index.jpg

ثقافة التبرع بالدم

أ.أفيلال محمد الأمين

الكاتب العام الوطني

أستاذ التعليم العالي

 

1.  مقدمة: لا شك أن قوة أي تكتل بشري، وقوة أي تجمع تكمن في الشعور المشترك بأهمية الموضوع، والعصر الحديث يعطي أمثلة كثيرة في قوة دافع المصلحة المشتركة وراء التكتلات البشرية، ونحن في الرابطة المغربية لجمعيات التبرع بالدم،  لكي نظمن قوة تكتلنا وتماسكه وصموده أمام المعوقات والصعوبات، ليس أمامنا دافع المصلحة المشتركة بمفهومها الضيق، بل هناك مصلحة عامة تتعدى المنخرطين والمتبرعين والمرضى، وهدا يسمى دافع الواجب، والواجب ينبع من الثقافة فمن هنا ندخل للموضوع بالسؤال التالي ما هي ثقافة التبرع بالدم التي يجدر بنا أن نجعلها الدافع الأساسي والقوة المحركة وأساس الاستمرار في حياة الرابطة ؟

2.     تاريخ استعمال الدم في علاج المرضى، عرف عدة محطات، يمكن تلخيصها كالتالي:

·      إلى حدود سنة 1492 يمكن القول أن الاستعمال لمادة الدم البشري كان غير علمي وغير معقلن، إذ كان البعض يشربه لمقاومة الشيخوخة، بينما في الإسلام أي قبل ذلك بكثير كان الدم يعتبر محرم كطعام

·                1615 تم وصف عملية تحاقن الدم

·              سنة 1628 ويليام هارفي يصف الدورة الدموية مع العلم أن ابن النفيس كان سباقا لذلك

·      سنة 1656 أجريت أول عملية حقن الدم مباشرة في الوعاء الدموي وبعدها كنت التجربة في تحاقن الدم بين كلبين وعن طريق أنابيب ريش العصافير.

·      إلى حدود سنة 1667 تمت تجارب أولية على الحيوان لاستعمال الدم كدواء، وهكذا تمت أول عملية بين إنسان وكبش، ولكن المحكمة منعت تلك التجارب تفاديا للمضاعفات ، ويمكن القول أن أول تجارب تحاقن الدم كانت سرية وغير مدونة

·      سنة 1870 كان الدم يستعمل لإسعاف جرحى الحرب بعد استخلاص مادة التخثر، كما حاول بعض العلماء استبدال الدم بالسائل المالح liquide physiologique، ولكن بعد اكتشاف وسائل التعقيم تطورت عملية تحاقن الدم بسرعة

·                في سنة 1900 تم اكتشاف الفصائل الدموية الأساسية و هي   ABO

·                مند سنة 1914 بدأ التفكير في تخزين الدم، وكان التحاقن من اليد إلى اليد

·                منذ 1915 تم استعمال مواد كيماوية لمنع التختر citrate de soude 0.2%

·                سنة 1923 أنشأ أول مركز لتحاقن الدم ببارز

·                في سنة 1940 تم اكتشاف صنف الريزوس

·          منذ سنة 1946 بدأ نقل وتوزيع الدم على المستشفيات، كما تم فصل مكونات الدم كل على حدة وهي ثلاثة (plaquettes, plasma, globules rouges)

·      منذ 1952 إلى حدود 1970 كان التبريد هو العنصر الأساسي في تخزين الدم، ومدة التخزين بين 7 و 42 يوم فقط، ومنذ ذلك الوقت تضاعف عدد المتبرعين بسرعة

·      منذ سنة 1980 مع بروز مرض السيدا، بدأ التفكير في جودة الدم وبالتالي حصر موانع وشروط التبرع بالدم. في المغرب ينظم العملية ظهير 133-95-1

3-    بعض المعطيات الإحصائية: إن تحليل الفصائل الدموية يمكن من معرفة تاريخ هجرة الشعوب، ويمكن أن يكون موضوع بحث حول الحالة الوبائية لبعض الأمراض لتسطير برامج التوعية والوقاية حسب أولويات علمية.

