طرف من سيرته

طرف من سيرته

كان ذلك غيضاً من فيض، من مواعظ الإمام العالم الحسن بن يسار البصري، الذي ولد سنتين بقيتا من خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في المدينة المنورة

وكانت أمه (خيرة) مولاةَ (أم سلمة) زوجة النبي صلى الله عليه وسلم،متفرغة لها..فكانت تبعث أم الحسن في حاجة لها،فيبكي وهو صبي،فتعطيه ام سلمة ثديها،تعلله به إلى أن تجيئ امه

وكانت رضي الله عنها تخرجه إلى أصحاب رسول اللهًٌٌٌٌٌٌٌُُ صلى الله عليه وسلم وهو صغير،فكانوا يدعون له. فأخرجته إلى عمر بن الخطاب،فدعا له،فقال: اللهم فقِّهه في الدين،وحبِّبه إلى الناس

ويتذكر الإمام الحسن بعض ذكرياته فيقول:كنتُ أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان فأتناول سقف البيت بيدي

ويقول:رأيت عثمان نائماَ في المسجد،حتى جاء المؤذن،فقام،فرأيت أثر الحصى على جنبه

وكان رحمه الله متأثراً بفضائل الصحابة رضوان الله عليهم وأخلاقهم..وكان دائم التذكير بسيرتهم،ويدعوا الناس إلى التأسِّي بهم..وكان أشبه الناس بهم وبدعوتهم

وصفه ابن سعيد في طبقاته بقوله: كان جامعاً،عالماً،عالياً،رفيعاً،فقيهاً،ثقة،مأموناً،عابداً،ناسكاً،كبير العلم،فصيحاً،جميلاً،وسيماً

وكان يلبس في الشتاء قَبَاء حِبَرة وطيلساناً كردياً،وعمامة سوداء.وفي الصيف:إزارَ كتَّان،وقميصاً،وبُرداً حِبَرة

قال مهدي بن ميمون: وكان الحسن لا يضع العمامة صيفاً ولا شتاء إذا خرج إلى الناس.وكان وقوراً مهيباً

قال عاصم الأحول: قلت للشعبي: إنني مسافر فهل لك من حاجة

قال: نعم،إذا أتيت البصرة،فأقرئ الحسن مني السلام

قلت: ما أعرفه

قال: إذا دخلت البصرة،فانظر إلى اجمل رجل تراه في عينيك،وأَهيبَهُ في صدرك،فأقرئه مني السلام

قال الراوي: فما عدا أن دخل عاصم المسجد،فرأى الحسن والناس حوله جلوس،فأتاه وسلم عليه

وقال الإمام الذهبي: كان الحسن من أشد الناس!وكان المهلب بن أبي صفرة إذا قاتل المشركين يقدمه

وقال الأصمعي عن ابيه: ما رأيت زنداً أعرض من زند الحسن،كان عَرضُه شبراً

وذكر ابن سعد أنه غزا مع عبد الرحمان بن سُمرة كَابُل والأندُقَان والأندغان وزابُلِستان ثلاث سنين

وكان رحمه الله زاهداً في الحياة،محباً لأصحابه،طيب المعشر

عن مطر قال:دخلنا على الحسن نعوده،فما كان في البيت شيء!لا فراش،ولا بساط،ولا وسادة،ولا حصير..إلاَّ سرير مرمول¹ هو عليه

ويروي قتادة حادثة فريدة مع الإمام الحسن فيقول: دخلنا على الحسن وهو نائم،وعند رأسه سلة،فجذبناها،فإذا خبز وفاكهة،فجعلنا نأكل!فانتبه ،فرآنا،فسرَّه،فتبسَّم

وهو يقرأ : أو صَدِيقِكُم لَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ أَن تَأكُلُوا جَمِيعًا أَو أَشتَاتًا 2

ويذكر أبو سعيد بن الأعرابي أن حلقته في المسجد كان يمرُّ فيها الحديث والفقه وعلوم القرآن واللغة وسائر العلوم ..وكان منهم من يصحبه للحديث،ومنهم من يصحبه للقرآن والبيان،ومنهم من يصحبه للبلاغة،ومن يصحبه للإخلاص

وقال الأشعت:كنا إذا أتينا الحسن لا نسأل عن خبر ولا نخبر بشيء،وإنما كان في امر الآخرة

وقد اشتُهر قول انس رضي الله عنه عندما سُئل عن مسألة فقال: سَلُوا مولانا الحسن،فإنه سمع وسمعنا،فحفظ ونسنا

وهذا يدل على علمه وجلالة قدره

وكان رحمه الله في أول عهده كاتباً للربيع بن زياد الحارثي والي خرسان في عهد معاوية بن سفيان

وكان مفتي البصرة أبو الشعثاء جابر بن زيد،ثم جاء الحسن،فكان يُفتي

قال ابو حرَّة : وكان الحسن لا ياخذ على قضائه أجرا

وقد روي أن اعرابياً سأل أهل البصرة: من سيدكم؟ قالوا: الحسن.قال: بما سادكم؟ قالوا: احتاج الناس إلى علمه،واستغنى هوعن دينارهم.فقال الأعرابي: ما أحسن هذا


¹ا لسرير المرمول: الذي نُسج وجهه بالسَّعف، ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير

²سورة النور : الآية :61