من اقتراح
ع. الحق
الحاج اخليفة
ثانوية الفقيه
الكانوني - آسفي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نصوص تكميلية** |
الشخصية : (la personnalité)
وهي أقرب الى التناول العلمي منه الى التناول الفلسفي ، إذ يـمـيل هذا الأخير إلى استعمال مفهوم الشخص la personne عوض الشخصية ما دام الأمر يتعلق بالإنسان ، و هكذا يبـدو وللوهلة الأولى أن هناك توترا يرافق مقاربة هذا المفهوم ومنذ بداية طرحه ، و لعـل ذلك أمـر طبـيعي جدا طالـما أن الفلسفة كعادتها لا تنخرط في الإجابة مباشرة بل تفحص السؤال أولا إذ يعد بالنسـبة إليها أهم من الجواب و مـن هنا تأتي مشروعية استحضار المقاربة ماقبل العلمية.
و المقصود بها ما نجده لدى الفلاسفة الذين خصصوا جزء هاما في حديـثهم الفلسفي عن الإنسان موظفين في ذلك مجموعة مفاهيم كالذات و الفكر و الجوهر و الوعي و الماهية ، أو الإحساس الأخلاقي، أو الأنا المجردة تجريدا خالصا وبالتالي اعتبارها معطى جاهزا ثابتا لا يتأثر بعوامل التطور والنـمو أو اعتبارها لا تتأثر إلا بالإحساس الأخلاقي (نص ديكارت) (نص كانط).
إلا أنه، وبفعل ما تحقق بفضل العلوم الصرفة من مكتسبات مكنت الإنسان من تسخير الطبيعة لصالحه محققا بذلك قدرا مـن الـتحكم في ظواهرهـا و محاولة بسط سيطرته عليها ، طرح السؤال التالي : ألا يمكن لهذا الإنسان الذي استطاع أن يخطو خطوات مهمة في سياق سيطرته على الطبيعة و تسخيرها لصالحه ، و اتجاهه نحو إحكام قبضته عليها ألا يمكن له الإستفادة مـن المبادىء و المناهج التي تعتمدها العلوم الحقة طمعا في تحقيق نفس المكتسبات بصدد دراسة الإنسان؟ بمعنـى ألا يمكن إقامة علوم تدرس الإنسان ليس في جانبه المادي ( البيولوجي ) كما هو حاصل في الطب او الـتشريح و إنما كبعد نفسي أو اجتماعي أو تاريخي؟ وهو ما كان وراء ظهور العلـوم الإنسانيـة les sciences humaines و خاصـة منها علم النفس( السيكولوجيا) وعلم الاجتماع ( السوسيولوجيا ) و بدأت هذه العلوم تحدو حدو العلوم الحقة في التعامل مع الظواهر الإنسانية و في هذا السياق انتقل مفهوم الحتمية الى حقل العلوم الإنسانية.
لقد نشأ هذا المفهوم كنقيض لمفاهيم أو مبادىء اعتقد أنها هي التي تحكم العالم كالـصدفـة، و العشوائية، والفوضى، وغياب النظام، والاعتقاد في خضوع العالم إلى قوى غيبية لا سـبـيل إلى معرفـتها أو التحكم فيها على الأقل ، و هو ما يعبر عنه أحيانا بالجبرية و يقصد بالحتمية الاعتقاد بأن الظواهر تخـضع في نشوئها، وتطورها، وزوالها، لعوامل مادية مضبوطة يمكن معرفتها و التحكم فيها. و تبعا لذلك يمكن التحـكم في توجيه الظواهر التي تأتي نتيجة لها. ففي ظل شروط معينة، تترتب نتائج معينة، ومن ثمة فإنه لفهم النتائج يكفي الرجوع إلى تلك الشروط الثابتة التي لا يمكن أن تكون تلك النتائج إلا نتيجة لها. على أساس هذا المبدأ نشأ العـلم، وأمكن تفسير عدد من الظواهر، والتحكم فيها، وتوقع حدوثها، حتى لقد ذهب " كلود برنار" إلى القـول بأن العلم حتمي و ذلك بالبداهة ، و لولاها لما أمكن أن يكون . فكان من الطبيعي أن يوجه تصور من