|
القاضي
مختار اليحياوي يفتح بيته وقلبه لـ»كلمة» |
لم
أجده كما تخيّلته صورة منمّطة للقاضي الثقيل
الحركة المبالغ في اصطناع الرزانة صورة كتلك
التي رسمها الجاحظ لأهل القضاء وهو يصف قاضي
البصرة "الزميت"
"التركين"
حتى كأنه "بناء
مبني أو صخرة منصوبة".
لم
أجد هذه الصورة بل وجدت أمامي رجلا يميل إلى
النحافة خفيف الحركة يسلّم بحرارة ويتنقّل في
خفّة وعفويّة بين جهازي الهاتف الذيْن لا
يكفّان من الرنين ليكلّم مخاطبيه الكثيرين من
تونس والخارج وليردّ بلهجته الجنوبية
الظريفة على ما يسمعه منهم من عبارات الإعجاب
بمبادرته والمساندة له. في وجه الرجل بشاشة
وفي عينيه ابتسامة ودّ وحفاوة ولكن كل ذلك لا
يخفي أن في الرجل صلابة وعزم اخواننا "الأمازيغ"
الذين يفاخر بالانتساب إليهم.
وفيه
ثقة بما يفعل وبما يقول... ذلك هو "السيد
الرئيس"
"المختار اليحياوي"
القاضي الذي "ملأ
الدنيا وشغل الناس"
والذي إلتقته »كلمة»
لتجري معه هذا الحوار.
كلمة:
لو تفضّلت بتقديم نفسك إلى قراء «كلمة»
حتى يعرفوا بأكثر ما يمكن من التفصيل من هو
هذا القاضي الشجاع الذي تجاسر على تمزيق برقع
الصمت فدخل تاريخ
بلاده من بابه الكبير.
-
المختار اليحياوي: المختار اليحياوي
أمازيغي من ورغمة غمراسن من مواليد 1 جوان 1952
مقيم بالعاصمة بحي باب البحر بين "مدقّ
الحلفاء"
والسوق المركزية زاولتُ تعليمي الابتدائي
بالعاصمة ثم الثانوي بمعهد ابن شرف تحصّلتُ
على الباكالوريا آداب بقسنطينة بالجزائر سنة
1972 وعلى الإجازة في الحقوق من كليّة الحقوق
والعلوم الاقتصادية بتونس سنة 1976 ثم انتقلتُ
إلى باريس حيث تابعت دراستي في مادة القانون
الدولي الخاص بجامعة "الصربون"
متحصّل على شهادة دراسات عليا في القانون
وعلى شهادة الكفاءة لمهنة المحاماة التي
باشرتها إلى سنة 1983 تاريخ التحاقي بالقضاء
حيث اشتغلت قاضيا ثم مساعدا لوكيل الجمهورية
بتونس العاصمة ثم قاضيا لناحية مجاز الباب ثم
رئيس محكمة ناحية بأريانة وحاكم تحقيق أول
بها. قبل أن أعود إلى تونس من جديد بخطة مساعد
للوكيل العام بمحكمة الاستئناف ثم وكيلا
لرئيس المحكمة الابتدائية حيث أشرفت على
الدائرة الخامسة جناحي ثم الدائرة العاشرة
مدني حيث لا أزال إلى حدّ الآن.
متزوّج
ولي أربعة أبناء وأخ وأخت والدتي لازالتْ على
قيد الحياة.