·                التوزيع الدولي هو كالتالي من الأقل إلى الأكثر انتشارا: O, A, B, AB

·                42% من الأفارقة هم من فصيلة B  و99%  هم Rh+

·                سكان القوقاز البيض 45%  A ، 40 %  O ، 85%  Rh+

·                سكان أمريكا الأصليين الهنود 67 %   O، 99 % Rh+

·                السود الأمريكان 82 %   A

·      المعدل العالمي للمتبرعين حسب عدد السكان هو 1%، في فرنسا تصل نسبة المتبرعين 10%   وفي المغرب لا تتعدى 0.7%

4-    عناصر الثقافة السلبية التي تمنع من التبرع بالدم تتمثل أساسا في الإشاعات:

·                خطورة العدوى بعد التبرع

·                الحقن مؤلمة والتبرع بالدم مضر بالصحة

·                لا داعي للتبرع بالدم مع وجود الأدوية العصرية

·                ينبغي أن يكون المتبرع صائم

·                هل التبرع بالدم حلال وهل يعطى لغير المؤمن

·                الدم يضيع ويرمى لغياب إمكانيات الحفظ

·                إن الدم المتبرع به يباع للمرضى وللمصحات الخاصة وللخارج

·                الإنسان الغليظ أكثر دما وأولى من النحيف بالتبرع

5-     الثقافة الإيجابية الحضارية التي تحث على التبرع بالدم

لابد في البداية أن نتطرق للموضوع في إطاره العام وفي نفس الوقت حتى لا يتشعب الكلام ينبغي أن نربطه بواقع الجمعيات، فمن ناحية كما جاء في تدخل المشاركين في المؤتمر التأسيسي للرابطة وما ترتب عنه من توصيات، فعمل الجمعيات ومستقبلها رهين بمدى انتشار ثقافة التبرع والتطوع بصفة عامة وثقافة التبرع بالدم خاصة، ذلك أن بعض الممارسات لم تعد مقبولة، مثل إرغام أهل المرضى بتوفير المتبرعين أو إرغامهم على التبرع عند طلبهم لخدمة من الخدمات الصحية بالمستشفيات.

في الواقع نجد ثلاثة أنواع من المتبرعين: من أجل مريض، التطوع أثناء الحملات، التطوع عن اقتناع وبصفة منتظمة، وهذه الصفة الأخيرة هي المطلوبة وهي ضمان الاستمرارية والجودة والسلامة، ومن هنا فإن الكلام عن ثقافة التبرع بالدم من صميم اهتمامات الرابطة والجمعيات المكونة لها، كما أن العمل معا على توحيد الرؤيا حول هذه الثقافة ونشرها ينبغي أن يكون من بين أهم استراتجياتها، وذلك ليقبل الناس تقائيا على التبرع بالدم لغيرهم من المرضى. هذه الثقافة هي عبارة عن أفكار ومعطيات ومبادئ وقيم التي من شأنها إن راجت في المجتمع-بمختلف الوسائل- أن تؤثر على السلوك وتدفع من يتشبع بها ويبناها أن يكون محبا للخير مقبلا على التطوع بتلقائية وبصفة مستمرة وليس موسميا أو بمناسبة ما فقط. هذا الموضوع إذا مهم بالنسبة للرابطة وهو مهم أيضا بالنسبة للتنمية البشرية، إذا اعتاد الناس أن ينظروا للتنمية من الجانب الاقتصادي فقط.

6-     الجانب الفطري الانساني العام:

إن رد الفعل نحو الشر والخير من الأمور الطبيعية، أي أن كل المخلوقات تنفر من الشر والظلم وتميل للخير والعدل، بل جل نشاطات المخلوقات تصب في الصالح العام، فبالنسبة للحيوان هناك الغرائز كمحرك كاف لهدايته لما ينفعه ويجعله منسجما مع محيطه ومع النظام العام للحياة دون أن يسبب خللا ولا كارثة ولا إزعاج لباقي المخلوقات، فالنحل مثلا منذ وجد وهو يسير على نفس الهداية فينتفع وينفع. أما الإنسان العاقل فهو في حاجة إلى المبادئ وثقافة تؤهله لفعل الخير وذلك لكونه يمكن أن يغير من سلوكه حسب ثقافته وحسب المؤثرات الخارجية، فهو متقلب بين عدة أحوال متضاربة، من حب وكراهية وتكبر وأنانية....

