أقسم اللّه به، والمقسم عليه قوله: {إنا جعلناه قرآنا عربياً} أي جعلنا الكتاب المبين الذي هو القرآن عربياً أي بلسان العرب ولغتهم.

وقوله {لعلكم تعقلون } بيان للحكمة في جعل القرآن عربياً أي كي تعقلوا معانيه وتفهموا مراد اللّه- منزله- منه فيما يدعوكم إليه فيسهل عليكم العمل به، فتكملوا

وتسعدوا وقوله {وإنه } أي القرآن {في أم الكتاب} أي اللوح المحفوظ {لدينا} عندنا {لعلي } أي ذو علو وشأن على سائر الكتب قبله {حكيم } ذو حكمة بالغة عالية لا يرام مثلها.

وقوله تعالى: {أفنضرب[2]عنكم الذكر صفحا أن كنتم [3]  قوماً مسرفين } أي أنمهلكم فنضرب عنكـم الذكر صفحاً فلا ننزل القرآن حتى لا تؤمروا ولا تنهوا من أجل أنكـم قوم مسرفون في الشرك والكفر والتكذيب؟ كلا لانفعل، إذ الاستفهام للإِنكار عليهم وقوله {وكـم أرسلنا من[4]  نبي في الأولين } أي وكثيرا من ألأنبياء أرسلنا في الأمم السابقة{ وما يأتيهم من نبىّ إلا كانوا به يستهزئون} أي ما أتى أمة من تلك الأمم رسول منا إلا سخروا منه واستهزؤوا به، وبما جاءهم به من الإيمان والتوحيد ودعاهم إليه من فعل الصالحات وترك المحرمات، إذاً فاصبر على قومك فإنهم سالكون سبيل من سبقهم في الكفر والتكذيب والسخرية والاستهزاء. وقوله تعالى: {فأهلكَنا أشد منهم بطشا} أي أهلكنا من هم أشد بطشا في تلك الأمم الماضية لما كذبوا رسلنا واستهزأوا بهم فكيف بهؤلاء الذين هم أضعف منهم وأقل قوة وقدرة؟ فأحرى بهم أن لا يمتنعوا من عذابنا متى أردنا إنزاله بهم. وقوله {ومضى مثل الأولين } أي مضى في الآيات القـرآنية صفـة هلاك الأولين: كقـوم عاد، وثمـود، وأصحـاب مدين، والمؤتفكات. ألم يكن لقومك في ذلك عبرة لو كانوا يعتبرون؟.

هــدايـــة الآيــــات:

من هدايـة الآيات:

1- مشروعية الإِقسام باللّه تعالى.

2- بيان شرف القرآن الكريم وعلو مكانته على سائر الكتب السابقة.

3- كون الناس مسرفين في الشرك، والفساد لا يمنع وعظهم ونصحهم وإرشادهم.

4- بيان سنة بشرية وهي أنهم ما يأتيهم من رسول إلا استهزأوا به.

3- في إهلاك الأقوى دليل على أن إهلاَك من هو دونه أَحرى وأولى لاسيما مع شدة كفره.

 

 

 إلى أعلى

 

 

شرح الكلمات:

الآية شرحها

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم }

: أي ولئن سألت هؤلاء المشركين من قومك يا رسولنا.

{مّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ }

: أي من بدأ خلقهنّ وأوجدهن ليقولن خلقهن الله ذو العزة والعلم.

{الَّذِي جَعَلَ لَكُـمُ الأرْضَ مَهْـداً}[5] 

: أي اللّه الذي جعل لكم الأرض فراشا كالمهد للصبي.

{وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سبلاً}

: أي طرقا.

{ لَّعَلَّكًمْ تَهْتَدُونَ }

: أي إلى مقاصدكم في أسفاركم.

{مَاء بقَدَرٍ}

: أي على قدر الحاجة ولم يجعله طوفاناً مغرقاً ومهلكاً.

{فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلدة مَّيْتاً}

: أي فأحْييْنا به {وبلدة ميتا}هو أي لا نبات فيها ولا زرع.

{ كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ }

: أي مثل هذا الإحياء للأرض الميتة بالماء تحيون أنتم وتخرجون من قبوركـم.

{ وَالَّذِي خَلَقَ الَأزْوَاجَ كُلَّهَا}

: أي خلق كل شيء إذ الأشياء كلها زوج ولم يعرف فرد إلا اللّه.

{ وَجَعَـلَ لَكُم مِّنَ الْفُـلْكِ وَالأنْعَـام}

: أي السفن، والإِبل.

{لِتَسْتَوُواَ على ظُهُورِه}

: أي تستقروا على ظهور ما تركبون.

{وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }

: أي مطيقين ولا ضابطين.

{وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ }

: أي لصائرون إليه راجعون.

 

معنى الآيات:

مازال السياق الكـريم في دعـوة المشركين إلى التوحيد بقوله تعالى: {ولئن سألتهم} أي ولئن سألت يا رسولنـا هؤلاء المشركين من قومك قائلا {من خلق السموات والأرض } أي من أنشأهن وأوجدهن بعد عدم لبادروك بالجواب قائلين اللّه ثم هم مع اعترافهم بربوبيته تعالى لكل شيء يشركون في عبادته أصناماً وأوثاناً. في آيات أخرى صرحوا باسم الجلالة اللّه وفي هذه الآية قالوا: { العزيز العليم}[6]أي الله ذو العزة التي لا ترام والعلم الذي لا يحاط به. وقوله تعالى: {والذي جعل لكم الأرض مهداً } أي فراشاً وبساطا[7] كـمهد الطفل وهذا من كلام اللّه تعالى لا من كلام المشركين إذ انتهى كلامهم عند{العزيز العليم } فلما وصفوه تعالى بصفتي العزة والعلم ناسب ذلـك ذكر صفات جليلة أخرى تعريفاً لهم باللّه سبحانه وتعالى فقال تعـالى: {الـذي جعـل لكم الأرض مهداً} أي بساطاً وفراشاً،{وجعل لكـم فيها سبـلاً } أي طرقـا{لعلكم تهتدون} إلى مقاصدكم لنيل حاجاتكم في البلاد هنا وهناك، {والذي نزل من السماء ماء بقدر} وهو المطر{بقدر} أي بكميات موزونة على قدر الحاجة منها فلم تكن ضحلة قليلة لا تنفع ولا طوفانا مغرقاً مهلكاً، وقوله {فأنشرنا}[8]  أي أحيينا بذلك المطر {بلدة ميتا} أي أرضا يابسة لا نبات فيها ولا زرع. وقوله{وكذلك تخرجون }[9] أي مثل ذلك الإحياء للأرض الميتة يحييكم تعالى ويخرجكم من قبوركـم أحياء. وقوله {والذي خلق الأزواج كلها} هذا وصف آخر له تعالى بأنه خلق الأزواج كلها من الذكر والأنثى، والخير والشر والصحة والمرض، والعدل والجور، إذْ لا فرد إلا هو سبحانه وتعالى، وفي الحديث الصحيح اللّه وتر يحب اَلوتر) {قل هو اللّه أحد} وقوله ما{ جعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون } هذا وصف آخر بصفاته الفعلية الدالة على وجوده وقدرته وعلمه والموجبة لألوهيته إذ جعل للناس من الفلك أي السفن ما يركبون ومن الأنعام كالإِبل ومن البهائم كالخيل والبغال والحمير كذلـك وقـوله {لتستووا على ظهوره } أي تستقروا على ظهوره أي ظهور ما تركبون {ثم تذكروا نعمة ربكـم} بقلوبكم{إذا استويتم عليه وتقولوا} بألسنتكم {سبحان الذي سخر لنا هذا} أي اللّه لنا وأقدرنا على التحكم فيه،{ وما كنا له} أي لذلك الحيوان المركوب {بمقرنين} أي بمطيقين ولا ضابطين لعجزنا وقوته، {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} أي لصائرون إليه بعد موتنا راجعون.