-
كلمة: كيف فكّرت في كتابة هذه الرسالة؟ هل
كانت وراء كتابتها لحظة حافزة أم أنها ثمرة
تفكير مطوّل في هموم المهنة ووضعية السلطة
القضائية في تونس؟
-
المختار اليحياوي: انتمائي إلى القضاء كان
منذ بدايته ثمرة فترة طويلة من التأمّل
والتعمّق أفضت بي إلى تقلّده باعتباره
مسؤولية أمانة وشرف وليس لمجرد الحصول على
وظيف ذلك أنه سبق لي أن نجحت في مناظرة القضاء
ولم ألتحق بالعمل كما أن آفاق العمل كانت
مفتوحة أمامي سواء في المبدان الجامعي أو في
المحاماة أو من خلال العروض الكتابية التي
تلقيتها من عديد المؤسسات الهامة في البلاد
في ذلك الوقت ذلك أن رجوعي إلى تونس نفسه كان
مبنيّا على اختيار مبدئي منذ البداية لكل
هاته العناصر كان انتمائي للقضاء يتمّ بشغف
كبير ومتزايد خاصة وأنه أتيحت لي فرصة العمل
مع قضاة سامين من أحسن ما عرفته تونس في هاته
الفترة وكانت علاقتي بهم على حد كبير من
التلقائية والصراحة والاعجاب المتبادل وهو
ما أتاح لي التدرّج في تجارب ثريّة زادت من
تعميق تجربتي وسمحت لي بالتعمّق والاطّلاع
على واقع القضاء في أدقّ تفاصيله سواء في
مستوى النيابة العامة أو في مستوى القضاء
الجزائي أو في مستوى القضاء المدني وكثيرا ما
كان يحصل على امتداد هاته الفترة اختلاف في
الرأي بيني وبين زملائي أو رؤسائي سواء في
الاتجاهات أو القرارات أو حتى في المبادئ
المسيّرة ولكنه كان دائما يحسم في إطار
الحوار والنقاش المنهجي الصريح بحيث كانت
النتيجة تأتي دائما في صالح حسن القضاء
ومصلحة المتقاضين لأن علاقات العمل كانت
مبنيّة على الثقة والمسؤولية.
ورغم
أن إطار العمل كان دائما رديئا ومتخلّفا عمّا
هو عليه في مؤسسات أقوى لا ترقي إلى أهميّة
المؤسسة القضائية فالمكاتب قليلة وتجهيزاتها
قديمة أو من حثالة ما يمكن أن تعرضه السوق
المحليّة ومحتوياتها المكتبيّة والقانونية
غير موثّقة وقد تمّ نهبها ولم تعد موجودة
تماما حاليا وقد كانت مصالح التجهيز بالوزارة
دائما تنخرها الرشوة كما أن مصالح الشؤون
الادارية قائمة على المحسوبيّة وهو ما جعل
الانتدابات في أصناف العَملة والسائقين
والحجاب والكتبة تقتسم بين مسقط رأس مدير
الشؤون الادارية ومساعده أو في إطار بعض
التدخلات المحسوبة وكان العامل يرتقي إلى
حاجب والحاجب إلى كاتب والراقنة إلى سكرتيرة
أو كاتبة وهو ما حكم بالرداءة على المستوى
العام للإطار العام للمحاكم كما زاد تردي
الأجور وانغلاق آفاق الترقية المهنيّة على
الكفاءة في استشراء الرشوة التي كادت تتحوّل
إلى الوسيلة الوحيدة للحصول على الخدمات من
طرف المتقاضين والمتعاملين مع القضاء نتيجة
قصور المؤسسة في هذا الجانب وعجزها عن تقديم
الخدمات بالكفاءة المطلوبة مما حوّل علاقتها
بالمواطنين وحتى المحامين وغيرهم علاقة
مماطلة غالبا لا يمكن تجاوزها إلا عن طريق
التحفيز المادي وهي وضعية لازالت متواصلة إلى
الآن إن لم نقل قد تفاقمت فالأحكام المدنية
غير المرقونة حسب آخر المعطيات التى توفرت لي
تجاوز ثمانية آلاف حكم ولا يمكن الحصول عليها
إلا بتأخير يتراوح بين السنة والسنة والنصف
بالقنوات العادية ورقنها رديئ مليئ بالأخطاء
غالبا ما يحول دون تنفيذها ويؤدي إلى تعطيلات
إضافية لإصلاحها أو عدم حصول الجدوى منها.