7-  الجانب العقائدي: إن التدين هو عامل مساعد ومتمم للفطرة السوية التي تميل لفعل الخير لقوله تعالى: " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها"10 سورة الشمس. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

في الثقافة الاسلامية ما يرسخ حب التطوع، وعناصر هذه الثقافة متكاملة، فمنها الواجب ومنها التطوع، إذ من المعلوم أن الزكاة مثلا هي ركن وتتمثل ف العطاء للمحتاجين وجوبا وليس اختيارا، وزكاة الفطر على الخصوص تربية على العطاء بغض النظر على المستوى اجتماعي والمادي، بل تجسيد للتكافل بين أفراد المجتمع، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:" لن تؤمنوا حتى ترحموا، قالوا يا رسول الله كلنا رحيم، قال إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة" ولقوله تعالى "لا يمنعكم الله من الذين لم يخرجوكم أن تبروهم وتقسطوا إليهم"8 سورة الممتحنة. وقوله تعالى " ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا".

بل تتعدى الرحمة إلى الحيوانات إذ دخلت المرأة النار في هرة لحبسها ولمنع الطعام عنها.

لا شك أن الفرق بين الجانب العقائدي المؤطر للحضارة الإسلامية والجانب المادي المؤطر للحضارة الغربية، يكمن أساسا في تركيز هذه الأخيرة على البنيان والعمران والمظاهر الخارجية عوض إنسانية الإنسان التي تحتاج للثقافة والعقيدة أكثر من المادة، والخلاف بين الحضارتين يصعب حسمه نظريا بل التمحيص يكون في المنتوج الحضاري، الذي هو إما مظاهر براقة وإما مبادئ ونماذج بشرية يفتخر بها وتكون قدوة لغيرها.

في الثقافة الاسلامية نجد دائرة فعل الخير متسعة وليست منحصرة في الجانب المادي:

·        النهي عن المنكر (كل ما تنكره نفس الإنسان السوي ويسيء للصالح العام)

·        الأمر بالمعروف (كل ما تعارف علية أهل الخير ويصب في الصالح العام)

·        ابتسامتك في وجه أخيك صدقة

·        التناصح (الدين النصيحة)

·        إماطة الأذى عن الطريق صدقة

·        إعاثة المحتاج

·        تعليم الجاهل ونشر العلم

·        كفالة اليتيم

ومن أقوال الرسول صلى الله ليه وسلم "أطعموا الجائع وعودوا المريض" وقوله "لأن أمشي مع أخي المسلم في حاجته أحب إلي من الاعتكاف في المسجد شهرا" وقوله "من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" وقوله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"

8-     أثار فوائد فعل الخير:

¨        بالنسبة للمتطوع:

·        تزكية النفس وتدريب وتعود وزيادة في فعل الخير

·        الراحة النفسية مع ما لذلك من آثار إيجابية على الاستقامة في باقي جوانب الحياة

·        الأجر عند الله وتوفيق منه لمزيد من فعل الخير

¨        بالنسبة للمتبرع له:

·        اطمئنان النفس لشعوره بالتكافل وعدم كراهية المجتمع

·        صيانة كرامته من التسول والتذلل في طلب المساعدة وخاصة الدم بالنسبة للمريض

·        القدوة الحسنة حيث يقبل هو أيضا على فعل الخير بعد خروجه من المحنة بمساعدة الغير

¨        بالنسبة للمجتمع:

·        إحياء الشعور بالتكافل الاجتماعي

·        تشجيع الإقبال والمساهمة في إنشاء المؤسسات الاجتماعية على كل المستويات

·        حل المشاكل الاجتماعية المستعصية

·        انتشار الرحمة وتراجع الشر بل حتى على المستوى الدولي يتم تغليب السلم على الحرب

9-     منهجية ووسائل ترسيخ ثقافة التبرع بالدم:

إن ثقافة التبرع بالدم لا تكون ناجعة إلا بعد ما تتحول الأفكار إلى الممارسة ومن أجل ذلك ينبغي اتباع منهجية التدرج انطلاقا من الفرد ثم المجموعات والجمعيات وصولا إلى المجتمع، وأما آليات نشر وتثبيت هذه الثقافة، فهي القدوة على مختلف المستويات وهنا نذكر كون فاقد الشيء لا يعطيه.