هذا الـنوع المحاولات الأولى لنقل الظاهرة الإنسانية ، من حقل التناول الفلسفي إلى حقل التناول العلمي تحت تأثير النموذج الفيزيائي فالشخصية تخضع كغيرها من الظواهر لحتمية ، ويمكن تبعا لذلك معرفتها والـتحكم فيها. فالشخـص يخضع في سلوكه لقوانين بل إن العمليات العقلية و الوجدانية هي نفسها تخضع لقوانين و ما ينتجه الشخص يجـد تفسيره في الآليات التي تشتغل بها الشخصية وفي تاريخها و في وا قعها . وهو ما ترتـب عـنه جملة من التفسيرات والقوانين والتأكيدات الأحادية الجانب، حتى لقد اعتقد بعض العلماء (واطسون) أنه يمكن أن يصنع مـن الطفـل الشخص الذي يريد " أعطني عشرة من الأطفال أستطيع أن أصنع لك منهم اللص والمحامي والطبيب او ما تريد..". وأكد سيجموند فرويد على حتمية بيوسيكولوجية حين حديثه عن الأثر الحاسم للطفولة في تكوين الشخصية و تحديد استجاباتها في كل المراحل اللاحقة ، و ترتب عن الاعتقاد في خضوع الشخصية للحتمية أيضا جملة مـن القوانين المتحكمة في مجموعة من العمليات النفسية و الوجدانية كالتذكر، والإدراك، والانفعال، وغيرها. وإلى جانـب ذلك نشأت و بفعل سيادة نفس المبدأ مبدأ الحتمية ، تفسيرات سوسيوثقافية أحادية الجانب ترجع السمات الأساسـيـة للشخصية و استجاباتها بما في ذلك الاستجابات العقلية الفكرية الى شروط اجتماعية ثقافية ، و هي كـلها نـتائج مترتبة عن سيادة هذا المفهوم و سيادة النموذج المحتدى في مـحاولة الـدراسة العلمـية للشخصـية ، و غـيرها من الظواهر الإنسانية ، و هو النموذج الفيزيائي.( انظر نصوص : فرويد1 ، فرويد 2 ، رالف لنتن ، جي روشي لوسيان جير فينيون ).
إلا أن هذه النتائج أثارت إشكالات على مستوى التطبيق ومحاولات التحكم ، كما شكل تفرد الشخصـية و اختلاف سماتها من شخص الى شخص و اختلاف استجاباتها لنفس المؤثرات أثار كل ذلك إشكالات تنطلق مـن خصوصية الظاهرة الإنسانية التي يمكن أن يفضي التعامل معها من منظور علمي إلى إفراغها من محتواها و ذلك بتشييئها و تحويلها إلى موضوع، وهو ما أثار بقوة الحديث عن حدود العلمية في الدراسات الإنسانية بسـبب تعقد الظاهرة الإنسانية و تداخلها ( انظر نصوص : بياجي ، لادريير ، كارل بوبر ، جون كيميني ). و كنتيجة لهذه الخصوصية تم التأكيد على نسبية النموذج الفيزيائي و عدم صلاحية اعتماده بكيفية متحجرة في دراسة الظواهـر السيكولوجية والسوسيولوجية، و من ثمة معارضة كل محاولة لاستعارة مفهوم الحتمية من حقله العلمي و اعتماده في دراسة الشخصية بل و معارضة نقل الشخصية من الحقل الفلسفي الى الحقل العلمي و من هـنا تأتـي مـشروعية استحضار المقاربة الفلسفية.
و المقصود بها المواقف الفلسفية الرافضة لكل محاولات اخضاع الشخصية الانسانية لمناهج لا تتلائم مع خصوصيتها و النظر اليها في بعدها الحي المتغير و المتجدد باستمرار و بالتالي عدم اصلاحية الاحاطة بها باي اطار علمي لان الانسان اكبر من ان يحاط به بواسطة اخضاعه تعسفا لاي منهاج ، و بالتــالي انتجت هذه المقاربة الفلسفية مفهوما اقدر في نظرها على تناول مفهوم الشخصية الانسانية الا و هو مفهوم الحرية.
ان الحرية مفهوم فلسفي عرف دلالات مختلفة باختلاف الفلاسفة و باختلاف المصادر التي اثرت في بنائه فهي تعني بالنسبةالى البعض غياب القيود ، و هي تعني القدرة على فعل ما لا ينبغي فعله، و قـد تـعني مجرد الوعي بما يتحكم فينا من ضرورات و حتميات و اخذها بعين الاعتبار ، حين القيام بسلوك معين ، كـما قد تعني التحرر او الوعي بما يتحكم فينا و السعي الى التحرر منه ، ذلك ان سيادة هذا المفهوم فـي مـعنـاه االاول و الثاني هو الذي يفسر الاعتقاد في تميز الظاهرة الانسانية كيفيا ( نوعيا ) عن باقي الظواهر الطبيعية وهـو مـا يفسر في نفس الوقت رفض الانتقال بدراستها من المجال الفلسفي الى المجال العلمي ، فهي ظاهرة مفردة ، نسـيج وحدها لا تتكرر و لا سبيل الى التجريب عليها ، و هي تبعا لكل ذلك لا تخضع لقانون محدد او حتمية مضبوطة. فلا مجال للحديث عن حتمية تحكم الشخصية كظاهرة انسانية ، فالانسان حر ، بل محكوم عليه بالـحـرية ، و هو الذي يحدد حقيقة ماهيته او شخصيته في النهاية عبر الاختيارات المتتالية ، فما يحدد السمات الاساسية للشخصـية و كيفية تعاملها مع المؤثراث الخارجية و الداخلية هو جملة الغايات و المشاريع التي يرسمها الشخص لنفسه ، فلا يتعلق الامر بعلل مادية تشكل عناصر حثمية سيكولوجية او سوسيوثقافية او تاريخية ، و انما بعـلـة غائية ، فما يرسمه الشخص من غايات هو الذي يحدد واقع الشخص و ما يطرأ عليه من تغيير ، و بناء عليه ينبغي ان نلاحظ اذن ان ما يبرر الحديث عن الحرية ، حين تناول الشخصية هـو الاعـتـقـاد في تميز الشخصية كغيرها مــن الظواهـر الانسانية.و هو ما ترتب عنه رفض كل المحاولات المبذولة للانـتـقـال بالشخصية من الحقل الفلسفي الى الحقل العلمي. و تبعا لذلك فليس هناك مجال للتحكم في نمو الشخصية و تغيير سماتها و تعديل اسـتجــاباتها للـمـؤثـراث الخارجية و الداخلية ، لان الشخص و الشخص وحده هو الذي يملك بارادته و وعيه و ما يتغياه من مشاريع يملـك ان يحدد ما ستكون عليه شخصيته في الحاضرو المستقبل ، و بالتالي ليس هناك مجال للحديث عن علم للشخصـية طالما ان الذاتي هنا ممثلا في الحرية و الارادة و الغايات هو الذي يحدد الموضوعي.أي الشخصية كموضوع للتأمل الفلسفي. ( انظر نصوص : سارتر 1 ، سارتر 2 ، هودار ، ايمانويل مونييه ، سمون دبوفوار ).
الا ان موقفا من هذا النوع يثير اشكالات منها ان الاختيار الذي يعتبر رمزا للحرية لا يمكن ان يكــون كذلك لان غايات و مشاريع توجهه ، و لان عناصرهذه الغايات و المشاريع تجد تـفـسـيـرها في واقع الانسان البيوسيكولوجي و السوسيو ثقافي الا ان ذلك لا يعني بان العلاقة بين الشخص و المـؤثرات السـيـكولوجــية و السوسيو ثقافية و التاريخـية هي علاقة سبب و نتيجة ذات اتجاه واحد كما تقول بذلك الحتمية بمعنى ان الوعـي بحدود كل من الحثمية و الحرية و رغم وجاهة حجج كل منهما سيـقـود الى الـقول بمفهوم آخر لتجاوز الحتمية الميكانيكية و الحرية الغير المفيدة الا و هـو مفهوم التفاعل.
لقد استعمل هذا المفهوم بكيفية غير مباشرة في مجال الرياضيات و في مبحث الدوال حـيـث اصبحت عناصر الدالة الرياضية عبارة عن متغيرات من شأن التاثير في احداها ان يؤثر في باقي عـناصر الدالة فلم تعد العلاقة علاقة احادية الاتجاه ، و انما علاقة متعددة و متبادلة الاتجاه ، و اسـتعـمل هذا المفهوم في مجال الكيمياء بكيفية اوضح ، و ساد هذا المفهوم الفلسفة و علم الاجتماع تحت تاثير الـتـصورات الجدلــية و البنيوية عن االعلاقات بين الظواهر و الحدود ، و هو ما يشكل تجاوزا للتصورات الميكانيكية الاحادية الاتـجاه ، و احـل مفهوم المتغيرات محل الاسباب و العلل ، فالشخصية لا تتأثر فقط ، و انما تؤثر و هي اذ تؤثر و تغير، تطور ذاتها نفسها ليس هذا فقط بل ان نوعية اثر العوامل الموضوعية على الشخصية انـما تـحـدده نـوعـيـة الـدلالـة التي تضفيهاالذات على تلك العوامل ، هذه العوامل تؤثر في الشخصية بعد ان تكون الشخصية نفسها قد ترجمت تلك العوامل ترجمة ذاتية حددت نوعية تاثيرها على الشخصية ، و هو ما يـفـسر اختـلاف استجاباتنا لنفس المؤثرات الخارجية لانها و ان كانت هي هي على المستوى الموضوعي فان دلالاتها و معانيها ستختلف باختلاف ذواتـنا ما دمنا لا ندرك الاشياء كما هي و انما كما نحن ، وهو ما يكشف عن حدود التصورات الميكانيكية و يجـسد تفاعل الذاتي و الموضوعي في تحديد سمات الشخصية و طبيعة استجاباتها للمؤثرات المتأثرة ، المـؤثـرات الذاتـيـة و الموضوعية و هو تصور يفضي الى رفض جملة الثنائيات كالذاتي و المـوضـوعي و كالسـبـب و النتيـجة و المؤثر و المتأثر ، و يؤدي الى اعتماد مفاهيم اخرى كمفهوم العوامل و المتغـيرات ، و الجـدل و الـبـنـية و الاستقلال النسبي للذات عن الموضوع. ( انظر نصوص : اميل دور كايم ، جرامشي ، جـمـاعة مـن الكتاب السوفيات ، هيجل ).
و لكن الا يؤدي تصور من هذا القبيل الى العودة الى اعطاء الاسبقية للعوامل الذاتية ، فنكون في نـفس الاطار الفلسفي الذي انتج مفهوم الحرية كمميز للشخصية ، و الذي برر رفض كل محاولة علمية لدراستها ؟ . الا يحتاج الامر الى مفاهيم جديدة لاستيعاب واقع الشخصية و بناء مفهومها ؟.
ان الحتمية و الحرية و التفاعل مفاهيم تأرجحت بينها محاولات تحديد السمـات الاساسـيـة للشخصية ، وما يحكم طبيعة استجاباتها للعوامل الداخلية و الخارجية ، و هي مفاهيم ساهمت في الكشف عن بعض جوانب الشخصية ، و كانت لها حدود بررت استدعاء مفاهيم اخرى. فإذا اعتمدنا احد هذه المفاهيم قيل ان ما يترتب عن الاخذ بها من نتائج احادي الجانب ، و ان ثم الاخذ بها جميعا سجل علينا التناقض و التوفيقية و الثأرجح بـين الاحتمالات ( الحتمية او الحرية او التفاعل ) و هو ما يكشف ان دراسة الشخصية لازالت تثأرجح بيـن الـتـناول الفلسفي و المقاربة العلمية ، و انها لم تنتج بعد المفهوم الذي يكشف عن محددات الشخصية و نوعية استجاباتها.
الا يدل تعثر بعض المشاريع التربوية ، و بعض محاولات الاصلاح الاجتماعي ، و التخطيط لمـحاربـة اشكال الانحراف في المجتمع و غيرها من مؤشرات الفشل في تغيير الانسان ، الا يـدل كـل ذلـك عــلى ان مفـهـوم الشخصية الانسانية و مفتاح التأثير فيها لم يوجد بعد؟.
لقد تم الاعتماد في أجرأة هذه المحاولة على النصوص الواردة في الكتابين المدرسيين السابق والحالي وعلى النصوص الواردة في بعض مواضيع امتحانات الباكالوريا الخاصة بمادة الفكر الإسلامي والفلسفة للسنة الثالثة ثانوي أكاديمية الجديدة – آسفي و على إحدى الوثائق الخاصة بهيكلة درس الشخصية المعدة من قبل هيئة الإشراف التربوي نيابة آسفي.
1)
نصوص كل من : ديكارت ، كانط ، بياجي ،
لادريير ، فرويد ، رالف لنتون ، جي
روشي سارتر(1) ، هودار ، أخذت من
الكتابين المدرسيين السابق و الحالي
بتصرف.
2) نصوص كل من : كارل بوبر ، جيرفينيون
، سارتر ( 2 ) ، امانويل مونيي ، سيمون
دوبوفوار ، دوركايم ، جماعة من
الكتاب السوفيات ، هيجل. هي مواضيع
سابقة لامتحانات البكالوريا
لأكاديمية الجديدة/ اسفي.
3) نص جون كيميني : الفيلسوف و العلم
ترجمة أمين الشريف ص 353