والحقيقة
أن مواطن القصور والخلل هيكلية ومتعددة في
هذا المستوى بما حوّل الماحكم إلى متاهة
مقفلة على مرتاديها خاصة إذا أضفنا إلى ذلك
ضعف إن لم نقل انعدام الثقافة القانونية في
تنشئة مجتمعنا مما فتح المجال للسماسرة
والمبتزّين وتحول ضغط كثرة التشكيات إلى معيق
اضافي وحائل دون متابعتها بما تقتضيه من حزم
وأصبحت التدخلات المنفذ الوحيد لقضاء
الحاجات مما أثقل كاهل القضاة وجعلهم عرضة
لكل المغريات ولا يكفي المجال للوقوف على كل
مواطن الخلل وأوجهه ولكن القضاء كان دائما
مقرفا من هاته الناحية خاصة وأن وزارة العدل
لم تعرف وزراء عدل حقيقيين ربما منذ عهد أحمد
المستيري بل كانت دائما باعتبارها وزارة
سيادة حقيبة تشريفاتية للمسندة إليه كما أن
العدلية بصفة عامة ومنذ عهد الاستعمار تجذّرت
فيها تقاليد التوارث والتواكل وذلك السلوك
المنافق المريب من التعتيم والتودّد الذي
يؤدي أحيانا إلى الاستيلاء على لبّ الوزراء
من أبسط حجابهم ويمكّن هؤلاء الآخرين بفضل
هاته الخطوة من اكتساب مواقع تتجاوز في
نفوذها عمليّا سلطة أكبر الأعضاء والمسؤولين
حتى أصبح يقال"ما
ثمّ حد كان عبد الصمد"
وهي وضعيّة تحجب عن أي وزير حقيقة الوضع الذي
تعيشه إدارة القضاء حتى تنتهي ولايته ولا
يختلف في ذلك لاحقه عن سابقه إلى أن تردّت
الأوضاع إلى ما نحن عليه الآن.
لقد
كانت أوضاع القضاء من هذا الجانب فقط مدمّرة
لأي ضمير حي.
ولكننا
تجاوزنا الإطار العام للقضاء في حدّ ذاته
ولابأس من تحميل مواطنينا طول الإجراءات
وتشعّبها ومشقة التدخلات وإحباط المماطلات
وأن نعرّضهم للسماسرة والمرتشين ومن متصيّدي
فرص الابتزاز على أن نتيح لهم في النهاية
الحصول على حقوقهم كما يفترض أن يضمنها لهم
القانون.
القضاء
منذ اللحظة الأولى في أول مواجهة به لا يحمل
على الثقة والاطمئنان.
فالسياسية
الزجريّة المتّبعة منذ الاستقلال قاسية
وانتقائية فمعدّلات العقوبات من حيث التشريع
بقيت محافظة على مستوياتها التي جاءت بها
المجلة الجنائية والتي يعود اصدارها إلى 9
جويلية 1913 وهناك قوانين سارية تعود إلى القرن
الثامن عشر كما أن معدلات الأحكام الصادرة
قاسية جدا وهي تشهد تصاعدا مخيفا رغم أنه لا
وجود لإصائيات رسمية تعكسه ولم يقع قط
الانتباه لايجاد الهياكل المكلّفة بمثل هاته
المتابعة.
كما
أن هذا الطابع الزجري الحاد ينال فئات معيّنة
دون غيرها تندرج غالبا ضمن الأوساط الأكثر
هشاشة مما يزيد في تعميق إقصائها وعجزها عن
اللحاق بنسق تطور المجتمع.
كما
أن الجرائم الاقتصادية وجرائم الشيك بدون
رصيد والجرائم القمرقيّة تكرّس من الناحية
العملية سياسة نهب جبائي لا تطول الجميع بنفس
المستوى.
كما
أن طرق الاستخلاص الجبري المعتمدة عن طريق
بطاقات الإلزام وصعوبة وكلفة الإجراءات
المقرّرة للاعتراض عليها والطريقة المتّبعة
في استخلاصها عن طريق الحملات الواسعة
الدوريّة والانتقائية عن طريق ادارة متجبّرة
عاجزة عن التبصّر للتجافي البيّن بين النصوص
والواقع زاد من استفحال تأثيرها.
وسنتوقّف
عند هذا الحد فقط لنبيّن أن هاته السياسة
الزجريّة مدمّرة أكثر مما هي مؤسسة لمبادئ
العدل والإسعاف.
وهذا
مجرد فيض من بحر جعل العلاقة تبنى على النفور
بين القاضي والمتقاضي وقوّض مجلس العدل في
بنية المحكمة في مفهومها العام في مجتمعنا.
نفس
النظرة النقدية التي تناولت بها القضاء
الجزائي يمكن أن أخلص منها في القضاء المدني
والنيابة العومية والتحقيق إلى نفس النتائج
المفجعة وهي ميادين ربما خبرتها أكثر بحكم
تجربتي المهنيّة ولكن الأمر يحتاج لكتاب وليس
لاستجواب.
المشكلة
الأساسية التي يعاني منها القضاء التونسي في
تقديري تكمن في مستوى آخر مختلف تماما.
لقد
أخفق قضاؤنا على امتداد النصف قرن منذ
الاستقلال إلى الآن في غرس مقوّمات القاضي في
ذات القاضي وفي فهم مجتمعنا للقضاء وهي حالة
نابعة من عجز مجتمعنا على استيعاب المفاهيم
المجرّدة مثل مفهوم الحرية أو مفهوم
الديمقراطية التي لا ترد إلا مقرونة بعبارة
أخرى بحيث العبارة الثانية تقدم بدور الوصاية
على الأولى كأن نقول الحرية المسؤولة بحيث أن
الحرية لا تتحدد ذاتيّا وإنما غائبا من خلال
المسؤولية وهو ما يقودنا إلى تجريد المفهوم
من لبّه وروحه لينعكس لنا خاويا لا بريق ولا
حياة فيه.
على
هذا المنوال لا يحمل القاضي المجرّد معنى في
ذاته في تقاليدنا وإنما يستمدّ هيبته ومكانته
من مسؤوليته: مساعد وكيل جمهورية، حاكم
ناحية، رئيس محكمة، الخ... كلها عناوين لقضاة
أما القاضي بدون عنوان فقد درجت التقاليد في
وسطنا على اعتباره مجرّد "كراع"
لاكتمال نصاب المحكمة في حين أنه يقوم بأشقّ
الأعمال وأكثرها استنفادا للجهد والوقت فهو
الذي يتولى دراسة الملفات وعرضها على الدائرة
ويتعرّض لأبخس الإهانات لأبسط الأخطاء في
مفاوضة غالبا لا يكون واعيا بمحدّداتها
الحقيقيّة وهو الذي ينكبّ على تحرير مسودّات
الأحكام ولائحة الحكم بالمحضر ويسهر على
إمضائها وتجهيزها للتصريح لتبقى مهملة في
دروج الرقن لسنة أو سنة نصف في انتظار دورها
ثم في دروج القباضات المالية في انتظار
تسجيلها والمواطن لا يعرف منه إلا ما لمسه في
الواقع من تهاون وانعدام الضمير هذا اذا كان
الحكم لصالحه فما بالك لو جاء ضده.
نحن
ندمّر قضاتنا منذ التحاقهم بسلك القضاء
فالقاضي "البسيط"
ليس له مكتب خاص ولا تتوفّر له مستلزمات
مكتبيّة ولا يمدّ بالمراجع القانونية
المستحدثة وليس له غير جراية البؤس والمهانة
وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ما أطلق عليه "احتثال"
القضاء من كل العناصر المتميّزة والكفاءات
الواعدة وأصحاب القيم والمبادئ العالية.
لذلك
فإن المنفذ الوحيد للكرامة في القضاء هو
الوصول إلى مواقع المسؤولية وهو طريق شاق
مزروع بالأشواك ولا يقوم على مقاييس
المسؤولية والكفاءة بل على مقاييس الانسجام
وكسب ودّ الرئيس الذي سيبثّ عنه الانطباع
الذي سيحكم مستقبله وهي وضعيّة تقزّم موقعه
في لحظة القرار ومنها تبتدئ مسيرة التملّق
والولاء واندحار القضاء.
والأخطر
من ذلك بكثير الظاهرة التي برزت السنوات
الأخيرة وهو بحث بعض القضاة عى من يرعى
مسيرتهم القضائية من خارج إطار القضاء وذلك
عن طريق القرب من الحزب الحاكم أو ما عبّرتُ
عنه بالالتباس بالسلطة أو ببعض رموزها مثل ما
أصبح يُعرف لدينا "بقضاة
الترجّي"
وهي فئة هامة أصبحت تسيطر على أكثر مناصب
وكلاء الجمهورية في مختلف المحاكم وأكثرها
أهميّة إضافة إلى مواقع أخرى أكثر تدميرا.
ولكننا
لو رجعنا إلى السبب المنشئ لكلّ هاته الكارثة
فإننا سنجد ذلك القانون المشؤوم قطع الله
الرحمة على من حرّره وعلى كل من ساهم في صدوره
وهو القانون عدد 29-67 الصادر في 14 جويلية 1967
المتعلّق بتنظيم القضاء والمجلس الأعلى
للقضاء والقانون الأساسي للقضاة والذي صدر في
تلك الظزروف القاسية التي كانت تمرّ بها
البلاد من جراء النكبة في فلسطين ومحنة
التعاضد وجاء متناقضا تماما مع الدستور نصا
ومعنَى ولم تفلح كل الأصوات التي لم تنقطع عن
المطالبة بإلغائه أو تحويره إلى اليوم.
هذه
رغم طول المقال بإيجاز الأرضية التي انطلقت
منها فكرة تحرير تلك الرسالة وصبغها بما يبدو
من حدة في صياغتها.
-
كلمة: هذا عن المنطلقات العميقة والعامة
لكتابة رسالتك ولكن هل لكتابة هذه الرسالة
علاقة بحالات خاصة مثل اعتقال محمد مواعدة
وسهام بن سدرين ومحاكمة منصف المرزوقي.
-
المختار اليحياوي: لقد تزامنتْ الأحداث
التي ذكرت مع بداية شعوري باليأس من تقويم
القضاء من الداخل.
والحقيقة
أنني لم أكن أعرف أيّا من محمد مواعدة وسهام
بن سدرين والمنصف المرزوقي معرفة شخصية.
بالنسبة
للسيد محمد مواعدة ربما كانت فكرتي عنه
سلبيّة أكثر منها إيجابية وهذا رأي مزاجي ولا
أراه حاجزا بأي وجه من الوجوه لنشاطه السياسي
وحقه في التنظيم والتعبير. وقد واكبت محاكمته
الآخيرة حيث كنت أشغل خطة مساعد مباشر للوكيل
العام بمحكمة الاستئناف وكان بيّنا أنه
يتعرّض لمظامة فظيعة ولا يزال كذلك لحدّ الآن.
الدكتور
المنصف المرزوقي قرأت كل كتبه المنشورة
بمجرّد نشرها حتى "دليل
التقشّف الصحي"
وأحب طريقته في قراءة الواقع في شعارات
مبسّطة وقابلة للنقاش ولديّ ثقة كبيرة في
صدقه ونزاهته وأعتقد أن المعاناة الخاصة التي
طالته في السنوات الأخيرة أحدثتْ لديه تلك
القطيعة التي أراها ضرورية لكل من يمكن أن
يرمز إلى المستقبل... أضعت مرّة فرصة الحديث
إليه عندما جمعتنا طائرة في سفرة إلى الجزائر
ولم أنفكّ ألوم نفسي على ذلك لحدّ الآن.
أما
السيدة سهام بن سدرين فأعرفها صحفيّة متميّزة
في مجلة جون أفريك عندما كانت مراسلة لها ولم
تترك لي انطباعا واضحا عن خلفيّتها الفكرية
ولكني مفتتن بها كإمرأة شرسة في الحق كما يجب
أن يكون الرجال في مثل هذا الوقت.
تابعتُ
حديثها في فضائية "المستقلّة"
وكنت على اطلاع عمّا تحدّثت فيه سواء بخصوص
قرينة البراءة أو حالة التعذيب من مصادر
موثوقة ومباشرة. وما كنت أعتقد أنه كان عليها
أن تتجاوز عن ذكر اسم القاضي في سياق الحديث
لأنني شخصيا رددت نفس الشيء وكل زملائي
الملازمين لي في العمل يذكرون مني ذلك. لذلك
كان اعتقالها بالنسبة إليّ منتهى العنجهيّة
التي يمكن أن يبلغها القضاء.
يوم
الآربعاء السابق لليوم المعيّن للتحقيق معها
وقع استدعائي من طرف نائب وكيل الجمهورية
لسماعي في تهمة فرار اثر حادث مرور منذ سنتين
وقعتْ نسبتها إليّ وكنت أحسّها حلقة من سلسلة
مضايقات كنت أتعرّض إليها منذ مدة وبما أني
أكنّ تقديرا خاصا للقاضي المذكور فإن قدومي
إلى مكتبه كان من باب اللياقة أكثر منه
استجابة للبحث وعندما دخلتُ وجدت لديه محاميا
أعتبره أحد أكبر رموز الفساد في بلادنا ولم
أمرّ بأي خطة من الخطط التي شغلتها إلا
وصادفني ملفّ من الملفات التي تورّط فيها
ولكنه كل مرة يفلت كالشعرة من العجين وقد جاء
يومها إلى مكتب نائب وكيل الجمهورية يفاخر
بالوسام الذي قلّْده إياه رئيس الدولة مؤخرا
وقد زاد ذلك حالة الامتعاض التي كنتُ عليها.
وبمجرّد
بداية البحث دخل أحد الحجاب فطلب منه نائب
وكيل الجمهورية صرف الأستاذة الشماري التي
جاءت للحصول على بطاقة زيارة للسيدة سهام بن
سدرين ولما لم تتمكّن من مقابلة حاكم التحقيق
الذي أغلق كاتبه في وجهها الباب من الداخل
جاءت لمقابلة وكيل الجمهورية. وكان وكيل
الجمهورية في تلك اللحظة مختليا بحاكم
التحقيق لاعداد سيناريو البحث في قضيّة
السيدة بن سدرين لقد طلب وكيل الجمهورية عن
طريق كتابته من الأستاذة الشماري الرجوع في
وقت آخر حتى يتمكّن من قبولها ويمكّن حاكم
التحقيق من الخروج دون أن تراه هذه المحامية.
ولكن هذه المحامية لم تغادر المكان وجلستْ
على كرسي الحجابة أمام الباب... ولا أدري كيف
تمّ تجاوز المأزق ،لكنني كرهتُ وقتها القضاء
الذي أنتمي إليه.
لاشكّ
أن هذه التراكمات التي كانت تطفو من هذا
القضاء الموازي الذي لم تعد مسرحيته تنطلي
على أحد كان لها دور كبير في تحديد موقفي
النهائي لأنني عندما استيقظت صباح يوم الجمعة
وكنت جهّزتُ الرسالة قبل أن أنام لم أجد أي خط
ينقذ 18 سنة من إلتزامي بالقضاء غير الاتجاه
إلى مكتب البريد السريع وارسال الرسالة إلى
من وُجّهتْ إليه.
-
كلمة: تقول في رسالتك أن القضاة التونسيين "مقهرون"
في كل مكان على التصريح بأحكام مزّلة ولا تعكس
القانون إلا كما أريد له أن يُقرأ... هل يتعلّق
هذا بقضايا الحق العام أيضا أم أنه مقتصر على
القضايا ذات الطابع السياسي؟
-
المختار اليحياوي: نعم
ذكرتُ في رسالتي أن القضاة التونسيين مُقهرون
في كل مكان على التصريح بأحكام منزّلة... ولا
تعكس القانون إلا كما أريد له أن يُقرأ.
وأشكر
لك حدسك لأنني فعلا لم أكن أقصد القضايا ذات
الطابع السياسي لأن هذا الصنف هو الذي عبّر
عنه القاضي الذي تحدّثتْ عنه سهام بن سدرين
الذي لا يعرف قرينة البراءة -وهذا من اختصاصات
القضاء الموازي الذي ذكرته.
الرهانات
الكبرى الآن أصبحتْ تهمّ قضايا الحق العام في
هاته الهجمة الشرسة للنهب التي تعرفها بلادنا
والتي نعتقد أنها لن تطول وسيُبعث هذا القضاء
من رماده ويردّ لكل ذي حق حقه وما ضاع حق وراءه
طالب.