هــدايـــة الآيــــات:

من هدايـة الآيـات:

1- تقرير التوحيد بذكر صفات الربوبية المقتضية للألوهية.

2- تقرير عقيدة البعث والجزاء.

3- معجزة القرآن في الإخبار بالزوجية، وقد قرر العلم الحديث نظام الزوجية، وحتى في الذرة فهي زوج موجب وسالب.

4- مشـروعية التسمية والـذكر عند ركوب ما يركب، فإن كان سفينة، أو سيارة قال العبد:{ بسم اللّه مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } وإن كان حيوانا قال عند الشروع: باسم اللّه، وإذا استوى قاعداً قال: {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون}[10].

 

 

 

 

 



[1] الكتاب: هو القرآن، أقسم به تعالى للإعلان عن مكانته، وعلو شأنه، وجعلهُ قرآنا يقرأ بلسان العرب مكتوباً  في سطورهم، ومحفوظاً في صدورهم للعلة الحكيمة التي تضمنها قوله {لعلكم تعقلون}.

[2] ا    الفاء للتفريع، والاستفهام إنكاري: أي أتحسبون أن إعراضكـم عما نزل من هذا الكتاب يبعثنا على أن نقطع عنكم تجدد التذكير بإنزال شيء آخر من القرآن؟ كما لا يجوز أن نضرب عنكـم صفحاً فلا ننزل القرآن من أجل إسرافكم في الشرك والتكذيب، والصفح: الإعراض بصفح الوجه: أي جانبه وهو أشد الإعراض.

[3] قرأ نافـع {إن كنتم } بكسر الهمزة وقرأ حفص { أن كنتم} بأن المصدرية. وإقحام "قوماً" إشارة إلى أن الإسراف صار طبعاً لهم لا يفارقهم

[4] { كم أرسلنا} إلى قوله { الأولين} تضمن الكلام الإلهي أمرين: الأول تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، والثاني تهديد المشركين المسرفين بأنهم يعرضون للهلاك الذي تعرضت له أمم قبلهم أشد منهم بطشاً وأكثر منهم قوة فأهلكوا وبقوا أثراً بعد عين.

[5] قرأ نافع وقرأ عاصم مهداً والمهاد اسم للشيء يمهد أي يوطأ ويسهل لما يحل فيه. والمهد مراد به هنا المهاد.

[6]  من الجائز أن يكون {العزيز العليم } من قول المشركين؛ إذ هم لا ينكرون عزة الله وعلمه وقدرته، كما درجنا عليه في التفسير إذ هو الظاهر من اللفط والسياق، وجائز أن يكون من قول اللّه تعالى، وهما صفتان لاسم الجلالة الله الذي أجابوا به في غير آية من القرآن، ثم ذكر من صفاته الموجبة لعبادته وحده دون من سواه، فذكر ست صفات من صفات الجلال والكمال وهي متضمنة إنعامه وإفضاله على عباده بخلقهم ورزقهم.

[7]  كون الأرض مهداً لا ينافي كون جسمها كروياً.

[8]   أصل النشر: البسط لما كان مطوياً، وأريد به هنا: إحياء الأرض بالنبات بعد محلها ويبسها وحسن إطلاق لفظ النشر لانتشار الحياة فيها بالنباتات.

[9] {وكذلك تخرجون } أي إن إحياءكم بعد موتكم وخروجكم من الأرض منتثرين فيها كإحياء الأرض بالمطر وانتشار النباتات والزروع فيها فبأي حق تنكرون البعث وتكذبون به؟.

[10] روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي أن علياً رضي الله عنه أتى بدابة فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى عليها قال: الحمد الله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، ثم حمد الله ثلاثا وكبر الله ثلاثأ ثم قال: سبحانك لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي. ثم ضحك فقيل له: مما ضحكت؟ فقال: رأيت رسول الله فعل مثل ما فعلت، ثم ضحك فقلت: مما ضحكت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم "يعجب الرب تبارك وتعالى من عبده إذا قال: ربي اغفر لي، ويقول علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري ".