Nouvelle page

ربيع سهام

 

إلى سهام في سجـنها

بقلم صـديقتها أم زياد .

 

    إنتظرتك في المطار يوم 26 جوان 2001 ولم تأتي وأخبرنا أحد مرافـقيك أنه تمَ إيقافك عند حلولك بأرضنا التونسية المباركة رغم كل شيء لأنها أنجبتك وأنجبت أمثالك .

    إنتظرتك أيضا في بهو قصر وزارة العدل وسألنا عنك موظفيه فقالوا إنهم لا يعلمون شيئا عن أمرك وبعد ساعات طويلة تولَى أحدهم أمرك ثم أرسلك إلى سجن النساء بمنوبة بتهمة إهانة أحد القضاة والكل يعرف ربما بمن فيهم هذا القاضي أن التهمة الحقيقية هي غير هذا بل هي تهمة أخرى لا يراد فتح سجلاتها .

       عزيزتي سهام ،

    لا أكتب إليك هذه الرسالة لأواسيك وأبكي " قبوعك " في السجن فأنت من طينة الذين لا يقبعون أبدا ولا يحنون الرأس أبدا ـ في السجن كانوا أم خارجه ، ولا أكتب إليك لأحدثك عن تعاطف القوى التحررية معك لأنك رأيت هذا التعاطف وسمعت دويَه في ساحة المحكمة يوم الخميس 5 جويلية ، وإنما أكتب إليك وإلى كل قراء هذا النص لأنقل وجوها أخرى من ردود الفعل على آعتقالك مشفوعة بتعاليقي التي تحبينها .

    سأبدأ بما قد لا يذكره أحد ولكنني أعلم أنك تفضلينه على ما سواه ، سأبدأ بردة فعل الناس العاديين على سجنك " الأبطال " الذين لا يعرفهم أحد والذين آقترحت عليَ يوما أن نجمع بطولاتهم اليومية البسيطة ونخلدها بالمكتابة على صفحات جريدتك " كلمة " التي تظهر على " الأنترنات " المغلق دوما في وجوه التونسيين والذي يعرف التونسيون كيف يدخلونه :

    * الخالة " ناجية " ردَت على إيقافك بالدعاء على سجانك ولا أستطيع أن أنقل إليك دعاءها عليه بنصَه لأني لا أعرف ما هو حكم الدعاء في مجلة الصحافة عندنا وأخاف على الخالة ناجية من الوقوف أمام القضاء بتهمة " الدعاء الذي من شأنه تعكير صفو النظام العام " وكل ما أستطيع قوله هو أنه دعاء من العيار الثـقيل وأن الخالة ناجية تسلسله موزونا ومقفى وتقشعـرَ لهوله الأجسام .

    * أخوك " نور الدين " وهو " خليقة " ظريف ومسالم عموما ( ما لم يتعكَر مزاجه ) وعنده روح وطنية عالية قال لما سمع خبر آعتقالك " الحبس للرجال وهي أرجل من الرجال " وأرجو ألاَ يلومني الرجال على هذا القول لأني مجرَد ناقلة له .

    * " معز " مثقف ولكنه ليس شجاعا بعـدُ كلفني بأن أنقل إليك مشاعر إعجابه بك وتعاطفه معك

 " بالمراسلة " فقلت له : " يُردَ لك في الأفراح والمسرات إن شاء الله " نبزه ردَي ولكنه لم يحتج عليه ، ولعل وراء سكوته إقرارا بالجبن والإقرار بالجبن طريق إلى الشجاعة أحيانا وعسى آعتقالك أن ينقذ هذا المواطن الشاب من الخوف التونسي الذي بدأ يفقد قـوته .

    * " مريم " أستاذة تقول إن أبناءها وهم طلبة غضبوا عليها وعلى أنفسهم لأنهم لم يذهبوا لآستـقبالك في المطار يوم الثلاثاء المشهود وقد آعتذرت بعدم علمها بساعة وصول الطائرة التي حملتك إلى تونس وهي محقة في ذلك ولعله كان عليك أن تعلمي تونس بساعة وصولك إليها .

    * سائق تاكسي أخذني من أمام قصر العدالة وسألني عن سبب الزحمة حوله فأخبرته الخبر اليقين . سكت الرجل برهة وهو كالخائف ـ بل كان خائفا ـ ثم سألني : " هل هذه هي المرأة التي أحرق بسببها مكتب السياحة التونسي بباريس ؟ " أعلمته طبعا بأن مكتبنا السياحي في باريس لم يُحرق وأفهمته الموضوع ففهم . ولكن هذا لا يمنع أني آنزعجت من طريقة " مينار " في الإحتجاج على آعتقالك وقد كان على الرجل ألاَ يتصرَف كما لو كان في باريس أين الإعلام الصحيح وحيث لا مكان للإشاعة وأن يتصوَر أن زبانية الدعاية والتضليل عندنا لم يكونوا ينتظرون إلا الفرصة التي أتاحها لهم ليشغلوا ماكينة المغالطة وأنهم كانوا مستعدين لكل شيء ليروَجوا أراجيفهم .. كانوا مستعدين حتى للتظاهر في الطريق العام ولمفاجأة المجتمع بأن له فضاء عموميا يمكن أن يعـبَر فيه عن رأيه ، وهذا ما فعلوه وقد نالني

" شرف " رؤية أول مظاهرة ربما في تاريخ الإنسانية يشارك فيها عدد غفير من أعوان البوليس ويتفـرَج عليها المواطنون ضاحكين ..