-
كلمة: ماذا غيّر إصدار هذه الرسالة في حياتك
المهنيّة والشخصية؟
-
المختار اليحياوي: قلتُ في التصريح الكتابي
الذي سلّمته اثر بحثي من طرف المتفقد العام
المساعد بوزارة العدل »نكتشف
أننا نُبعث من جديد في عالم الصدق والصفاء بعد
أن كدنا نُبلى في عالم العتمة والنفاق».
-
كلمة: هل التململ الذي عبّرتْ عنه رسالتك شعور
يشاركك فيه كثير من القضاة؟ وهل تتوقع أن تفتح
مبادرتك الباب لمبادرات أخرى يعبّر فيه
القضاء التونسي عن نفاذ صبره حيال تجريده من
سلطته الحقيقيّة ومنعه من أداء دوره المتمثّل
في إنصاف الناس وتمكينهم من الاتصال
بحقوقهم؟
-
المختار اليحياوي: لم تعبّر رسالتي عن
التململ وإنما عن السخط وهو ليس شعورا ولكنه
واقع نعيشه جميعا بنفس الدرجة من الحدّة وقد
أتاح لي هذا الاستجواب كشف بعض الجوانب التي
اقتضتْ تلك الصياغة الموجودة برسالتي.
وقد
أحدثتْ رسالتي وقعها المطلوب وهي إثارة صحوة
حقيقيّة في النقاشات والوعي بخطورة الأوضاع
لم يسبق أن حدث بتلك الدرجة في تاريخ القضاء
التونسي وأنا متأكّد أنها لن تنتهي ببساطة.
لم
أكن شخصيّا أرغب في المزايدة بالعرائض ولابدّ
من المحافظة على تماسك الهيكل القضائي وعدم
الوقوع في المزالق التي تؤدي إلى انهياره.
فالمشكلة القائمة طُرحت بما يكفي من الوضوح
والدقّة. والوقع الذي أحدثَتهُ داخل جميع
المحاكم دليل على جديّتها وخطورتها ولم يبق
أحد بحاجة إلى إعادة طرحها.
-
كلمة: تطالب قوى المجتمع المدني اليوم بسنّ
قانون العفو التشريعي العام ويتضمّن نص هذه
المطالبة دعوة إلى وجوب تتبّع المسؤولين عن
سجن وتعذيب وتغريب الضحايا: هل تتصوّر أن بعض
القضاة يمكن أن يكونوا معنيين بهذا التتبّع؟
-
المختار اليحياوي: العفو عن ماذا؟! يجب أن
نقرّ بالجرم حتى نطلب العفو. نحن في أوضاع
اُقترفت فيها مظالم باسم القضاء ويجب أن
تُرفع فورا وفي صورة عدم حصول ذلك فإن أي شخص
سواء أكان من القضاة أم من غيرهم يمكن أن يكون
ضحيّة بدوره لمثل هذه المظالم.
أما
التفكير حاليّا في تتبّع المسؤولين فأعتقد
أنه سابق لأوانه ولا أعتقد أنه من مصلحة أحد
الآن التفكير بمنطق الانتقام والاحتقان. ولكن
يبقى دوما كل شخص مسؤولا عن أفعاله وهي من
المسؤوليات التي يجب أن لا يطولها التقادم.
-
كلمة: هل تعلم أنك اليوم محطّ أنظار القوى
المطالبة بالديمقراطية واحترام دستور البلاد
وأنه لا حديث لهم إلا عنك وعن تجنّدهم
لمناصرتك؟
-
المختار اليحياوي: بودّي لو كان في إمكاني
أن أشرككم في وقع بعض عبارات المؤازرة التي ما
تنفكّ تصلني من جميع الأوساط ومن كل مكان وليس
من التونسيين ومن المظلومين فقط... وهذا
يكفيني لتحمّل عناء أي تضحية مهما كان مداها.
-
كلمة: أترك لك كلمة الختام.
-
المختار اليحياوي: نحن جميعا بحاجة إلى
لحظة صدق وإلى تبيّن الفضيلة الكامنة فينا
وإلى العودة إلى نبل المبادئ والانسجام مع
قوالب الأخلاق... لأننا بذلك فقط نبلغ مرحلة
السموّ والهناء حيث تغلب لذّة العطاء على
الغصب والنهب والتناحر والفناء.
أجرت
الحوار: أم زياد