¨   المستوى الأول هو الفرد، والذي يتطلب الاقناع والتعود منذ الطفولة على التبرع والتطوع، بالقول والعمل، بل الذي لا يتطوع ف حياته فحتى الواجب سيقصر في أدائه. والجمعية مثلا هي عبارة عن متطوعين لمساعدة المركز، إن انخرط أعضاء المركز بالجمعية يكون مؤشر على أنهم يقومون بواجبهم كاملا بل يزيدون عليه التطوع.

¨   المستوى الثاني هو الوسط الأسري والمحيط الاجتماعي المتمثل أساسا في الجمعيات حيث يتمرن الإنسان على التطوع وهنا لابد لنا أن نربط الجسور مع باقي الجمعيات وخاصة العاملة في الميدان الصحي الخيري التطوعي، لما لذلك من آثار على توسيع دائرة ثقافة التبرع بالدم في من هم أقرب لهذه الثقافة..

¨   المستوى الثالث هو النظام العام وهو يتمثل في سلوك الادارة ومستوى تطبيق القانون والإحساس العام بالاطمئنان لفعل الخير واستحسانه وتقديره وتشجيعه وتكريمه، وهذا يمكن أن يكون برنامجا لتكريم موظفي وأطر القطاع الصحي المتميزين، لرفع معنوياتهم، وحتى لا تبقى الصور السلبية هي البارزة أمام المواطنين.

10- ما هي العوائق؟

لا شك أننا نتسائل جميعا لماذا لا نكاد نرى أثر لكل عناصر هذه الثقافة؟ وماهي المعوقات التي تحول دون تمثيلها وترسيخها في مجتمعنا؟

¨        هناك تغييب مفاهيم الثقافة الجادة، بل صارت الثقافة عبارة عن فلكلور وغناء بلا معنى ورقص بلا حياء

¨        لا يمكن للمجتمع أن يتمثل هذه الثقافة ما دام جله أميا

¨        غياب جو الثقة لكثرة الاحباطات ومن كثرة الوعود الرسمية التي لا ترى النور

¨   هناك تضخيم لبعض السلبيات مع غياب الأسس الفكرية والإنسانية لفعل الخير، مثل أن يشاع أمام الملأ شبهات من باب الشك في كل شيء، ودون تمحيص، ودون اعتبار للعواقب التي يمكن أن تؤدي لوفاة أشخاص من نقص الدم المتبرع به مثلا.

¨   غياب جل الخدمات في الواقع، الأمر الذي يتطلب العمل الشاق على جميع المستويات، وهذا فوق طاقة الجمعيات.وكل هذا يولد الشعور باليأس.

¨        عدم الاطمئنان للعمل الجماعي مع طغيان الهاجس السياسي الانتخابي

¨        التبرع بالدم بالإكراه يولد رد فعل سلبي، إذ لا يعود للتبرع مرة أخرى إلا إذا أكره وليس عن طواعية.

مع كل هذه السلبيات يصعب نشر ثقافة التبرع بالدم على مستوى السلوك، والرابطة عبارة عن شمعة نتمنى أن تضيء ربو هذا البلد الأمين، والذي يشجعنا هي الصور المثالية التي ما زالت في مجتمعنا والتي نراها خلال نشاطنا الجمعوي.

وفي الختام أقول كما قال الشاعر:

قد مات قوم وما ماتت مكارمهم          وعاش قوم وهم في الناس أموات

11- الخلاصة: نحتاج لثقافة التبرع أكثر من حاجتنا للتجهيزات، ونحتاج للمتبرع القدوة أكثر مما نحتاج للمتخصصين في تحاقن الدم

 

 

إن تحليل الفصائل الدموية يمكن من معرفة تاريخ هجرة الشعوب، ويمكن أن يكون موضوع بعث حول الحالة الوبائية لبعض الأمراض لتسطير برامج التوعية والوقاية حسب أولويات علمية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الدار البيضاء 15/7/2002

تقديم أ.أفيلال محمد الأمين

الكاتب العام الوطني