    * " نسمة " وهي بُنيَة صغيرة رقيقة كالنسمة سألتني طويلا عن معنى السجن وشكله وهيأته فأجبتها تخمينا لأني لا أعلمه يقينا ، ثم سألتني عن سبب إدخالك أنت السجن فأفحمني سؤالها وأفقدني جميع خصالي البيداغوجية التي آكتسبتها بعد عمر طويل في التدريس . لم أقدر على إجابتها بما يُفهم فآنكفأت على نفسي أتفلسف وأقول : " إن شـرَ ما في الوجود هو الأسئلة التي لا جواب عليها " .

    * مجموعة من الطلبة عبروا لي عن تحمسهم الكبير للتجاوب مع قضيتك ولكنهم أبدوا شيئا من الأسف لأن " ربيع سهام " جاء في الصيف والكليات في عطلة فآنبرى واحد منهم ـ تلوح عليه   مخايل الزعامة ـ يقول إن بعد الصيف خريفا تسحب فيه السماء فتمطر لينبت العشب وتخضرَ الخضراء .

    هذه عيَنة من ردَ فعل الشارع التونسي على آعتقالك وهي كما ترين تبشر بأن ناسنا ليسوا " لحمة ميتة " كما أريد لهم أن يكونوا ، وتدل على أن الدكتاتورية بقمعها وتخويفها لم تستطع تجفيف المنابع في بلدنا .

       عزيزتي سهـــام ،

    لست أحمل إليك في هذه الرسالة الأخبار السارة فـقط وعندي لك خبر لا يسـرَك :

    لقد آنحط مستوانا حتى صرنا نقرأ بعض الجرائد التونسية التي لم نكن نتصور يوما أننا نقرأها .

هي في الحقيقة ليست جرائد بل جرائم ترتكب يوميا وأسبوعيا في حق اللغة العربية وبلاغتها الخرافية وفي حق الذوق السليم وأخلاق البشر وفي حق المنطق الإنساني والذكاء التونسي .

    هذه الجرائد التي يسوَد صفحاتها كتبة مستواهم العلمي في الأغلب دون الباكالوريا ومستواهم الأخلاقي جميعا دون الصفر  تشن عليك وعلى قناة المستقلة وعلى كل من تكلموا فيها حملة من السباب السوقي غير المستغرب من كُتابه وكل إناء بما فيه يرشح . ولست أريد هنا الرد على أفكارهم لأنهم لا أفكار لهم ولأنني كما يقول المتنبي " لا أجرَب سيفي في هباء " ولست مجنونة لأحارب الفراغ وهم عندي يا أخيَة الفراغ بعينه لو كان للفراغ عين ، وليس لهم عندي إلا أن أدخلهم مدرستي في الكتابة وأن أرفع أرجلهم في " الفـلقة " حتى يتأدبوا ويفهموا أن القلم المسموع الكلمة هو القلم الذي يحركه العقل والضمير وليس القلم الذي يحركه قرم كاتبه وجوعه المزمن الذي لا يعرف الشبع .

    المشكل هنا هو أني غير قادرة على التعرف على تلاميذي المتخلفين هؤلاء فأغلبهم ينسون كتابة أسمائهم تحت النصوص التي يحبرونها ولعل في ذلك أكبر دليل على إيمانهم بما يكتبون وعلى ثـقتهم في مستقبل النظام الذين يحلبون في إنائه . ولعل في ذلك أيضا دليلا على أنهم أناس يفكرون في مستقبلهم الخاص فيدعون الباب مفتوحا للتلون الحربائي و" قلبان الفيستة " يوم " تتقلب المشامية " وتتخلص تونس من كابوس الدكتاتورية .

    هنا أقـول لهؤلاء الكتبة " قفوا عند حدكم ولا تحلموا كثيرا فتونس الغد ـ يوم تكون ـ لن تقبل بهذا الضرب من التزييف الذي أنهك قواها وشـوَه صورتها ، وهي ستقبلكم لا محالة لأنكم منها ولكنها ستضع لقبولكم شروطا وستضطركم للمشي على صراط الحقيقة والنزاهة والإقرار بذنوبكم في حقها .. وبعدها ، وبعدها فقط ستعطيكم تونس الكلمة .. وربما وإذا تحسن مستواكم ستسمح لكم سهام بن سدرين بالكتابة في جريدة " كلمة " التي ستظهر يومها بورقها وحبرها وستزيَن أكشاك بيع الجرائد والمكتبات شاهدة على عظمة " ربيع سهام " الذي جاء في الصيف ليبشر بربيع تونس انطلاقا من قصر العدالة يوم 5 جويلية وعملا بقول الشاعر " وداوني بالتي كانت هي الداء " .

وإلى لقاء قريب يا سهام .

أم زيـــاد .